تاريخ النشر: 2019-05-05 | 06:53
تاريخ النشر: 2019-05-05 | 06:53
"الحريةُ والكرامةُ الإنسانيةُ مَبْدَءَا كُلِّ وُجُودٍ إنسانيٍّ جوهريِّ وفاعلٍ في مَدَارَات الوُجُود"
إزاء استمرار تواصل المقولات التي تنتجها آيديولوجيات التَّخلُّف والثبات، والتَّسلط والاستبداد، والظَّلام والظُّلم، مع أشباهها ونظائرها المعتمة المتكلسة، تلك المختزنة في أقبية التُّراث الثَّقافي العربي النَّقليِّ الرَّاسخ على امتداد مراحل متعاقبةٍ تربو على ألفية كاملةٍ من أزمنة الاتِّباع والتَّبعية، والاستبداد والاستعمار، والثَّبات المميت، والسكوت المُهِين على واقعٍ تَسَلُّطيٍّ استعماريٍّ ضَارٍ ومرير، كيفَ يُمكنُ لخطاب العقل أنْ يُؤَصِّلَ نفسه فكرياً؛ عقلياً، ومنطقياً، وإبداعياً، وتنويرياً، وأنْ يُرسِّخَ حضوره وجوداً فاعلاً في وعيِّ النَّاس، وفي مواجهة الواقع القائم الذي يتوقونَ إلى تغييره،؟ وكيف لهذا الخطاب أنْ يُوقِدَ شُعلة إطلاق مسيرة التغيير النَّهْضَويِّ، وأنْ يكون مُحفِّزاً للنَّاس على الانخراطِ الفاعل في مسارات التَّغيير المتشعِّبة، المُتَواكبة، والمتكاملة في تفاعل ثريٍّ وخلَّاق؟
لعلَّ للتجاربَ المتعاقبة التي خاضتها أجيال سابقة، وخضناها نخنُ، فما انتهت لشيء سوى الفشل، أنْ تُعلِّمنا أنَّهُ ليس لأيِّ خطاب تنويريٍّ يستهدف إدراك الحقيقة فيما هو يستندُ إلى بداهة العقل وفطرته، ويراعى مقتضياته وأحكامه، ليكون هو خطاب التَّقدُّم والنَّهوض والتَّحوُّل الدائم، إلا أنْ يفتحَ أبوابَ ثلاثة مداخل أساسية، وأنْ ينخرط جائساً ومستقصياً، في جميع الدُّروب والمسارات التي ينفتحُ عليها، أو يُوْجِبُها، السعيُّ لعبور أيُّ مدخل من هذه المداخل الأساسية الثلاث.
فمن جهة أولى، ينبغي للخطاب التنويريِّ ألا يكفَّ، أبداً، عن التواصلِ الحواريِّ الخلَّاق مع المكونات المُنِيرة في التُّراث الثَّقافيِّ العربيِّ العقليِّ ليستلهمها جميعاً في صَوْغِ رؤيته النَّهضوية الإبداعية المؤسَّسة على المعرفة العلمية العقلية الخالصة، وليعمِّق ما اكتنزتهُ هذه الرؤية من مبادئَ، وقيمٍ، ومكوناتٍ فكريةٍ جوهريةٍ.
وتأسيساً على هذه المبادئ والقيم، ينبغي لخطاب العقل أنْ يُؤكِّدَ، ضمنَ ما يُؤكِّده من حرياتٍ أساسيةٍ وحقوق إنسانية شاملة ومترابطة، حرية الإرادة الإنسانية في التفكير والاختيار والفعل، وأنْ ينهضَ، وفقَ ذلك، بتعريف مكونات هُويَّة الإنسان العربي الجديد، وتحديد أُسسها، ومنابعها، وتراتب أولوياتها، على نحوٍّ يُفضي إلى رسم صورته الإنسانية الجوهرية العميقة، تلك التي لا يليقُ غيرها به كإنسانٍ حرٍّ قبل أنْ يكون عربيَّاً؛ إنسانٍ تتجَسَّدُ هُوِيَّتُهُ وضَّاءةً، ومنفتحةً على الحياة والنَّاس، إذْ تنعكسُ في مرآتين متناظرتين هُما الإنسانية والعُرُوبة: ثقافةً وحضارةً، وتطلعاً لاهباً لتفاعلٍ خلَّاق يُثري حياة الإنسان، ويسمو بحضارته، وقيمته، ومعنى وجوده في الوجود. هذا من الجهة الأولى.
أما من الجهة الثانيةٍ، وفي توازٍ متفاعلٍ مع مراجعته الدَّائمة لمنجزه الفكريِّ المُعاصر، وتفاعله الاستلهامي مع المكونات المُنيرة في التُّراث الثَّقافيِّ العربيِّ المتراكم عبر القرون، ينبغي لخطاب العقل المُنِير أنْ يُتابعَ، بدأبٍ ومثابرةٍ تتخطَّى العثرات وتُقاومُ العراقيل والصِّعاب، مساره التأسيسي في إنجاز تحليلٍ علميِّ، مُتَشَعِّب وعميق، للواقع القائم في "العالم العربي" على تباين الشروط الحاكمة مجتمعاته، وبلدانه، وأحيازه المتشظية العديدة.
ومن الجهةٍ الثالثةٍ، ينبغي لهذا الخطاب أنْ ينخرطَ في حوارٍ مُتكافئ وطليق مع ثقافة الآخر المتقدِم الحديث، ومع مكونات فكره التنويري على تعدُّد اتجاهاته وتنوُّعها، وأنْ يُمْعِنَ العقلَ مُتبصِّراً في قراءة التجارب التي خاضها هذا الآخر المُتَقَدِّم والمُخْتَلف، في أيٍّ من قارات العالم وبلدانه، لينتقلَ عبر مخاضاتها، المريرة والنَّبيلة، من واقعه الذي كان قائماً إلى واقعٍ تطلَّع إليه فحقَّقَهُ وجوداً راسخاً في الواقع، مُدَشِّناً بذلك زمن انبثاق أزمنة حداثته الخاصَّة، تلك النَّاهضة على تفعيل ممكنات تجاوز الشُّروط التي حكمت مجتمعاته، والفاتحة آفاق الانفتاح الدَّائم على التَّقدُّم المُطَّرد، والتَّحول المُتواصل، والحداثة المُستدامة، والمستقبل المفتوح على مستقبل مفتوح.
وبقدر ما هو مُجافٍ للمنطق أنْ نجعلَ من "ماضي الأنا" مُستقبلاً قابلاً للاستعادة، فإنه لمن غير المنطقي، أيضاً، أنْ تُخْتَزلُ غاية التَّبصُّر في تجارب الآخر المُخْتَِلف في السَّعي إلى محاكاة هذه التَّجارب على نحو يخلو من التَّبصُّر!
فما الغايةُ التي نرجوها، والتي يُسوِّغها العقلُ لمثل هذا التَّبصُّر الذي ندعو إليه، إلا الإفادةُ من معطيات هذه التجارب الحضارية، واستلهام دروسها المُسْتَفادة، إِنْ سلباً او إيجاباً، وذلك بما يتواءم مع ما خَلُصَتْ إليه، أو ما سَتَخْلُصُ إليه، الدِّراسات العلمية المُعمَّقَةِ المُتَّصِلَةِ بتحليلِ الواقع العربي تحليلاً متعدِّدَ الحقول والمجالات والمستويات والأبعاد، وبما يستجيب للحاجة إلى اكتشاف "الحداثة العربية الخاصَّة"، وتوفير الشروط الموضوعية والذَّاتية، وتنمية الموارد البشرية والمادية والمعنوية الواجب توفُّرها لتمكين المجتمعات العربية من تدشين زمن حداثتها عبر الانتقال من الواقع القاتم القائم الآن إلى الواقع الممكن الآتي من المستقبل في مجرى صيرورةٍ حداثيةٍ وتحديثةٍ عربيةٍ دائمة ومُتجدِّدة، تتأسس على تعزيز كرامة الإنسان ولا ترى مقدساً سواه، وتستبدل الحرية بالاستبداد، ولا تذهب إلى مسار يناقض الكرامة الإنسانية والحرية: مبدأً، وقيمةً، وتجليات سلوك، وأساساً لإنهاض كينونة أيِّ وجودٍ إنسانيٍّ جوهريٍّ وتحقيق حضور تجلياتها المضيئة، وتعيناتها الفاعلة، في الوجود!