تاريخ النشر: 2023-04-08 | 13:39
تاريخ النشر: 2023-04-08 | 13:39
قبل اكثر من اربعين عاما لا زال مخيم دير البلح في قطاع غزه المتوشح ببياض لون امواج البحر الابيض المتوسط الربيعية فترى المخيم من بعيد فتشعر ان البحر يحتضن المخيم فعلاقة عشق ابدى نشأت بين المخيم والبحر حتى أن نخيل دير البلح والتي لاتزال شاهدا على تتابع الأجيال في هذا المخيم الذى جميعا نفخر أننا نشأنا ونحتت معالم ارواحنا بنسيم بحر المخيم . كل شيء جميل طفولتنا وشبابنا وشيبنا في هذه البقعة الطيبة من ارض قطاع غزه تتلمذنا على يد اباؤنا وامهاتنا بأن الرجل الكبير بمثابة الاب والجار هو من الأهل وابنة الجيران أخت ولك ان تتخيل امتداد رقعة هذا المخيم من اقصي جنوبه مدارس الذكور الابتدائية والاعدادية حتى اقصى شماله مدارس البنات الاعدادية والابتدائية فمهما نصف ونكتب عن كرم وطيبة أهل المخيم وساكنيه لن نعطيهم حقهم والتي تشكل احبتنا من عائلة البحيصي حفظهم الله الاعلى نسمة بين عائلات المخيم
رمضان على الأبواب ونحن على موعد مع الاجازة المدرسية الصيفية لازلنا حينها في المرحلة الابتدائية حملت أمي رحمها الله راية الاب والام ( ام محمود ) لان الوالد رحمه الله فارقنا مبكرا ولازلنا نتذكره كطيف حاني مر بين ثنايا سنين عمرنا ومن حسن حظنا اننا تربينا في كنف جدنا محمود الغفاري( ابو خليل ) الذى عرف كرجل اصلاح في المخيم واحسن تربيتنا وكنا دائما نفخر ونعتز بأبوته فلم يشاء الله ان يرزقه ابناء ذكورا سوى ابنتين والدتنا وخالتنا سيدة المجتمع سرية الغفاري ام حمزه حفظها الله والتي كانت تعمل ناظرة في مدارس غوث وتشغيل اللاجئين فلم تكن معروفه حتى في اوساط المخيم انها خالتنا بل شقيقتنا لمدى العلاقة الابوية التي جسدها جدى فينا و بدوره زرع فينا مبادئ الخير والوطنية فشقيقه الشهيد اسماعيل خليل الغفاري والذى استشهد عام 48 على يد العصابات الصهيونية دفاعا عن قرية جولس مع العديد من أهالي القرية
انتهى اخر يوم في الامتحانات المدرسية وكانت مادة الرسم تسلمنا دفاترنا التي كانت تسمى بدفتر الحصة اخذنا بالعودة الى المنازل وتعلو اصواتنا فرحين ونمزق بعض دفاترنا ايذانا بانتهاء السنة الدراسية بينما صار رمضان حاضرا وكان اليوم الاول من شهر رمضان المبارك وهنا يبدا الاستعداد لاستقبال هذا الضيف بكل مفاهيمنا البسيطة في حينه فهذا شقيقي وليد منذ الصباح الباكر يبدأ بتجهيز الفوانيس الرمضانية لاشقاؤه الصغار و أبناء الجيران مع مساعده المخلص عوده النقلة ابن جيراننا والفوانيس الرمضانية كانت عباره عن علب معدنية ( تنك ) ويتم ثقبها بمسمار مئات الثقوب وفتح باب لهذه العلبة و وضع شمعه بها ومن ثم استخدامها كفانوس رمضاني وكلما كانت العلبة كبيرة كلما كنت صاحب فانوس مميز ولم تكن فوانيسنا كتلك التي نشتريها اليوم ورغم تلك البساطة الا اننا كنا سعداء بطفولتنا والعابنا بعد عصر اليوم تسير الشمس نحو البحر لتعلن اقتراب موعد الافطار وهنا جحافلنا المتطفرة من كل اطفال المخيم تتوجه الى مسجد المخيم والذى عرف فيما بعد بمسجد عباد الرحمن وقد كان المسجد الوحيد في مخيم دير البلح حينها وفى هذا الوقت لم تكن الكهرباء قد دخلت المخيم والمؤذن كان يعتمد على صوته في رفع الأذان عبر مأذنة المسجد الواقعة في الجزء الجنوبي الغربي من المسجد وعندما يعتلى الشيخ على النجار رحمه الله وغفر له مأذنة المسجد وجميع العيون شاخصة صوب المأذنة والمؤذن والأذان مرهفة السمع ويبدأ استعدادنا لانطلاق المارثون الرمضاني اليومي بالجري الى المنزل لنعلن الافطار مع اول تكبيرة للمؤذن وبمجرد ان نتناول الافطار على عجاله نخرج ثانية في الحارة ونبدأ اللهو وتجهيز الالعاب الليلية بصحبة الاخرين من أبناء الجيران بينما الشقيق الاكبر تراه ممسكا بالمذياع ليبدأ متابعة اولى حلقات المسلسل الرمضاني المسائي افواه وارانب فمهما تقدم بنا العمر واشتعلت الرؤوس شيبا لازلنا نحن الى ازهار عمرنا وسنين ماضينا الذى برغم بساطته كانت لنا حياه مفعمة بالأمل وحب الخير فكل الحب والتقدير لأهلنا في مخيم دير البلح وكل مخيمات ومدن الشعب الفلسطيني اينما وجد.