تاريخ النشر: 2016-03-26 | 09:55
تاريخ النشر: 2016-03-26 | 09:55
لا يجب الاستهانة بالدور الروسي في أزمات المنطقة، فمنذ مجيء الرئيس فلاديمير بوتين إلى الحكم، عادت روسيا لترث بشكل عملي الاتحاد السوفييتي، الذي كان بوريس يلتسين على وشك بيعه خردة للأمريكيين والغرب، وهو المعروف بميوله للدول الغربية، وكانت سبباً في مجيئه خلفاً لآخر رئيس سوفييتي، وهو ميخائيل غورباتشوف، الذي لعب دوراً كبيراً ورئيسياً في تفكيك قوة عظمى كانت نداً للغرب، والمتمثلة في الاتحاد السوفييتي، تحت شعاري «البريسترويكا»، أي إعادة البناء و«الغلاسنوست»، وتعني الشفافية أو العلنية، تماهياً مع رغبة «أورو شرقية» في محاكاة الرأسمالية.
فكك غورباتشوف الاتحاد السوفييتي من دون مقابل، وتحول إلى مجرد محاضر في جامعات غربية عدة، وهي المحاضرات التي حولته إلى «حصالة نقود» يجني من ورائها المال، لكنه خسر مكانته رئيساً لأكبر دولة كانت تشكل القطب الثاني في المعادلة العالمية.
اليوم يعود بوتين إلى الواجهة مرة أخرى، ومعه تبرز روسيا معادلاً موضوعياً للهيمنة الأمريكية في المنطقة، وتحولت روسيا مع مرور الوقت إلى أحد اللاعبين في المنطقة، وحتى إن لم نتفق مع بعض سياساتها؛ فإن حضورها القوي يمنع استفراد أمريكا بصناعة الأحداث، أو بالأحرى صناعة السلم والحرب في المنطقة، مع ما يعني ذلك من انحياز واضح وجلي للابنة المدللة لها في المنطقة، ونعني بها «إسرائيل».
من هنا يمكننا تفهم طبيعة الحضور الروسي في المنطقة. صحيح أنها تأتي تحت غطاء محاربة الإرهاب، وبدرجة رئيسة تنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة»، إلا أن من الواضح أنها قدمت إلى المنطقة دفاعاً عن مصالحها التي باتت مهددة.
لابد أن يفهم العرب أن موسكو لم تخاطر بقواتها وبإمكاناتها دفاعاً عن نظام عربي، فهي لا تتعامل بالعواطف، وإلا لكان الأولى بالحماية نظام الزعيم الليبي معمر القذافي، الصديق الوفي لها، لكن روسيا وافقت على التدخل العسكري الغربي في ليبيا، لأن مصالحها لن تتضرر بسقوط النظام الليبي، على عكس نظام بشار الأسد، الذي يعني سقوطه، تهديداً جدياً وحقيقياً لروسيا نفسها، ومن هنا جاء تدخلها في الأزمة السورية وأرسلت طائراتها لتعيد رسم الخريطة الجغرافية في سوريا من جديد، بعد أن كان النظام قد بدأ يتآكل وصار تآكله يشكل خطراً على الجميع.
والنظام في سوريا لا يشعر بالحرج حيال الموقف الروسي «الآمر الناهي»، فمن الواضح أن التسوية التي ستتم قريباً، لن تخرج من أيدي الروس، الذين حولوا النظام السوري إلى أداة طيعة في أيديهم، ويستطيعون الضغط عليه في أي وقت للقبول بتسوية كان النظام يرفضها إلى وقت قريب.
هذا الوضع الذي نعيشه اليوم لا يعني أن روسيا تحولت إلى منقذ للعرب، بقدر ما تحولت إلى لاعب دولي مؤثر في صناعة القرار، فلم يكن حتى أكثر المتفائلين يعتقد أن روسيا بعد تفكك وانهيار الاتحاد السوفييتي قادرة على العودة من جديد إلى المنطقة بهذا التأثير وبهذه القوة، لكن الأحداث المتسارعة في المنطقة أكدت أن الدول العظيمة لا تموت، وإن مرضت، وروسيا، شئنا أم أبينا قطب من أقطاب الصراع في العالم، ولن تكون أي قوة عالمية، حتى لو كانت الولايات المتحدة الأمريكية، بقادرة على تغييبها عن المشهد، ونحن في كل الأحوال، نحتاج إليها حتى لا نبقى أسرى قرار قوة ندرك أنها لم تكن، ولن تكون يوماً معنا.
عن الخليج الاماراتية