في لقاء على فضائية "القدس" الحمساوية أعلن موسى ابو مرزوق، عضو المكتب السياسي لحركة حماس نهاية الاسبوع الماضي إستعداد حركته للانخراط في المفاوضات مع إسرائيل. واسباب القائد الحمساوي: اولا لان المفاوضات "حلال" وليست حرام! وثانيا لان غالبية المواطنين في محافظات الجنوب (قطاع غزة) مع المفاوضات.
السببان يحتاجان لقراءة وتدقيق، وقبل ذلك، تملي الضرورة القول بالفم الملآن، ان قيادة حماس لم تكن يوما ضد المفاوضات، وكل الضجيج المفتعل خلال السنوات ال(26) من تأسيس الحركة، كان للاستهلاك الديماغوجي، ولتضليل الشارع الفلسطيني، والايحاء بان القيادة الشرعية من خلال مفاوضاتها مع دولة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية، "تتنازل" عن الحقوق الوطنية، وان "حماس"، هي وما تمثل فقط مع خيار "المقاومة"، وذلك إغراقا في التضليل وخلطا للاوراق امام قاعدة فرع الاخوان في فلسطين والمواطنين الفلسطينيين والعرب على حد سواء بهدف سحب البساط من تحت اقدام القيادة الشرعية.
بالتأكيد المرء، مع خيار المفاوضات لتحقيق الاهداف الوطنية. لان كل صراع قومي او طبقي او ديني او طائفي يحتاج بالمحصلة إلى تفاض بين الاطراف المتصارعة لتوقيع اتفاق او معاهدة سلام إرتباطا بموازين القوى في لحظة سياسية معينة من الصراع عندما تنضج الظروف، وتفرض الجلوس على طاولة المفاوضات. لكن المفاوضات لها حدود ضوابط، وليست مفتوحة. ولا يقبل اي طرف او قوة سياسية الجلوس على طاولة المفاوضات إلى ما لا نهاية من اجل المقاوضات.
وعود على بدء لما ذكره ابو عمر، فإن خيار المفاوضات لا يخضع لمعايير "الحلال" و"التحريم". لان هذا المنطق مرفوض من حيث المبدأ. ولا يجوز إدخال الدين فيه. كون الاساس الناظم للقبول بالجلوس على طاولة المفاوضات مع العدو، هو مصلحة الشعب العليا، وليس اي اعتبار آخر. وكما اكدت تجارب الشعوب على مدار تاريخ البشرية: في حال يستطيع شعب وقوة سياسية ما من تحقيق اهدافها من غير نقطة دم واحدة، فإن هذا يعتبر إنجازا استراتيجيا لهذه او تلك من القيادات. ولكن إن فرض القتال والمقاومة، ولا خيار سوى المواجهة مع العدو، فإن المصلحة الوطنية او الطبقية تفرض حمل السلاح دفاعا عن الذات والاهداف اي كان طابعها.
وبالمقابل الموضوع الوطني العام لا يخضع لمزاج تجمع من الشعب، بل تمليه مصلحة الشعب كله، والمزاج العام برمته. قطاع غزة، جزء اصيل من الشعب والوطن الفلسطيني. ولكن هذا الجزء البطل، لا يمكنه ان يقرر مصير الشعب برمته. لذا اخطأ موسى ابو مرزوق في إختزال الشعب الفلسطيني بابناء الشعب الفلسطيني في القطاع. وهو ما يعكس حدود الرؤية الضيقة في قراءة مصالح الشعب الفلسطيني.
ومن زاوية أخرى، لماذا الان اعلن ابو مرزوق القبول بالمفاوضات؟ ألم يكن من الاجدر به وبحركته الاخوانية القبول بالمفاوضات قبل ذلك، وازالة احد مساقات التضليل والتوتير في الساحة الفلسطينية؟ وهل هناك قوى اقليمية ارغمت "حماس" على الاعلان عن الموقف الجديد أم هو نتاج حسابات وتقديرات خاصة بالحركة؟
رغم ان بعض قادة وكوادر حركة حماس، اعلنوا استغرابهم مما طرح، وإدعوا انهم فوجئوا امثال ابو السبح وغيره، فإن المرء لم يستغرب الموقف، وانما اللحظة والطريقة والتبريرات، التي طرح بها موضوع المفاوضات. ومن المؤكد ان الاعلان عن ذلك الان لم يكن وليد الصدفة، بل لان قيادة حماس، إستجابت لمشيئة خيارها وايضا لقرار واجندات حلفائها، ولانها ومن يقف خلفها، أدركت ان الحرب الاسرائيلية الاخيرة (الجرف الصامد) على قطاع غزة، ليس مسموحا لها العودة للعبث بمصير المواطنيين الغزيين مرة اخرى باسم ذريعة "المقاومة" ومن ثم القبول بهدن مذلة ومهينة بمجرد اتصال من وزير خارجية قطر مع خالد مشعل، بعد ان اتصل جون كيري مع المسؤول القطري لفرض الهدنة. وايضا لانها استنزفت كل احابيلها ومسوغاتها التضليلية، ولم يعد الشارع الوطني مستعدا للتساوق معها، كما ان الشارع العربي وقواه السياسية، كشفوا حقيقة الاخوان المسلمين واهدافهم واكاذيبهم وحدود "مقاومتهم".