في المشرق العربي دول مفككة معلقة الوجود بانتظار جهود دولية لإعادة كياناتها ووحدتها وتوفير الأمن والاستقرار لشعوبها.
تقدم التاريخ من الجانب الخطأ فأظهر نتائج معاكسة لما كانت توحي به هذه الدول والمجتمعات من تقدم على سواها، فسارت القهقرى في طريق الانحلال بسلوك مكوناتها الشعبية. لم يكن انفجار المشرق العربي له علاقة بجغرافية هذه الكيانات السياسية. عرفت «الدولة الوطنية» شرعية أكثر بكثير مما كنا نظن وتركزت طموحات الشعوب على طبيعة الدولة وطبيعة السلطة على الأقل منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي وطي صفحة المشاريع الوحدوية، وكذلك مواجهة التحديات المشتركة للأمن القومي العربي. من كامب ديفيد إلى حرب لبنان إلى الحرب العراقية الإيرانية بدأ انهيار النظام العربي وذهبت دوله في اتجاهات متعاكسة وعدائية.
في غياب المشروع العربي والإنجازات الوطنية تراجعت شرعية السلطات القائمة وتعاظمت المشكلات الداخلية المتصلة بالأوضاع الاجتماعية المتغيّرة وبالحاجة إلى المشاركة السياسية والحريات ومقاومة احتكار السلطة وفسادها.
تعاملت الأنظمة القائمة بالمراوغة مع الحاجة الضاغطة للإصلاح. لم يكن الإصلاح آنذاك أبداً مطلباً خارجياً. ما كان يريده الخارج الغربي استجابت له تلك الأنظمة وهو «الانفتاح ولبرلة الاقتصاد». اقتصاد السوق والاستهلاك ووصفات صندوق النقد والبنك الدولي وترشيق القطاع العام ومرافق الدولة الخدماتية هي التي كانت سارية في ظل نمو سكاني في مواصفات شبابية ومؤهلات علمية لا يستوعبها السوق.
ترافق ذلك مع مساعدات مالية خليجية مباشرة ومع اتساع سوق العمالة الخليجي وجذب مئات الآلاف من الشباب العرب. في شكل أو آخر يمكن القول مجازاً إن النموذج الخليجي انتصر على النموذج الآخر وأخذ موقعه القيادي الاقتصادي والسياسي والثقافي. أصبحت «الواقعية» هي التسمية الحركية لمتغيرات كل النظام العربي وإعادة اندماجه في النظام العالمي الليبرالي الجديد وشروطه السياسية. ما ظل من أثر المرحلة القومية التحررية كاريكاتور لقادة دول يلعبون بالسلاح ويمارسون المشاغبة وأحياناً الأعمال الإرهابية إثباتاً لوجودهم واستقطاباً لاهتمام جمهورهم والعالم.
إذا كان هناك من مواجهة جدية مع «الخارج» فهي معركة التنمية المادية والبشرية بعدما ألقت هذه الأنظمة سلاحها، خاصة في القضية الفلسطينية في مواجهة إسرائيل.
مصر كما كل دول الشمال الأفريقي الغنية وغير الغنية غرقت بالفساد. وفي المشرق غرق العراق بالمغامرات العسكرية على جبهات لا مبررات لها، وتولت سوريا «التزامات» إدارة الملفات الأمنية المشروعة وغير المشروعة كجزء أساس من حضورها كدولة ومن الاحتفاظ بحقها في استرجاع أرضها من دون مقاومة ومن دون أعباء وأكلاف مباشرة. كل هذه السياسات شرذمت العالم العربي وأفقدت المشروع العربي حيويته وهويته وجاذبيته وأخذت الجمهور إلى خيارات من حواضر البيت ومن الثقافة التقليدية ومن الموروث الفاسد لمقاومة أوضاع مزرية للكرامة الإنسانية والوطنية. كانت شرعية كل الحركات السياسية التي نشأت منذ ثمانينيات القرن الماضي ذات الطابع «التكفيري أو السلفي الجهادي» مستمدة من هذا الفشل المريع لكل المنظومة العربية وانهيار مصداقيتها وهيبتها وانحسار ظلها، بما في ذلك القبضة الأمنية التي اخترقها الفساد كذلك ولم تعد تؤدي الوظيفة بالفاعلية نفسها ولا بالقدرة على «الترهيب» نفسه.
كان انفجار العالم العربي في مطلع العام 2010 حدثاً لا بد منه مهما كانت أشكاله ووسائله، وقد تضافرت عليه كل العناصر الداخلية والخارجية. حين كان الخارج وحده يضغط على دول المنطقة بسيف «الفوضى الخلاّقة» ونظرية تعميم الديموقراطية بالقوة وتغيير الأنظمة بالحرب عليها واجتياحها، ويشهر علناً رؤيته «لشرق أوسط جديد»، كان هذا الخارج لا يلقى الفاعلية والتأثير الذي هو عليه الآن بعد فشل هذه الخطة وهذا التصور والانكفاء الاضطراري لاعتبارات تتعلق بظروفه الداخلية والدولية.
على العكس من ذلك، أصبح «الخارج» مطلوباً ومرغوباً لدور الإنقاذ من محنة انهيار المجتمعات العربية لا الدول فقط. فمهما قيل الآن عن مسار ومصير «الثورات العربية» فهي تخضع لظروف كل بلد على حدة بطبيعة مكوناته وقواه واتجاهاته. ما حصل كان يجب أن يحصل لأن الركود الذي عاش فيه العالم العربي والسبات العميق لقواه الحية كان لا بد من أن يتبدّل وأن يأتي إلى الامتحان التاريخي في مدى قدرته على المشاركة في العصر: إنه مخاض ولادة لم تحصل بعد، وإن كانت قابلتها القانونية قد آلت إلى الدول الكبرى. ونحن الآن ننتظر على منعطف العالم ليحل لنا مشكلاتنا.
عن السفير اللبنانية