تاريخ النشر: 2021-10-31 | 11:50
تاريخ النشر: 2021-10-31 | 11:50
هناك أركان رئيسية لتحقيق الاستراتيجية العليا للدولة، وهي: الدبلوماسية والمخابرات والجيش. فالدبلوماسية تدير العلاقات بين الدول وتسعى لفهم توجهات الدول الأخرى خصوصًا المعادية. وأجهزة المخابرات تسعى بدورها إلى جمع المعلومات بأساليب متنوعة للتعرف على حقيقة سياسات الدول الأخرى وأهدافها، ثم يأتى دور الجيش الذى يُمثل حِصن الأمن القومى والأداة الرئيسية لتحقيقه. وتتأثر فاعلية هذه الأركان الثلاثة بشرعية النظام السياسى وارتباط الشعب به وبالقدرة الاقتصادية والتماسك الاجتماعى.
وعند تحليل دور المخابرات العامة فى انتصار حرب 6 أكتوبر 1973 المجيدة، فإننا نواجه مشكلة نقص المعلومات. وهذا أمر طبيعى فبينما توجد عشرات الكتب عن الأداء العسكرى والدبلوماسى لمصر عن فترة الاستعدادا للحرب وخوضها، فإن هناك ندرة فى المعلومات الخاصة بأنشطة المخابرات فهى بالضرورة أنشطة سرية، ومعارك دهاء تتسم بالصمت، وأبطالها الشُجعان مجهولون.
وأجهزة المخابرات لا تكشف عما قامت به حماية لمصادرها وإخفاءً لأساليبها فى التجنيد والرصد. ورجال المخابرات لا يكتبون مذكراتهم أو ما قاموا به من أعمال، بل انهم يعملون بأسماء حركية وتظل أسماؤهم الحقيقية فى طى الكتمان. وحتى عندما يقرر جهاز المخابرات الكشف عن احدى عملياته، فإن ذلك يحدث بأسلوب انتقائى وحذر.
وهناك استثناءات محدودة لذلك، منها كتاب اللواء الدكتور عادل شاهين وكيل المخابرات العامة الأسبق والذى عرض فيه لملامح تطور الجهاز منذ نشأته عام 1953 باسم إدارة المخابرات العامة كفرع من فروع المخابرات الحربية للجيش وكان أول مدير لها البكباشى زكريا محى الدين، ثم تحولت إلى جهاز المخابرات العامة فى عام 1955.
وأرخ فيه لدور الجهاز فى معارك النضال الوطنى الذى كان أولها إعداد وتنفيذ عمليات الهجوم على القاعدة البريطانية فى قناة السويس فى عامى 1953-1954، وذلك كورقة ضغط خلال فترة المفاوضات المصرية البريطانية لتحقيق الجلاء عن مصر. ولتحقيق هذا الهدف، أقامت المخابرات مكاتب لها فى بورسعيد والسويس والإسماعيلية والشرقية.
وفى حقبتى الخمسينيات والستينيات، كان للجهاز دوره فى معارك التحرر العربى فى الجزائر وسوريا واليمن. وفى معارك 1956، و1967، وحرب الاستنزاف 1969 -1970.
وأتوقف أمام دور الجهاز فى جمع المعلومات الاستراتيجية فى مرحلة الإعداد لحرب 1973، والتى كان من أقوى صفحاتها نجاحه فى وضع أجهزة تنصت فى منزل ومكتب «دونالد بيرجس» القائم بمكتب رعاية المصالح الأمريكية فى مصر حيث كانت العلاقات الدبلوماسية مقطوعة بين البلدين، وفى مكتب يوجين ترون مندوب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وأتاح ذلك للجهاز أن يحصل على سيل من المعلومات عن سياسة واشنطن تجاه مصر وعما يدور فى اللقاءات الداخلية للدبلوماسيين الأمريكيين.
كان الاسم الكودى لهذه العملية التى بدأت فى عهد الرئيس عبدالناصر واستمرت فى عهد الرئيس السادات عملية الدكتور عصفور، وإمعانا فى السرية كانت المعلومات تنقل مباشرة إلى الرئيس دون تدخل أى وسيط. قام الجهاز أيضا بمكافحة محاولات التجسس التى تُخطط لها مخابرات الدول الأخرى كإسرائيل والولايات المتحدة. وبلغ عدد قضايا التجسس التى كشفها الجهاز خلال الفترة 1967-1973 نحو ثلاثين قضية، تم الإعلان عن بعضها فقط وذاعت أحداثها بين الناس بعد انتاج عدة أعمال فنية عنها مثل فيلم الصعود إلى الهاوية وإعدام ميت وبئر الخيانة، والمسلسلات التليفزيونية مثل السقوط فى بئر سبع، ورأفت الهجان، والصفعة، وحرب الجواسيس.
ولم يتوقف جهد الجهاز عند كشف الشبكات السرية المُعادية بل لجأ إلى أسلوب غير معهود، فاقترح على الرئيس عبدالناصر اعلان العفو عن أى مصرى يكون قد وقع فى شباك مخابرات دولة معادية إذا قام بإبلاغ الجهاز. وبالفعل قام الرئيس بالإعلان عن ذلك فى خطاب له عام 1968 وحدد مدة شهر كحد أقصى لهذا العفو.
ولتأمين الجبهة الداخلية، تحرك الجهاز فى عدة مسارات. منها متابعة مئات الأجانب من الدبلوماسيين، والعاملين فى الشركات الأجنبية والسياح، وكشفت المتابعة عن قيام بعضهم بعمل لقاءات مع مصريين فى أماكن عامة ولكن مع اتخاذ إجراءات مهنية حرفية لا يتبعها سوى الذين تلقوا تدريبا خاصا فى الجاسوسية، واتخذت المخابرات العامة إجراءاتها بشأن هؤلاء الأجانب. ومنها القيام بالتعاون مع وزارة الثقافة فى انتاج عدد من الأفلام القصيرة تنبه الى خطورة الثرثرة والحديث عن معلومات خاصة بأحد الاقرباء أو الجيران من الضباط، أو الحديث عن تحركات تجرى فى أحد معسكرات الجيش القريبة من مكان السكن، وتم بث هذه الأفلام فى فترات الاستراحة بدور السينما والتليفزيون. ومنها رفع الوعى الأمنى للمصريين المسافرين إلى الخارج، من خلال المحاضرات والندوات لتوعيتهم بأخطار التبسط مع الأغراب فى الخارج، والتحدث معهم فى أمور تتعلق بالجيش والأمن، والتأكيد على أهمية الحفاظ على جواز السفر المصرى من الضياع، حتى لا يقع فى أيدى جهاز الموساد الإسرائيلى الذى يقوم بتزوير بياناته وإعادة استخدامه بأسماء أشخاص آخرين.
ومنها رصد محاولات الحرب النفسية المعادية لإضعاف الروح المعنوية للمصريين بإطلاق الشائعات.. وتم القبض على عدد من الأشخاص الأجانب المتورطين فى هذا النشاط. ومنها متابعة اتجاهات الرأى العام فى مصر، وسلامة المخزون الاستراتيجى من السلع الأساسية. ووفرت هذه المعلومات والتحليلات الأساس العلمى للقيادة السياسية والعسكرية فى إدارتها للحرب. وإلى جانب المُخابرات العامة، كان هُناك دور المُخابرات الحربية ولكن المعلومات عنها أقل وأندر.عن الأهرام