تاريخ النشر: 2017-09-26 | 11:01
تاريخ النشر: 2017-09-26 | 11:01
سيادة الرئيس محمود عباس "أبو مازن" حفظه الله
رئيس دولة فلسطين
بكل فخر وأعتزاز أخط رسالتي هذه لكم وأنتم المؤتمنون على أحلامنا وآلامنا ، وأخطها وانا لست جاهلا أو ساعيا لمديح كبعض رواد البلاط ، ولكنني من جيل تشبث بحلمه العادل بالحرية والإستقلال ومضى مؤمنا بأن اللقاء مع الفجر قريب ، برغم حجم التضحيات .
تحمل رسالتي هذه كل مبرراتها ، وأنا أدرك أنكم من جيل الوطنيين الأوائل اللذين إكتسبوا إستثنائيتهم من فعلهم ووعيهم ، وحلقوا بجمالية الإختلاف ليصيغوا ميلاد الهوية الفلسطينية ويحموها من السقوط أو الإندثار ، وتأتي رسالتي هذه بعد خطابكم التاريخي الأخير في الأمم المتحدة (20/9/2017) ، وبعد مضي 24 عاما على إتفاق أوسلو ، وقد أنتج هذا الإتفاق المخاطر التالية :
1- تشظي في الوعي لدى البعض ، حيث تخلى هذا البعض عن أولوية الدولة وإستبدلوها بأولوية السلطة ، وكأن السلطة هي الأساس وهي الحكم وهي الشكل اللذي سيبقى أو بقاؤه واجب .
2 – ما أصاب الحركة الوطنية الفلسطينية من تراجع وتآكل والخلط ما بين الدور والمسؤولية (تحول حماس من معارضة إلى ساعية إلى الحكم في إطار سلطة ).
3- تكبيل وتقييد الحركة الوطنية الفلسطينية في إطار محدد يعبث في محدداته الإحتلال بكل تفاصيله .
4- الضعف والتهتك اللذي أصاب الهرم القيمي الوطني بشكل عام واللذي أفرز ضرورات ، منها ضرورة إعادة تعريف مفاهيم مهمة وأساسية مثل الوطنية والشرعية وغير ذلك .
5- إن توقيع إتفاق أوسلو قد غير شكل الصراع ، وهذا ما إستفادت منه دولة الإحتلال ، دون أن نجني نحن الفلسطينيين شيء (تطبيع دولة الإحتلال مع العرب سرا وعلانية).
6- أصبحت هناك طبقة من المستفيدة (إقليميا ومحليل)من هذا الوهم لوجود حل للدولتين ، حتى بعد أن قتل الإحتلال هذا الحل.
7- عمل الإحتلال على تبديل مشاريعه الإستراتيجية المتعلقة بإدارة الصراع ، وبقينا نحن الفلسطينيون مكبلين بخيار مشروعنا السياسي بإستراتيجية وحيدة ، ألا وهي العمل لإنجاح حل الدولتين ، وحين أسقط الإحتلال وأجهض هذا الحل ، إصطدم مشروعنا السياسي بالحائط ، وهذا الحل اللذي أجمع عليه العالم ونحن أيضا كقوى فلسطينية وسياسية أجمعنا عليه (حتى وإن كان البعض متأخرا عن هذا الإجماع) ، واليوم دولة الإحتلال لا شريك سياسي فيها على الأقل على المدى القريب ، بل على العكس تزداد سيطرة اليمين المتطرف الإستيطاني على هذه الدولة ، وما نواجهه هو تحويل للصراع على أساس ديني على كل فلسطين التاريخية وتمييز عنصري من مطلق ديني أساس الدين .
وهناك الكثير من المخاطر اللتي قد تدنو أو تعلو بخطورتها مما أنتجه هذا الإتفاق .
سيدي الرئيس
لقد أردتم من إتفاق أوسلو (اللجنة المركزية لحركة فتح واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية) أن يكون إتفاق أوسلو نقطة عبور في التاريخ وتحويل للواقع ، بما هو أفضل لشعبنا ونضالاته ، غير أن ذلك لم يحدث ، وقد نكون ساهمنا ببعض الأخطاء الإستراتيجية او البسيطة في عدم إستخدام اللحظة والظرف لنكون بمستوى مسؤوليتنا كجماعة إتجاه مشروعنا السياسي ، وهنا أستذكر عبارتكم من كتابكم الطريق إلى اوسلو (المقدمة الصفحة الثانية: إن هذا الإتفاق قد ينهي الإحتلال ، أو يكرس وجوده ، وهذا منوط بأدائنا ).
وإن هذه العبارة تؤكد بما سيثبته التاريخ للأجيال ، أنكم كنتم من أصحاب التغيير المدركين والعارفين لنقطة الوصل والوصول ، وأنكم لم تمضوا للحظة من سعيكم الوطني وأنت تائهين ، وهذا ما يترجم إصراركم المعافى على تحقيق كل ما يليق .
وأمام عبارتكم من خطابكم من على منصة الأمم المتحدة (أقول لهؤلاء جميعا إن الحرية قادمة لا محالة ، وإن الإحتلال إلى زوال ، فإما الإستقلال لدولة فلسطين لتعيش بأمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل على حدود العام 1967 ، وإما الحقوق الكاملة اللتي تضمن المساواة للجميع على أرض فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر) ، وأمام وقع العالم أجمع والقريببن والبعيدين ، أعداء وحلفاء ، كنت صوت أجيال تعذبت وعانت ونضالت أمام أسوء أحتلال في العصر الحديث ، كنت إنعكاس لإرث حضاري عميق ، متماسكا واضحا وصوت يجمع القلوب بما تحمله هذه القلوب من آمال وآلام ، وأسمحوا لي أن أقول دون مبالغة أو إنزلاق في التوصيف ، لقد رأيت كل القادة الوطنيين الأوائل يقفوا خلفكم الأحياء منهم والراحلين ، والراية عالية محمولة على صور كل أجيال هذا الوطن ، من آمنت بعدالة قضيتها وسعت للحرية.
لقد قتلت دولة الإحتلال هذا الإتفاق ، وما زالت نتائجه بكل مخاطرها جائمة متوغلة ومستشرية بنا ، وإن الواقع بكل أبعاده ومؤثرات صياغته وعلى مدى السنوات القادمة تشير إلى عدم وجود فرصة لإحياء حل الدولتين ، وإن المنظومة اللتي تتشكل ةتشكلت في المنطقة بكل طموحاتها ومصالحها يغيب عنها الفلسطيني بحقوقه وآلامه ، وهنا تأتي قصيدة شاعر فلسطين محمود درويش "أنا يوسف يا أبي .... يا أبي أخوتي لا يحبونني .... لا يريدونني بينهم .... " وهذه القصيدة بعمق معانيها حكاية الفرد اللذي تمثل في جماعة (الشعب الفلسطيني ) فسيرة يوسف هي سيرتنا وحكايتنا وقصتنا .
سيدي الرئيس
إن اللذين يحدثون التغيير حتما يكونون مختلفين عمن حولهم ، وقد يدفعوا ضريبة هذا الإختلاف من واقع عامل الزمان أو الجغرافيا أو العاملين معا ، قد يجهلهم الحاضر في اللحظة ، لكن التاريخ حتما سينصفهم لما بهم ولهم .
لأنكم أنتم أتوجه لكم بأمل ورجاء ان تأخذوا من عمق وبعد بصيرتكم ما يسمح لي بمخاطبتكم ، حرصا على أن لا تتوه الأيادي عن السارية ، وحتى لا تسقط الراية في سراب الوهم لجيلي وللأجيال التي خلفنا ، لقد سعيتم وعملتم على صناعة اللحظة للعبور إلى ما هو أجمل وأنقى وأقصر الطرق حفاظا على دمنا وجهدنا ، وقد نكون كجماعة وأفراد أصبناكم بالخذلان ، لكن اللحظة للعبور ما زالت متاحة مع حاجتها للتغيير في الأدوات والإتجاه ، ليكون نضالنا محمولا على برنامج سياسي يقوم على أساس الدولة الواحدة ، حيث أصبح هذا الحل القابل للتطبيق إن لم يكن الحل الوحيد قادم لا محالة، وان تكون المناداة الفلسطينية لهذا الحل القادم وفق إستراتيجية وليس تكتيك ، مع الأخذ بعين الإعتبار البناء على تم إنجازه من مكتسبات سياسية (الاعتراف بدولة فلسطين ) والحق بملاحقة دولة الإحتلال على ما تقوم به من جرائم في المحاكام الدولية ، وأن هذا لا يتنافى مطلقا مع بناء برنامج سياسي واقعي محمول على هذين العمودين ، كأدوات حراك وسبل ضغط في المحافل الدولية والساحة الداخلية .
دمتم منارة تنير لمن بعدكم من الأجيال درب السلامة والحرية بعزة وكرامة .
ياسر المصري