تاريخ النشر: 2020-11-11 | 21:34
تاريخ النشر: 2020-11-11 | 21:34
اليوم عيد ميلادي، أدعوك لحضور حفلة عائلية مُصغّرة هذه الليلة في بيتي. سأكون أنا والعائلة، وأنت طبعا يا صديقي المُقرّب، خاطبت إيفيت سميرا وضحكتها تشعّ من ثغرها المُحمرّ. - طبعا طبعا، بكل الودّ والمحبّة والسرور سأحضر، أجابها سمير ببسمة تُجابه ضحكتها. طاولة بيت زميلة سمير في الجامعة، إيفيت تروخيّو دي لا غاندرا، هذه الليلة، ليلة حفل عيد ميلادها، تزخر ببعض المأكولات والفواكه المداريّة والحلويات المُشكّلة المُصنّعة بيتيّا. لكن كان على طاولة الحفل والعشاء "زائر جديد"، ليس المقصود سميرا، وإنّما زائر جديد من نفس المنطقة، من منطقة الشرق الأوسط، أو رُبّما من دول جنوب أوروبا المقابلة لدول شمال أفريقيا، يفصل بينها مياه البحر الأبيض المتوسّط. أو ربّما من كاليفورنيا أو التشيلي. ربما من ربوع الأندلس، من إسبانيا، أكيد من إسبانيا. الزائر المُبجّل ما هو إلا "مرطبان" من الزيتون الأخضر المُصفرّ، مخلل الزيتون، لا يتعدّى حجمه ملئ راحة اليد، ولكنه كان بالنسبة لسمير كحجم الفيل فخامة وضخامة وإشتياقا، فمنذ مدّة طويلة لم تطأ حبّة زيتون واحدة فمه، ولم تمرّ حتى بالقرب منه، ولا دغدغت رائحتها أرنبة أنفه. لأن الزيتون "عملة نادرة" في الجزيرة الدافئة الوادعة الحالمة، التي لا يوائم طقسها زراعة أشجار الزيتون المُباركة، بل يوائم زراعتها مناخ البحر الأبيض المتوسط، "الحار جاف صيفا الماطر مُعتدل شتاءا"، والذي يسود في حوض البحر المتوسط شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وفي كاليفورنيا في غرب الولايات المُتحدة وغرب شمال المكسيك، وفي جنوب أمريكا الجنوبية في التشيلي والأرجنتين. أما مناخ الكاريبي فيلائم زراعة المانجا والأناناس والموز والجوّافة، وبشكل خاص في جزيرة كوبا، زراعة قصب السكر والتبغ الكوبي الفاخر، الذي يُصنّعون منه سيجار "كوهيبا" الشهير. وربّما لم يتذوّق معظم سكان جزيرة كوبا الزيتون "المكبوس" ولو لمرّة واحدة في حياتهم، ورُبّما أن العديد منهم لم يُشاهدوا في حياتهم شجرة زيتون. أسرّت إيفيت لزميلها سمير قبل بدء الإحتفال: - لقد أحضرت لك شيئا خاصا من رائحة بلادك. تقصد بالتحديد "مرطبان" الزيتون الأخضر المُصفرّ، المُفاجأة السارّة. إيفيت، الزميلة العزيزة، زميلة سمير في الجامعة، درسا معا خمس سنوات متواصلة دون إنقطاع، في جامعة هافانا، كلّية الآداب، تخصص اللغة الإسبانية وآدابها، حتى تخرّجا معا بدرجة "ماجستير" في الأدب الإسباني. كانت تربطه بها علاقات مميزة وجميلة، زميلته وصديقته المُقرّبة، وحتى أنّه كان يعتبرها مثل أخته، حقيقة مثل أخته. وكان سمير يؤكّد لها دائما بأنّ أصولها حتما ولازما أن تكون عربيّة، ترجع إلى الأندلس، "والدم بيحن على بعضه"، فاسم عائلتها الثاني "لا غاندرا" تخرج من بين ثناياه موسيقى عربية، نغم عربي أصيل، موسيقى اصولها عربية، ألا وهي موسيقى "الفلامينغو"، ورقصة الفلامينغو الاسبانية، التي تختلف تماما عن رقصة "التانغو" الأرجنتينيّة. والشخص في الثقافة الاسبانية يُعرّف "باسمه الشخصي ثمّ باسمي عائلتيه من طرف والده ومن طرف والدته"، أي الاسم الثلاثي، ولا يُذكر اسم الأب ولا الجد، بعكس الشخص عندنا الذي يُعرّف باسمه الرباعي، "اسمه الشخصي واسم الاب واسم الجد واسم العائلة من طرف الأب". وأنّ إيفيت بتقاطيع وجهها الحنطي البهي وعيونها السود الواسعة، وشعرها الأسود الفاحم وصوتها البلبلي العذب، تبدو وكأنّها قادمة للتوّ، تتمخّتر بدلال، من غرناطة أو قرطبة أو طليطلة أو إشبيلية أو الفيحاء دمشق أو الشهباء حلب أو حواري دمشق، من وسط سوق الحميدية أو من محيط ساحة المرجة. وكانت مثلها مثل سمير من الأوائل في الشعبة والعام والتخصص، من بين خمسة وأربعين طالبا وطالبة، موزّعين على ثلاث شُعب. فقد كانت طالبة نجيبة وذكيّة وملتزمة ومتفوّقة، مُلتزمة في دراستها، ملتزمة في أدائها، ملتزمة في أخلاقها. كانت "مُتديّنة"، تدين بالمذهب الكاثوليكي، أي الكاثوليكيّة التابعة لبابا الفاتيكان. كانت إيفيت مُتديّنة وعائلتها مُتديّنة ومُحافظة. تذهب إلى الكنيسة من أجل الصلاة بقدّاس يوم الأحد. وهذا طبيعي في البلدان التي تُدين بالمسيحيّة، التي وُلدت في فلسطين، في بيت لحم حيث وُلد سيدنا عيسى المسيح، يسوع المسيح، وترعرع في الناصرة، في فلسطين، ويُطلقون عليه يسوع الناصري، ومن هذه الأرض المُقدّسة إنتشرت المسيحيّة في أرجاء المعمورة. ولا عجب في ذلك، ولا غبار على ذلك، إلا إذا عرفنا أنّ إيفيت وعائلتها تعيش في دولة إشتراكية شيوعيّة، وهو نظام الحكم الرسمي في كوبا، وأنّ السواد الأعظم من طلّاب الجامعة يدينون أو ينسجمون مع هذا النظام الفكري، الإشتراكيّة. صحيح أنّ الإشتراكيّة الكوبية ليست بنفس صرامة شيوعيّة وإشتراكيّة الإتحاد السوفييتي، لأنّ إشتراكية كوبا "فضفاضة"، مُطعّمة بعنصر وطني، عامل وطني محلي ذاتي، ألا وهي مبادئ وتعاليم بطلهم القومي خوسيه مارتي، الشاعر والكاتب والفارس، إلى جانب مبادئ النظرية الشيوعية الإشتراكية، التي ألّفها ماركس وإنجيلز، وطبّقها على أرض الواقع لينين الروسي الأممي. من هذه الناحية نعم كانت إيفيت تختلف عن بقيّة الزميلات والزملاء قاطبة، الأمر الذي كان يعني أنّها "مُحافظة" بالمعنى الحرفي للكلمة، وتماما كما نفهمها نحن وتعني في بلادنا، المحافظة على الشرف والعادات والتقاليد. فمع أنّ إيفيت قد تخطّت عتبة سن البلوغ القانوني في الدولة، وهو ثمانية عشر عاما، إلا أنّها ما زالت مُحافظة على شرفها وعلى عاداتها وتقاليدها التي تنسجم مع تديُّنها، بغض النظر عن الإنفتاح الكامل الذي وصل إلى حدّ "كل شيء مُباح". يُمارسه ويتمتّع به بقية الزملاء والزميلات، وكلّ حسب تقديره ورغبته ونوعيّة العلاقة التي يخوضها ويُريدها ويُفضّلها، أو التي سيخوضها ويُجدّف فيها أو يغرق في بحرها. وكم من مرّة كانت إيفيت تشعر بالضيق والإنزعاج من تعليقات زميلاتها عليها وضدّها، إذ كُنّ ينعتنها "بالرجعية" أم "المُتحجّرة" أم "المُتخلّفة" عن الركب، وكُنّ يُحاصرنها بمثل هذه الكلمات ومثل هذه التعابير القاسية السليطة الظالمة، لأنّها كانت ترفض أيّ علاقة غراميّة قبل الزواج، وكانت تُصرّ على أنّها ستبقى عذراء إلى حين ترسو سفينتها في الميناء المُنتظر والمأمول، حين ارتباطها الرسمي والجدّي ويوم زفافها وليلة دُخلتها. وعندما كانت زميلاتها "يزنقنها" بمثل هذه المواقف، كانت تأتي إلى سمير "فارعة دارعة"، لتشكو له همّها وضيق صدرها وقسوة زميلاتها عليها وقلّة حيلتها أمامهن، وخاصة أنّهن يُمثلن التيار الجارف السائد في المُجتمع والحيّ والشارع والجامعة والكلّية والعائلة، وهي بالكاد تستطيع أن تتمسّك بخيط رفيع تُحاول الاستمرار في تثبيته والمُحافظة عليه حتى لا يغمُره السيل الجارف ويُقطّعه إربا إربا. - أنت قُلّ لي بربّك أرجوك يا سمير، هل أنا غلطانة لأنني أحافظ على شرفي وأرغب أن يكون زوجي المُستقبلي هو أوّل رجل في حياتي؟ - لا لا أبدا. أنت لست غلطانة، أنت صح مئة بالمئة. الحقيقة أن جميع فتياتنا في بلادنا يُحافظن على أنفُسهنّ هكذا، حتى يوم زواجهن. - لكن زميلاتي "يُعايرنني" بهذا الصح الذي أنا عليه. وينعتنني بصفات قاسية ومُجحفة. - أعرف أعرف، عليك بالصبر وتفادي الجدال معهن، "فاذا ربعك إنجنّوا، إشّو بيفيدك عقلك"!!! الله يعينك، وإن شاء الله تجدين قريبا "ابن الحلال" وتخرجين من هذه الدائرة ومن نطاق تعليقاتهن الجارحة. وفعلا وجدت إيفيت شريك حياتها، أوسكار، شاب مُهذّب، كاثوليكي مُتديّن، تخرّج من الجامعة كمهندس مدني ويعمل حاليّا في مجال البناء. وقد تزوّجا عندما كانت إيفيت في السنة الثالثة في الجامعة، وحضر سمير حفل زواجها وزفافها البديع "المزيين" وبالرفاة والبنين. وفي نفس هذه السنة، أي السنة الثالثة من عمر دراسة التخصص، كان سمير قد اشتدّ عوده ياللغة الإسبانية، يتحدّثها بطلاقة، ويرمي سهاما لا تُخطئ في مرماها، فقد وقع في يده كتاب يحوي مجموعة قصصيّة للكاتب الكوبي الأشهر في مجال تأليف القصص القصيرة أُونيليو خورخي كاردوسو. وقد أعجبته المجموعة وخاصة قصة "فرانسيسكا والموت"، التي يُطاردها الموت، بصورة حثيثة، من مكان إلى آخر، عندما كانت قد بلغت التسعين من عمرها المديد، لكنها بسبب نشاطها وعملها الدؤوب وحركتها وتنقّلها الدائم والمُستمر، لم يستطع الموت من ادراكها أو ايجادها أو اللحاق بها، حتى آخر القصة عندما يمرّ بها رجل عجوز من أترابها من قريتها وهي تعمل بجدّ في "تعشيب" وتشذيب ورود الجوري الحمراء في الحقل، يتوجّه إليها ويقول لها سائلا مداعبا: "فرانسيسكا، متى ستموتين؟" فأدارت جسدها المُنحني على الورود نصف دورة وأجابته: "مطلقا وأبدا، دائما يوجد لديّ ما أعمله". وقام سمير بترجمة هذه القصة "فرانسيسكا والموت" من الإسبانية إلى العربية، وتمّ نشرها في "مجلّة فلسطين الثورة"، التي كانت تصدر من قبرص حينذاك. وعلى أثر ترجمتها ونشرها باللغة العربية، فقد قامت الصحفية الكوبية القديرة أستريد بارنيت بإجراء مقابلة مع سمير حول ترجمة القصة ونشرها باللغة العربية، وإذا ما كان مُهتمّا بترجمة ونشر غيرها من القصص، قصص وروايات من الأدب الكوبي، وما هي دلالات ترجمة هذه القصة؟ فأجابها سمير بأنّه يُسعده ترجمة المزيد من القصص، ولكن ترجمة هذه القصة بالذات جاءت نتيجة للإيحاءات المُشتركة والإصرار البادي ما بين بطلة القصة فرانسيسكا وما بين الشعب الفلسطيني البطل، الذي يُناضل ويُقاتل بشكل دؤوب ويتشبّه ب"طائر الفينيق" الأسطوري السرمدي. وقد تمّ بث المقابلة على مدار يومين كاملين متتاليين في الإذاعة الكوبية، في البرنامج الإخباري "راديو ريلوه"، راديو الساعة، الذي يبث بصورة دائمة على مدار الساعة. وعلى أثر ذلك أيضا، قام رئيس إتحاد الكتّاب الكوبيين باستضافة سمير في مقر الإتحاد في هافانا والإحتفاء به على هذا العمل الرائع، الذي يُضيف لبنة في جدار تقوية العلاقات الثقافية والتبادل الأدبي والحضاري ما بين الأدب الكوبي والأدب الفلسطيني. كان سمير بحكم دراسته الحديثة مُبرّزا بقواعد اللغة الإسبانية، وخاصة تصريف الأفعال، حيث يوجد ستة عشر تصريفا فعليّا باللغة الإسبانية. كما توجد أفعال مُكوّنة من مقطعين، لكن المقطعان يُشكّلان وحدة واحدة، فعلا واحدا، وأنّه ولسبب غير مفهوم ولا معلوم كان الطلاب الكوبيين، الذين يتكلّمون اللغة الإسبانية من المهد إلى اللحد، يُخطئون ويغلطون في تصريف أو تعريف ومعرفة هذا الفعل ذو المقطعين، ويُشيرون إلى مقطع واحد فقط بأنّه الفعل، جازّين هكذا الفعل إلى نصفين، تاركين المقطع الآخر كي تأكله أسماك البحر بعد نسيانه وغرقه وغوصه في مياه المُحيط. ومرّة إستُفزّ زميل لسمير، اسمه أوراسيو، إيجابيّا وبصورة ظريفة، عندما صحّح له غلطة في معرفة الفعل ذي المقطعين، وقال له مُستنكرا ولكن بلطف ومحبة: - "والله شيء حلو!!!"، أنت أتيت من آلاف الأميال كي تُعلّمني لُغتي الإسبانية وتُصحّح لي الفعل، هنيئا لك!!! - ولم لا، أنا جديد في دراسة اللغة الإسبانيّة، ولهذا أنتبه إلى أدقّ التفاصيل، وأمّا أنت فقد تشرّبت اللغة مع حليب أمك طفلا، ولذا تأخذ الأمور على عواهنها، وعلى السليقة ودون تدقيق. أجابه سمير مبتسما. - صحيح، معك حق، نحن نتكلّلم لغتنا الإسبانية دون الإنتباه إلى قواعدها الصحيحة، التي هي صعبة، صعبة جدا في الحقيقة، فأنا أمقت قاموس "خيل إي غويا"، إنّه مقبرة للطلّاب. - ليس إلى هذا الحد يا رجل، صحيح أنّه قاموس ليس هيّنا، ولكنّك تجد فيه كنوز اللغة الإسبانية، وتجد فيه تفسير لكل عُقدة لُغويّة، ودواء شاف لكل علّة لُغويّة، ماذا تُريد أجمل من ذلك؟ وبحكم الزمالة والصداقة والأخوّة بين سمير وإيفيت، كان يذهب إلى بيت أهلها قبل زواجها، ثُمّ إلى بيتها بعد زواجها، وكان يعرف كافة أفراد أسرتها، إذ أنّهما كانا يدرسان معا أو بصحبة زملاء آخرين في بيتها خلال الإمتحانات الفصليّة أو النهائيّة. وكان لإيفيت "خالتين"، هما في الواقع والحقيقة أخوات جدّتها لأمها، ماريّا وإستريّا، تسكنان لوحدهما في بيت قديم عريق يُلاصق بيتها، وكانتا الإثنتين على أبواب السبعين من عمرهما المديد. وكان سمير يتساءل أمام إيفيت: - لماذا خالتاك تسكنان لوحدهما مع هذا العمر المديد؟ أليس عندهما أولاد أو بنات؟ - لا، ليس لديهما أولاد ولا بنات. خالتي ماريّا تعمل معلّمة موسيقى، وفي شبابها تقدّم لها العديد من الشُبّان طالبين يدها للزواج، ولكنها كانت ترفض دائما، ربّما لم يُعجبها أيّ من المُتقدّمين لخطبتها، ربما كانت تنتظر "عُروضا" أفضل أو تنتظر أحدا بعينه لكنه لم يهتد إلى طريق باب بيتها، من يدري؟ وهكذا مرّت الأيام وجرت بها السنوات وفاتها قطار العمر والزواج، وظلّت عزباء وحتى الآن تُعلّم الموسيقى للفتيات. "وبقيت وحتى الآن عذراء". - وماذا عن أختها خالتك الثانية إستريّا؟ - خالتي إستريّا لها قصة أخرى، كانت تُغنّي على موّال آخر، فقد أحبّت شابا عندما كان عُمرها خمسة وعشرين عاما، ولكن العائلة لم توافق على هذا الشاب عندما تقدّم لخطبتها، لم توافق عليه عريسا لها، وقد حاول وحاولت وحاولا معا ولكن العائلة إستمرّت في رفضها له، رفضا باتا لا رجعة فيه، رفضت تلك العلاقة ورفضت زواجهما، وهكذا فقد اضربت خالتي بعدها تماما عن الزواج بعد "حبيبها"، ولم تقبل مُطلقا الإرتباط بأي شاب آخر، وخاصة إذا كان مُرشّحا من طرف عائلتها، ومرّت عليها السنوات وفيّة لحُبّها. "ولا زالت عذراء هي الإخرى". ولهذا فلدينا كما ترى "ثلاث آنسات عذراوات" في العائلة. ضحكت إيفيت. كان أكثر ما يُضايق إيفيت، لكن بظرافة، خسارتها أمام سمير في جدال حول مسألة من قواعد اللغة الإسبانية، حيث كانا يتعارضان ويتجادلان في موضوع ما، وينتهي بهما المطاف بأنّ تفسير سمير للمسألة، المُختلف عليها، كان هو الأصحّ، فكانت تعضّ على شفتها السفلى وتصدر صوت احتجاج مع اهتزاز كامل جسدها، وتنطّ غضبا وتقول لسمير بين الجدّ والهزل: - أنا "مفروسة" منك، كيف عرفت الحلّ الصحيح للمسألة القواعدية مع أنه يُفترض أنّك ما زلت "تحبو" باللغة الإسبانية، وأنا أتحدّثها منذ واحد وعشرين عاما؟! - "أنا تلميذ شاطر لأستاذة ممتازة تُسمّى إيفيت"، يُجيبها سمير ممازحا. وجد سمير أن مثل هكذا مواقف تتكرّر كثيرا ودائما بينه وبين زميلته العزيزة إيفيت، "معارك سلمية"، جدال سلمي، على مسألة قواعدية أو أيّ موضوع آخر في التخصص الذي يدرسانه، فلجأ إلى "حيلة" ظريفة طريفة. عندما كانا يختلفان حول مسألة ما، ويحتدم الجدال، بصورة ثنائية وأحيانا مُتعدّدة، كان سمير يقول لها "أنني أرى أن جواب المسألة هكذا، وأنت من جانبك قولي رأيك النهائي"، و"نتراهن" على صحة المسألة، ومن يخسر الرهان يدفع ثمن "وجبة بوظة" في الكافتيريا الشهيرة "كوبيليا"، التي تُصنّع أجود أنواع البوظة في العالم وبالفواكه والنكهات الطبيعية، وربما تتفوّق على "الجيلاتو الطلياني"، والتي تقع في حي "الفيدادو" وسط العاصمة، في حديقة أشجارها باسقة، تُجاور فندق "هافانا ليبري"، هافانا الحُرّة، وتُقابل "سينما يارا". وكان سمير يعرف تماما أن إيفيت شغوفة بحب بوظة الكوبيليا وخاصة نكهة "الشوكولاتة مع اللوز"، تُحبّها تعشقها بل يسيل لعابها طربا عليها. كانت إيفيت تقبل الرهان أحيانا وتتردّد في أحيان أخرى، وكان سمير يُشجّعها على قبول الرهان ويواسيها حين خسارتها، فعلى كلّ حال، إذا ما ربحت أو خسرت الرهان، فإن سميرا هو من سيدفع قيمة الفاتورة، ثمن وجبة البوظة، وخاصة صحن بوظة الشوكولاتة باللوز. الّلوحة التي تُزيّنها إيفيت بأخلاقها ولطافتها وذكائها و"محافظتها"، هي قطعة صدف نادرة من اللؤلؤ في بحر مترامي الأطراف، متلاطم الأمواج، يوجد فيه جميع أنواع الأسماك والمحاريّات والطحالب والدلافين والحيتان والحوريّات، السمراوات والشقراوات والخُلاسيّات والزنجيّات والحنطيّات و البن المحمّص والقهوة والشوكولاتة والأخطبوط، والسبّاحين والسبّاحات "أشكال وألوان وأحجام ومقاسات وطول وعرض، ملفوفات ومفتولات ومبرومات ومزنّرات ومحزّقات، وكرات ودوائر وتفّاح وبرتقال وأحصنة جامحة وانحناءات وتحوّرات وتكوّرات ونتوءات". ومن بينهم السبّاحين الجُدد في مياه بحر الكاريبي الدافئة، من الطلاب العرب والأجانب في الجزيرة الرائعة الحالمة الوادعة، وكلّ منهم قادم من خلفيّة وبيئة ثقافية مُختلفة أو ربما مشابهة قليلا، وكل منهم قادم من وسط شعوب لها عاداتها وتقاليدها ومفاهيمها في الحياة، ومن بحار مياهها أقل دفئا أو ربما باردة. والذين كانوا كأنّهم في سجن وأطلق سراحهم فجأة إلى الفضاء الفسيح، وصولا إلى زحمة شارع مُكتظّ يزخر بشتّى أنواع الزهور والورود وقصب السكّر والحلويات "سُكّر زيادة"، صفة منتوج الجزيرة التي قال عنها كريستوفر كولومبوس عندما إكتشفها: "إنّها أرض خلّابة لم تطأ قدماي مثيلا لها!!!". وحيث أنّ الطلاب القادمين إلى الجزيرة الكاريبيّة اللطيفة، عربا أو أجانب، هم في ريعان شبابهم، في ثورة عمرهم وبلوغهم، فمعظمهم لم يتخطّ العشرين من عمره، فإنّهم إلى جانب تحفّزهم لتعلّم اللغة الإسبانية، الجديدة على معظمهم، بإستثناء الناطقين بها منذ نعومة أظفارهم، والولوج في الجامعات بتخصّصاتها المُختلفة المُتعددة، فإنّهم ليسوا أقلّ حماسا بشأن بناء علاقات اجتماعية وإنسانية وعاطفية مع زميلاتهم وزملائهم الطالبات والطلبة أصيلي البلاد، مع بنات وأبناء المجتمع الجديد عليهم، والذين أصبحوا ينتمون إليه، بشكل أو بآخر، بعاداته وتقاليده وحياته ال "سكّر زيادة". وكان أكثر ما يُثير دهشة سمير ويجعله أحيانا يضحك بقهقهة مُجلجلة يكاد من شدّتها أن يقلب على ظهره، وأحيانا أخرى وفي نفس الصدد تنتابه سحابة حزن واستنكار عندما يرى بعض الزملاء الطلاب الجدد الذين قدموا من مجتمعات "محافظة وأحيانا متزمّتة"، من تعز وذمار والحديّدة، ومن الطفيلة ومادبا والزرقاء، ومن طوباس وقلقيلية وطولكرم، ومن سيدي بوزيد والقيروان وقفصة، ومن حمص وحماة ودير الزور، يُحاول الواحد منهم، في سعيه لمصادقة أو مصاحبة فتاة كوبيّة، إظهار نفسه وإقناعها بأنّه قادم من مجتمع منفتح ومتفتّح ومُستنير، من سويسرا أو النرويج أو الدنمارك. وأنّه "عادي جدّا بالنسبة له" أن تخرج معه الفتاة في التوّ والحال، دون إبطاء أو جدال، وأن تقيم معه علاقة لا مُحال، بلا نقاش ولا سجال، وأن "يونّس معها حياته"، على رأي قول إخواننا العراقيين. مع العلم أن الفتاة الكوبية وعندما تتعرّف على واحد من هؤلاء بلغته الإسبانية المكسّرة، وتعرف أنّه عربي، فإنّ أوّل ما يجول بخلدها أن تُجابهه بسؤال: "هل ما زالوا في بلاده يتنقّلون على ظهور الجمال، وما زالوا "يُلفّعون" النساء بالحجاب والبرقع في مضارب خيامهم على الرمال؟؟!!". كما يتلفّع رجال ونساء قبائل الطوارق في جنوب الجزائر للإتّقاء من الحرّ ومن رمال الصحراء المُتناثرة في عيونهم وفوق رؤوسهم، هذا لو أنّ السؤال كان من باب الدعابة وأحيانا من باب الجهل بالشيء وعدم معرفة كُنه الأمور أصلا. وهذا الذي "يتفشّخر" أمام الصبايا الكوبيّات دافعا صدره للأمام أو مُرصّعا صدره "بأوسمة ونياشين الخبرة مع النساء"، وطول باعه في عالم الجمال وفي التعامل معهن وإغوائهن وصيدهن بشباكه، و"جرفهن بالكريك" في بلادة كي يُعبّأ منهن "شوالات أبو حز أحمر"، ربّما أنّه وربما من الأكيد أنّه في حياته كُلّها لم ير "زمعة إمرأة" في قدمها أسفل ساقها المُدرّعة في لباسها وبنطالها الذي يجرُّ على الأرض، إذا ما إنحسر طرفه عن قدمها الحافية في يوم من الأيّام بفعل هبوب الرياح الشديدة، الذي تصادف مروره من هناك. وإذا كان هو الإبن البكر لأبوه وأمّه فربما ومنذ واحد وعشرين عاما ووالده يترصّد أمّه ويتلصص عليها من "خرم" باب الحمّام حتى يرى على الطبيعة المُجرّدة فخذ أو نهد أو ساق أو كتف لها، لأنّه على الأرجح أنّه في ساعة حميمة بعد مُنتصف ليل حالك وداكن، داخل غرفة النوم أو خارجها، يُطارحها الغرام كيفما اتفق، وهي ما زالت ببزّتها الرسمية أو بلباسها البيتي الكامل.