الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

رحيل أديب جرار ذاكرة فلسطين

رحيل أديب جرار ذاكرة فلسطين

تاريخ النشر: 2017-07-27 | 09:15

جاءني إتصال غير متوقع في أوائل هذا الشهر من أحمد جميل عزم الأستاذ في جامعة بير زيت: «أردت أن أعلمك بأن صديقنا المشترك أديب جرار قد توفي بعد العملية الجراحية التي أجربت له في باريس». سقط الخبر كالصاعقة. تمالكت نفسي بينما أشعر بأن صخرة كبيرة هوت عليّ وأفقدتني قدرتي على استيعاب ما وقع. أديب مناضل من مدينة عكا التي تم احتلالها عام ١٩٤٨، ومن مواليد ١٩٥٧. كان معالجاً نفسياً وشخصية مقدامة ومحبة للعمل العام. وكان، على رغم انتمائه الى الأقلية الفلسطينية التي بقيت في الأرض التي أحتلت عام ١٩٤٨، قرر أن يستقر بصورة موازية في رام الله المحتلة، وهكذا كان يمضي وقته بين المدينتين في عملية توحيد لمعنى فلسطين التاريخية كما شعر به. وما إن انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواخر ١٩٨٧ حتى وجد نفسه منخرطاً في فعالياتها وأعمالها. التقيته في المرة الأولى في القاهرة عام ١٩٨٨ أثناء مشاركتي في أحد المؤتمرات، جلسنا لساعات بينما كنت أستمع الى تجاربه عن ملحمة الانتفاضة. ومنذ ذلك الوقت نشأت بيننا صداقة دامت حتى وفاته في باريس في الثاني من هذا الشهر.

وغلى رغم لقاءاتنا التي لا تعد ولا تحصى، إلا أنني مدين لأديب بأنه أراني جانباً من فلسطين لم أكن لأراه لولاه. فعلى رغم انتمائي الى التجربة الفلسطينية الأليمة، وذلك من خلال النكبة أولاً ثم من خلال المقاومة في جنوب لبنان في سبعينات القرن الماضي ثانياً، إلا إنه لم تتوافر لي فرصة زيارة الأرض والمكان الذي بدأت معه القصة الفلسطينيية بكل قسوتها. شجعني أديب جرار على الزيارة وقام بإصرار غريب بإسكات جميع مبرراتي لعدم الذهاب. وهكذا في صيف ٢٠١٢ عبرت الجسر الفاصل بين الأردن ودولة الإحتلال، وللوصول الى فلسطين والضفة الغربية المحتلة مررت رغماً عن إرادتي بكل رموز الإحتلال المهينة للكرامة العربية. وصلت الى رام الله حيث انتظرني أديب.

ومنذ اللحظة الأولى التي التقيت أديب في فلسطين وفي رام الله لم يتوقف عن الشرح والتوضيح. سار معي خطوة خطوة في كل فلسطين من نهرها الى بحرها. في الخليل مثلاً شاهدت أسوأ أشكال العنصرية وكيف قسمت إسرائيل المسجد الإبراهيمي ليخدم المستوطنين، وتجولت في سوق الخليل الشعبي المميز ولكن المحاصر من المستوطنين، وفي القدس رأيت المستوطنات والمواقع المحتلة التي تحيط بالمدينة وتطوقها، وفي نابلس زرت أقاربي. رافقني في كل المحطات، كما عرفني على أصدقائه، فأديب يتحرك في طول الأرض وعرضها بحب الناس له وباحترامهم لدوره ولإحساسه وصدقه، فهو يمتلك رقة الشاعر وأحساس الأديب. هكذا أمضيت أيامي في فلسطين بفضل أديب في لحظات تفاعل مع مناضلين من خيرة مناضلي الشعب الفلسطيني.

في كل مكان من فلسطين لأديب قصة يرويها وحادثة تعكس عمق معارفه، وبينما نحن في السيارة كان يتوقف ليريني حرشاً كثيفاً، وإذا بالحرش مكان لقرية فلسطينية تم إحراقها على يد العصابات الصهيونية بعد طرد أهلها عام ١٩٤٨، نسير قليلاً في السيارة فيتوقف أديب ليأخذني وراء صخور وراءها سر من أسرار التاريخ وظلامه فيريني مقبرة فلسطينية كبيرة ما زالت قائمة وتعود في تاريخها لمئات السنوات. في كل مكان أراني أديب كيف تحيط فلسطين العربية بإسرائيل الغازية، وكيف تتغلغل فلسطين في قلب الذاكرة الحية لضحاياها.

ذهبنا سوياً الى حيفا المحتلة عام ١٩٤٨، وبينما كنا نسير في شوارعها وأزقتها كان يوقف المارة في الطريق سائلاً عن معالم في المدينة. بسببه وصلت الى مكان عمل والدي الطبيب قبل النكبة في مبنى مصفاة حيفا. في حيفا أردت ان أشرب القهوة في أحد المقاهي، لكن أديب الملتزم أصر بأن ننتظر ريثما نجد مكاناً في المدينة مملوكاً لعربي فلسطيني. فعلى رغم كون أديب من مدينة عكا ويحمل هوية إسرائيلية لأنه من فلسطينيي ١٩٤٨، فرفض أن يحتسي قهوة في حيفا من متجر إسرائيلي. فهو يطبق في حياته قوانين المقاطعة الشاملة. لم يكن أديب كارهاً لأحد او لأي دين أو ثقافة، لكن موقفه كان واضحاً: طالما أن الظلم مستمر ضد الشعب الفلسطيني فهو مستمر كذلك في المقاومة بوسيلته وبالطرق التي يستطيع تحقيقها. وبالفعل أخذني أديب الى مقهى صاحبه فلسطيني ويقدم أفضل قهوة وأفضل المأكولات. أراد أديب بهذا السلوك مهما بدا بسيطاً أن يدعم القطاع العربي في فلسطين لأنه يرى أن مستقبل وجود الشعب مرتبط ببقائه على الأرض وبتمكينه اقتصادياً وإنسانياً وبرفع الظلم عنه في كل الأبعاد.

أديب الحيوي الذي ينبض بالحياة يشعر بأنه مالك الأرض الوحيد وابنها الشرعي الذي لم تلد غيره. في حديثه وتعبيراته تكتشف أنك أمام روح متجددة تنبع من أعماق فلسطين التاريخية. في فلسطين انتقلت مع أديب من مكان الى آخر، كان معي في مدينة طبريا عندما وجدت منزل جدي ومنزل والدتي عند ضفاف بحيرة طبريا في فلسطين قبل ١٩٤٨. كان المنزل خالياً لكنه واقف وشامخ. سار معي في أرجائه، ثم انسحب ليتركني لوحدي أتأمل بأسى تاريخ القصة اللعينة بكل ما آلت آليه وبكل ما حملته الينا عبر الذاكرة والتجربة.

عندما ذهبنا الى مدينته عكا حيث تقطن والدته وأسرته الممتدة من عائلة جرار، أخذني الى فندق عربي. كان ذلك الفندق من الفنادق القليلة المملوكة للعرب. في عكا العربية كشف لي الكثير عن تفاصيل الحياة في المدينة التي تبلغ نسبة العرب فيها ٣٠ في المئة. سار معي نحو قلعتها التي تتبوأ مكاناً مميزاً في التاريخ الفلسطيني والإسلامي، ثم أخذني الى مقبرة عكا حيث ترقد أخته لميس جرار التي توفيت في الولايات المتحدة منذ بضع سنوات. جاءت معنا الى المقبرة ابنة لميس التي التزم أديب رعايتها وتربيتها مع والدته في عكا. وكم كانت الصدفة الكبرى عندما وجدت قرب قبر لميس قبوراً لثلاثة من كبار مناضلي فلسطين (محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي) ممن أعدمتهم السلطات البريطانية في عكا عام ١٩٣٠ بسبب دورهم الكبير في ثورة البراق عام ١٩٢٩. تلك المقبرة الى يومنا هذا هي في حماية فلسطينيي عكا وسكانها العرب. سرنا أنا وأديب من مكان الى آخر نكتشف عكا، وعلى رغم فرحتي بوجودي في قلب الأرض الفلسطينية، تعايشت معي لحظات من الحزن، فحال فلسطين تعكس واقع الأمة العربية والإسلامية وعمق الوهن الذي أصابها، لكن بوجود أديب كان يعود إليّ التفاؤل بما يأتي به اليوم التالي. أرض فلسطين تنبت بطبيعتها شخصيات شامخة كأديب جرار.

أديب الذي قرأ كتابي «حياة غير آمنة» وقصة النضال عبر لبنان ونظم لي توقيعاً للكتاب في رام الله بالتنسيق مع مركز علاج وتأهيل ضحايا التعذيب (د. محمود سحويل) أصر أن يصحبني الى الحدود من الجانب الإسرائيلي. أراد أن يريني كيف يبدو كل شيء من الجانب الآخر لبنت جبيل ومارون الراس اللبنانيتين. كانت تلك مغامرة كبرى لأنه أدخلني الى مستعمرات إسرائيلية كانت محطات لقصف المقاومة الفلسطينية في زمن السبعينات والثمانينات. كان يسير على الأرض بثقة سكان البلاد الأصليين وكبريائهم.

ومن أقصى الحدود انتقلنا الى الناصرة تلك المدينة العربية التي نجحت في الحفاظ على وجودها على رغم عوامل التهجير والاقتلاع. بقينا في فندقها العربي لليلة، التقيت أقرباء مباشرين لي من عائلة والدتي ممن استطاعوا تفادي مأساة التهجير الشامل من الأرض. كان ذلك أول لقاء تعارف مع جزء مهم من عائلتي التي تشتتت وتفرقت بسبب قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨.

أحب أديب الحياة في عكا ورام الله، وكانت باريس محطته للراحة والتقاط الأنفاس. كان فرحاً يوم حصل على جنسية فرنسية قبل سنوات عدة. أعلن لي: «الآن استطيع القدوم بسبب الجنسية الفرنسية الى الكويت وزيارة أي دولة عربية أريد». شعوره بأنه يحيا في إسرائيل كفرد من أقلية عربية مضطهدة في دولة يهودية تعلن كل يوم بأنها وجدت من أجل المصادرة والتهويد، جعله يعشق الذهاب الى العالم العربي وجعله في الوقت نفسه اكثر تمسكاً بحقه في فلسطين. ففي العالم العربي، سواء كان ذلك في القاهرة أو الأردن وفي الكويت، يشعر أديب بأن من يشبهونه من العرب هم الغالبية، وهذا زاد من فهمه لتلك الحالة التي أدت، بسبب الصهيونية والتهجير الممنهج، الى تحويل الفلسطينيين في فلسطين ١٩٤٨ الى أقلية. في السنوات الأخيرة جاء زائراً للكويت وذهب الى لبنان ومر على بلدان عربية أخرى.

عاد أديب جرار في حزيران (يونيو) ٢٠١٧ الى باريس بسبب عارض صحي طارئ أصاب قلبه، وبعد الفحوصات تبين إنه مضطر للخضوع لعملية جراحية دقيقة. تحدثنا قبل العملية، ثم تواعدنا على اللقاء في باريس في فترة النقاهة، واتفقنا أيضاً أن نذهب في حج جديد الى فلسطين ومعي أفراد عائلتي لنأخذ من المكان روحاً جديدة ونستمع للمرابطين على الأرض الحافظين للتاريخ المقاومين للتهويد والأسرلة.

عندما اندلعت أحداث القدس هذا الشهر شعرت بأن روح أديب التي صعدت الى السماء تحيط بالمقاومين والمصلين. من دون أديب ستكون نكهة الذهاب الى فلسطين مختلفة، لكن غيابه يؤكد أهمية البحث عن ذات التاريخ والأماكن والمواقع التي نشر فيها مقاومته اليومية للظلم والاحتلال. كان أديب جرار متطوعاً بلا تحفظ ومقاوماً بصدق وتفاؤل في المكان السليب الذي صنع هويته وأسس وعيه ومعارفه.

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط