الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

زيارة «مفصلية» فى تاريخ العلاقات المصرية - الروسية

فى الاستقبال المهيب للرئيس الروسى فلاديمير بوتين بدار الأوبرا المصرية ليلة الإثنين الماضي، صفق الحضور من كبار الشخصيات المصرية عدة مرات عند عرض الفيلم الوثائقى عن العلاقات التاريخية بين مصر وروسيا الممتدة لأكثر من سبعين عاما فى التاريخ الحديث، خاصة عندما تتابعت مشاهد الخمسينيات والستينيات التى حفرت على جدار الزمن صورا يصعب محوها.

 وها هى الأيام تعود ويجلس الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى جوار الرئيس الروسى فلاديمير بوتين يستلهمان تلك المرحلة الفارقة فى تاريخ العلاقات الثنائية من أجل أن تكون نبراسا لكيف تكون الروابط بين الشعوب الساعية لمستقبل أفضل. وقد كان الرئيس السيسى محقا عندما قال فى حديثه لدميترى كيسيلوف، مدير عام وكالة الأنباء الدولية الروسية »روسيا سيغودنيا«: »أريد أن أخبرك أنك لو كنت شاهدت حفاوة الاستقبال من المواطنين المصريين العاديين للرئيس بوتين، لعرفت من خلالها كيف ينظر الشعب المصرى إلى روسيا، وكيف أنه يعلم مكانتها ويحمل لها كل تقدير.«

ونلاحظ هنا أن الأغلبية العظمى من المصريين، الذين احتفلوا بزيارة بوتين، ولدوا بعد عام 1974 فى ظل سياسة »99% من أوراق اللعبة فى يد الولايات المتحدة الأمريكية». مايؤكد أنه لايبقى برغم مرور 40 عاما إلا ماينفع الناس (السد العالى المصانع.. وغيرها من مشروعات تعود بالفائدة على المصريين حتى الآن)، كما يؤكد أيضا أن الحديث هنا عن علاقات إستراتيجية بين مصر وروسيا هو حديث جدى وليس من قبيل العلاقات العامة... ويكتب كذلك شهادة وفاة لسياسة الـ 99%.

دشنت زيارة الرئيس بوتين لمصر فى منتصف الأسبوع الحالى مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية القائمة على الاحترام المتبادل والشراكة الإيجابية التى تراعى المصالح الوطنية لكل طرف فى ظل تطابق واضح فى كثير من القضايا الإقليمية التى تعطى لتلك العلاقة بريقا خاصا ظهر واضحا من الاهتمام الدولى بالزيارة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والإعلامية والأخير تجلى فى إبراز الصحافة العالمية لجوانب عديدة من مقابلة الرئيس بوتين مع صحيفة »الأهرام« يوم الإثنين الماضى حيث تطرق الرئيس الروسى إلى قضايا متنوعة من الإرهاب فى الشرق الأوسط إلى السوق العالمية المتقلبة للبترول مرورا بما قاله عن أوكرانيا وآرائه الصريحة إزاء الولايات المتحدة والنظام الدولى فى صورته الراهنة.

فى رأيى أن الرئيس الروسى قصد فى حواره قبل القمة الثنائية مع الرئيس السيسى أن تصل مجموعة رسائل واضحة قبل وصوله القاهرة عصر الإثنين الماضى جرى التأكيد عليها فى المؤتمر الصحفى المشترك فى أعقاب المحادثات فى قصر القبة وأهمها أن روسيا ستبقى «شريكا أمينا وصديقا موثوقا به» لمصر مؤكدا بيقين أن زيارته ستعزز بشدة التعاون بين البلدين. 

واحدة من اللفتات المهمة التى رصدها المحللون الغربيون فى زيارة بوتين قدر الحفاوة بالزعيم الروسى فى القاهرة وبعضهم أرجع تلك الحفاوة إلى الدعم السياسى الكبير من جانب الرئيس الروسى لثورة 30 يونيو وللرئيس السيسى فى مساعيه لاستعادة مكانة مصر على أصعدة شتى وإيمان الرجل بأن مصر تواجه اليوم تهديدات تحتاج إلى مساندة الدول الكبرى وليس العكس.

وقد كان من حسن الطالع أن تتواكب زيارة بوتين وتصريحاته الجلية عن دعم مصر فى مسيرة الإصلاح مع تأكيدات زعامات عربية فى السعودية والإمارات والكويت والبحرين أن استقرار مصر من استقرار دول الخليج العربى وذلك فى مواجهة ألاعيب الصغار والمنبوذين من الشعب المصرى وهم أدوات لم يعد أمامهم سوى محاولة تدمير مقدرات الشعب وإدخاله فى دائرة العنف والدم التى نجحوا فى تطويق دول عربية شقيقة بها وتدفع شعوبها اليوم ثمن عدم الخروج مبكراً ضد قوى الإرهاب التى استفحلت ولم يعد من سبيل فى مواجهتها سوى توحيد جبهاتها الداخلية.

واحدة من جوانب التطابق فى الرؤى تجاه القضايا الدولية ما عبر عنه الرئيس السيسى فى كلمته بالمؤتمر الصحفى منطلقا من نقطة أن مصر تستند فى علاقتها مع روسيا على أسس عميقة من التعاون الممتد، وأن البلدين هما صديقان استراتيجيان فى العلاقات الدولية المتوازنة. كما أردف السيسى قائلا: إن القاهرة وموسكو تتفقان على حاجة العالم إلى نظام أكثر ديمقراطية وعدلا وأمانا لجميع الدول، فضلا عن الحاجة الملحة لإقامة نظام اقتصادى دولى أكثر انصافا فى مواجهة المشهد الراهن حيث الصراعات المتفاقمة والهيمنة والتدخل فى شئون الدول بصورة تؤدى إلى تقويض مجتمعات بأكملها وحيث التهديدات للسلم والأمن الدوليين صارت ظاهرة للعيان بصورة غير مسبوقة. 

وتتطابق كلمات السيسى فى حضور بوتين مع ما سبق ان صرح به فى حديث مع «روسيا سيغودنيا»، من أن «السياسية الخارجية المصرية فى المرحلة الحالية هى سياسة قوية ومعتدلة ومتكاملة، وهذا أعلنت عنه منذ أن توليت الحكم ومنذ خطاب تنصيبى كرئيس، وقلت إننا منفتحون على العالم كله فى إطار سياسة تتسم بالاعتدال والتوافق وبناء علاقات قوية مع دول العالم كافة، بعيدا عن سياسة الاستقطاب وصنع المحاور وأعلنا أننا نحترم مصالح الأخرين، وعلى الآخرين أن يحترموا مصالحنا كما أننا لا نتعرض لمصالح الآخرين، وعلى الآخرين أيضا ألا يتعرضوا لمصالحنا وهذا هو سر التفاهم والتعايش فى العلاقات بين مصر والدول كافة على وجه سواء».

وتطرق السيسى، حيث كان يقف أمام منصة الكلمة فى قصر القبة وعلى مقربة منه فى الطرف الأخر الرئيس بوتين، إلى حتمية تضافر الجهود الدولية لمواجهة داء الإرهاب البغيض وقال إن  «المنهج الشامل» الذى يتضمن معالجة الجوانب الاجتماعية بات حتميا وعدم اعتماد «المنهج الأمنى» وحده. وتلك هى الرؤية التى طالما طالبت بها الرئاسة المصرية الأطراف الدولية الفاعلة وعلى رأسها الولايات المتحدة بعد تبيان سياسات انتقائية فى التعامل مع تهديدات الجماعات المتطرفة واستمرار التواصل مع جماعة الإخوان فى الخارج بعد أن لفظهم المصريون بعد ثورة شعبية عظيمة. 

ولا شك ان التوافق والتطابق فى الرؤى بين القاهرة وموسكو يمثل إزعاجا حقيقيا فى عواصم غربية لم تعتد على مثل تلك المساندة من قوى كبرى لدولة إقليمية محورية مثل مصر وهو ما يستدعى اليقظة والحيطة فى كل خطوة قادمة حتى لا ندفع أثماناً مثل غيرنا تزيد من وطأة الواقع الصعب. 

جانب آخر من تطابق المواقف، ما عبر عنه الرئيسان إزاء الحالة العربية الراهنة حيث أكد السيسى وبوتين ضرورة الحفاظ على سيادة الدول ووحدة أراضيها سواء الوضع فى ليبيا أو سوريا أو العراق أو اليمن وقالا إن السبيل إلى الحل لابد أن يأتى من خلال التوافق بين «المكونات الوطنية» فى تلك الدول.

وقد كانت كلمة الرئيس بوتين فى المؤتمر الصحفى مفعمة بالأمل فى تطوير العلاقات وفى دفع العلاقات الثنائية خاصة الاقتصادية منها إلى مستويات جديدة تبنى على ما سبق فى مشاركات الروس للشعب المصرى فى المشروعات الكبرى وسوف يذكر التاريخ ما أعلنه فى القاهرة عن التعاون فى مجال إقامة أول محطة للطاقة النووية مثلما بقى السد العالى شاهدا على ملحمة كبرى بين بلدين تقربهما الصداقة والمصالح المشتركة أكثر اليوم.

------

فى الشق الاقتصادي، يبرز ملف أستعداد موسكو، من خلال الصندوق الاستثمارى الروسى المباشر، فى المساعدة فى إنشاء صندوق استثمارى فى القاهرة، وتم توقيع الاتفاقية، فى حضور الرئيسين يوم الثلاثاء الماضى وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز التعاون فى مجال الاستثمار، ومساعدة الصندوق الشركاء المصريين، فى استراتيجية الاستثمار، والهيكل الإداري، والمساهمة فى جذب المستثمرين الدوليين الآخرين. كما اتفق الجانبان علي دفع العلاقات الاستثمارية بين البلدين، والبدء فى إقامة المنطقة الصناعية الروسية، والتى تم تحديد موقعها فى شمال عتاقة على محور قناة السويس. وتلك خطوات مهمة قبل المؤتمر الاقتصادى فى مارس المقبل وترجمة عملية لآفاق التعاون المنتظر بين البلدين. 

كما تخطو العلاقات التجارية خطوة متقدمة بالإتفاق على تيسير جهود إقامة منطقة التجارة الحرة بين مصر والاتحاد الجمركى الأوراسي، بما يوسع آفاق العلاقات التجارية والاقتصادية مع روسيا وسائر دول الاتحاد. ونقلت وسائل إعلام عن وزير الزراعة الروسى نيكولاى فيودوروف قوله إن شركات روسية قد تشارك فى بناء منشآت لتخزين الحبوب فى مصر بطاقة تصل إلى 8 ملايين طن.

 أما المشروع الأكثر استقطابا للاهتمام فهو توقيع اتفاق إنشاء محطة الضبعة للطاقة النووية لانتاج الطاقة الكهربائية. وقد كان الرئيس بوتين واضحا فى تعليقه على التعاون فى مجال الطاقة النووية خلال المؤتمر الصحفى عقب القمة الثنائية عندما قال إن البلدين ناقشا إمكانية التعاون فى مجال الطاقة النووية، وفى حال تم اتخاذ قرارات نهائية، فإن الحديث لا يدور عن مجرد بناء محطة طاقة نووية، إنما عن بناء قطاع نووى كامل فى مصر، بما فى ذلك بناء محطة طاقة نووية، وتدريب الكوادر، وتطوير العلوم، إنها حزمة كاملة من التدابير الهادفة نحو إنشاء قطاع جديد فى مصر. وقال بوتين، إن الشركات الروسية بما فيها الشركات العاملة فى مجال الكهرباء والطاقة والصناعات الكيميائية وإنتاج السيارات تبدى اهتماما كبيرا بالسوق المصرية، وأن هناك آفاقا واسعة للتعاون فى مجال التكنولوجيا المتقدمة خاصة بقطاع الطاقة الذرية واستكشاف الفضاء والاستخدام المشترك لنظم الملاحة، مشيرا إلى زيادة السائحين الروس إلى مصر، وتفعيل التبادل التجارى والاستثمارى بين البلدين. 

ويظهر من تصريحات الرئيس الروسى أن هناك رغبة صادقة فى توسيع دوائر التعاون الاقتصادى بما يخلق أرضية جيدة لتعميق العلاقات على كل المستويات. ويعكس التعاون مع روسيا فى مجال الطاقة النووية وأن مستوى العلاقات الثنائية قد وصل إلى درجة متقدمة من الثقة والتناغم فى المواقف وحسب بعض التحليلات فإن روسيا هى الدولة الوحيدة التى تقوم بتصنيع مكونات المحطات النووية بنسبة مائة بالمائة وهو ما يجنب مصر حسابات صعبة فى حال التعاون مع دول أخرى فى إنتاج الطاقة النووية ربما تستغل الخلافات السياسية للضغط على القاهرة. ويزيد من فرص تطوير التعاون فى مجال الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء وإنشاء بنية تحتية للطاقة النووية الحديثة في مصر توثيق العلاقات ووصولها إلى درجة من التحالف الاستراتيجى خاصة فى مواجهة قوى الإرهاب وهو تحالف يصعب فى ظل المعطيات الراهنة أن تنفك عراه أو تتبدل مواقفه بسهولة.

حصاد زيارة بوتين يصب فى صالح البلدين دون شك، وبعيدا عما تلوكه ألسنة الكارهين للتقارب بين موسكو والقاهرة فإن المضى فى مسيرة التقارب على أسس واضحة وعملية سيكون له مردود أكبر يخدم السياسة الخارجية للبلدين ويحرر القرار السياسى المصرى أكثر وأكثر ويترجم فلسفة إقامة علاقات متوازنة مع الجميع على الساحة الدولية دون القبول بهيمنة أطراف بعينها، وفى توجيه الرئيس بوتين الدعوة للرئيس السيسى للقيام بزيارة جديدة إلى بلاده فى أقرب فرصة مغزى ومعنى يوضحان أن ما جرى فى القاهرة يمثل نقطة إنطلاق فى مسيرة طويلة لتعميق العلاقات وأن الفرصة اليوم سانحة ولا تقبل الإهدار ودراية الرئيسين بتلك الفرصة يمثل ركنا مهما فى تطوير الروابط بين شعبين لا يقبلان اليوم بأنصاف الحلول أو اللعب بمقدراتهما.

عن الاهرام

×
أخبار
صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط