تاريخ النشر: 2022-02-24 | 16:10
تاريخ النشر: 2022-02-24 | 16:10
كالعادة وقبل نهاية السنة الجامعية طلب أستاذ الفلسفة ان يُعبَّر كل منا عن مفهوم فلسفي، فالفلسفة قبل كل شيء هي تعبير عن واقع وليس فقط أحلام سفسطائية.
وبينما كنت غارقا في البحث على الشبكة العنكبوتية عن شيئ يناسب الموضوع، اِقترَحَت عليّ إحدى صديقاتي قضاء يومين للراحة في قرية معروفة بمزارعها الصديقة للبيئة وجودة إنتاجها الغذائي.
فعلا توجهنا معا باليوم التالي إلى قرية المظاهر.
- إسم غريب. من أين أتى؟
-من تاريخ القرية، سكانها يناقشون كل أمورهم بشكل علني منذ سنوات عدة
-هي إذا نموذج ديمقراطي
-بل أكثر من ذلك، سأحكي لَكِ قصتها
المظاهرُ قريةٌ جميلة، تقعُ في وادٍ مُحاط بالجبال، حيث تُجَاوِر المراعي في السفوح شجر البلوط الكثيفِ في القمم. يعيش أهلُها من الزراعة وتربية الماشية والصناعات التقليدية.
يمرُّ في القريةِ نهر صغير، ذو ماءٍ شفاف، يَعبُرُها من الجنوب إلى الشمال، مصدر الري لأراضيها، وأحد مصادر ماء الشرب. يعلو "السياييل" وهو اسم النهر، لشدة انسيابه وسرعة جريان مائه، القادمة من الجبال المجاورة، جسران خشبيان عند مروره في وسط القرية، متباعدان بحوالي ثلاث مئة متر، بينما توجد على المدخل الشمالي ناعورة، للري وطحن الحبوب.
ينام القرويون ويصحون، على عجيج المياه السريعة، كلحن موسيقى أبدي، يُعطي القرية هويتها الصوتية.
بُنيت القرية على شكل دائرتين كبيرتين، متحدتي المركز، يتوسطهما ساحة تُدعى، ساحة المظاهر، يتجمع فيها الناس، عند الاحتفالات والمناقشات العامة.
تَضم الدائرة الأولى، المحيطة بالساحة المركزية، كلَّ المحال التجارية والمهنية، كذلك الدوائر الرسمية، مثل بناء البلدية، المدرسة والمستوصف الطبي.
الدائرة الثانية، وهي الأكبر، مُخصَّصة للبيوت السكنية، مبنية من الخشب أو الحجر البارز، تعلوها سُقوف من القرميد الأحمر. كل بيت له شكل خاص، حسب اختيار وذوق صاحبه وإمكانياته. هناك البيوت الصغيرة، والبيوت الأكبر، ولكنها جميعَها مُزيَّنة بحديدها المصقول الشهير، الذي يُحيط بشرفاتها ونوافذها، ما يُعطيها جَمالِيَّة خاصة، وتميُّزاً بين القرى كافة.
بين الدائرتين، زُرِعت حدائقُ عدة، تحتوي على أنواع مختلفة من الزهور والشجيرات الصغيرة، تخترقها ستة طرق عمودية، تربط الدائرتين، لِتسهِّل انتقال الناس إلى المركز.
يقع المعبد داخل هذه الدائرة الثانية، فبيت الله وُضع جانب بيوت الناس؛ ليكون بعيداً عن ضجة مركز القرية، وأيضاً بعيداً عن ساحة المظاهر، مركز النقاشات الحاسمة. يَقوم على هذا المعبد راهب كهل اقترب عمره من الثمانين، ما زال بكل حيويته، خطيب مُفوَّه، يعتاش من تبرع المواطنين، يُدعى "موهوم أبو ماضي".
اشتهرت المظاهر، بين القرى، بدماثة خُلُقِ سُكَّانِهَا وبساطتهم، وَمحَبَّتهم لقريتهم وكل ما يمثلها. وكالقرى الأخرى، فالمظاهر، لها خبَّازها، وحدَّادها وكل ممثلي المهن المختلفة، لكن أكثر سكانها من الفلاحين. هي مشهورة أيضاً بفنانتها الرسَّامَة "أم حرية"، والتي ملأت المعارض بلوحاتها، التي تحكي قصص وتاريخ القرية.
يُدير المظاهر مجلس بلدي مُنتَخَب، يقوم بجمع الضرائب، وصرفها على ترميم البُنيَة التحتية، والتعليم وباقي الخدمات العامة. رئيس البلدية "أبو توفيق الزعيم"، رجل في السبعينيات من العمر، غزا الشيب رأسه، وقد ورث الرئاسة عن والده، ابن عائلة برجوازية عريقة، والذي أدار القرية أربعين عاماً، قبل موته من الهرم، هذا ما يحدث عادة في هذه القرى الصغيرة، من المتوقع أن يستلم ابنه الأكبر الرئاسة، بعد وفاته.
في مساء أحد الأيام، غَطَّت سماء القرية سحابة سوداء من طيور مهاجرة، لم يعتاد القرويون مشاهدتها، منهم من رأى في ذلك إنذار شؤم، خصوصاً أنَّ كثيراً منها، اكتسحت الحقول وأتلفت المحاصيل.
في اليوم التالي، تفاجأ بعض الفلاحين برؤية عدد كبير من الأسماك والضفادع الميِّتَة، تطفو على سطح الماء، وهو ما أقلقهم؛ فأبلغوا بذلك رئيس مجلس البلدية، والذي كما يبدو، لم يُعر الأمر أهمية كبيرة. قد يكون ذلك نتاج التلوث بالمواد الكيميائية المُستعملة في الزراعة، كبقية القرى الأخرى، وأمر بأخذ عَيِّنَه من مياه النهر وإرسالها لمختبر التحاليل العلمية في المدينة المجاورة، ناصحا الجميع باستخدام مياه الشرب المعدنية المُعبأة لبعض الوقت.
ولكن بعد بضعة أيام من هذه الحادثة، مرض الخَبَّاز الوحيد في القرية، أبو حياة بمرض غريب، ما أدى إلى شلل كامل في يديه، مما منعه من القيام بمهمته المُعتادة.
"أبو حياة"، رجل وسيم، في الستينيات من العمر، متوسط القامة، يختلط في شعره السواد بالبياض، ذو يدين خشنتين، له زوجة وثلاث بنات، يُساعدونه بالعمل. من دخل مخبز أبو حياة، لا يرى إلا الابتسامة على شفتيه، ولا يسمع إلا الكلمة اللطيفة، ولا يشتم إلا رائحة الخبز الشهي. هذا الخباز المُتميِّز، أخذ المهنة عن والده، المتوفي قبل سنوات عديدة.
بعد مرض أبو حياة، اضطر سكان القرية إلى عمل خبزهم بأنفسهم، مُكتشفين بسرعة الدور الأساسي لهذه المهنة في حياتهم. فأبو حياة هو من كان يُعطي لإفطارهم الصباحي مذاق الأيام الجميلة، ومن تتفاخر النساء بصنع ألذِّ الأطباق لأكلها مع خبزه الشهي.
دون خبزهم اليومي، يقضي رجال ونساء القرية ساعات طويلة، بطحن القمح، وجمع الحطب. الخباز كان يسمح للسكان عمل أشياءَ أخرى لحياة القرية، دون الالتفات إلى مشاق صناعة الخبز، من تحضير وعجن وتخمير وتقطيع وتهيئة وتحمير، إلى نهاية السلسلة الطويلة والتي يبدأها الرجل كل يوم، على الساعة الرابعة صباحاً؛ ليكون خبزه جاهزاً عند الجميع لحظة الإفطار. فيذهب الأطفال إلى المدرسة، وقد أكلوا وشبعوا، والعامل لمعمله، والفلاح لحقله ومزرعته، ورئيس البلدية وأعضاء المجلس البلدي لبلديتهم، كذلك الحداد والفنانة الرسامة، وكل مكونات هذه القرية الصغيرة. العمل في المخبز، هو كعجلة تدور كل يوم، لا تتوقف.
حزن الجميع لمرض الخباز، وتمنوا له الشفاء العاجل، وقام رئيس البلدية أبو توفيق، بزيارته شخصياً؛ لِيطَّلِع على أحواله، مظهرا تضامن جميع سكان القرية، مُنتظرين بشوق عودة رائحة خبزه الساخن.
ما كاد الناس يتأقلمون مع صناعة الخبز البيتي، حتى ورد نبأ إصابة الْحَدَّاد الوحيد في القرية، بمرض مفاجئ، أقعده عن صناعة إطارات النوافذ والأبواب والشرفات. تلك القضبان المصقولة الملتوية، والتي بالإضافة لجمالها، تحمي البيوت وسكانها من أي عارض. لم يعد قادرا على الوقوف. "أبو بديع"، وهو اسم الرجل، قوي البُنية، طويل القامة، تجاوز الخمسين. يتعجَّبُ الناس من كيفية سيطرته الكاملة على هذه المادة الصلبة، وعشقه لها، وكأنها عجينة بين يديه، تسخنُ حتى الاحمرار في فرنه الخاص، ويقوم بإعطائها أشكالاً فَنيَّة من مُخيلته، من التواء وانحناء، حتى تتناسب مع طلبات زبائنه الكثر.
يُساعد أبو بديع، ابنه الأكبر بديع، فتى في الخامسة عشرة من عمره، وخليفته في المستقبل. وبدا كأبيه شديد الحب لهذه المهنة، يقضي ساعات طويلة مع والده لِتعلُّمهَا.
بعدما طال غيابه، اضطر بعض السكان مجبرين -وخصوصاً الحديثي الوصول منهم- إلى أن يصنعوا إطارات أبوابهم ونوافذهم بأنفسهم. لكن غياب الخبرة والمعرفة بهذه المهنة المعقدة، أَدَّى إلى أن تشبه هذه النوافذ والشرفات، مربعاتٍ مُحاطةً بقضبان حديدية سوداء مصفَّطة، فاقدة تماماً بهاء وجمال ما كنا نراه، مع إبداعات أبو بديع.
مع مرور الزمن، أصبحت بيوت القرية أشبه بمكعبات خشبية، مُحاطةٍ بألواح حديدية، لا تَمايُز بينها، كأنها تقوم فقط، بمهامها الأساسية. مرض الحداد الذي طال، أضاع تدريجياً تلك اللحظات التي تتوقف عندها عقارب الساعة؛ لينظُر الزمن بإعجاب لما أنتجته يدُ الإنسان، وهو يصنع عالمه، مُعطياً هذا الزمن هويته الخاصة.
بعد أسابيع قليلة من مرض الحداد، سمع الجميع بنبأ مرض الفنَّانة، رسامة القرية، "أم حرية". امرأة في منتصف الثلاثينيات، لها شعر مُتمَوِّج، أكثر سواداً من الليل، وعينان بلون الكستناء، والتي خلَّدت القرية بلوحاتها. وقعت بدورها ضحية هذا الوباء المجهول، بدأت عيناها بالاحمرار، ويداها بالارتعاش. توقفها عن الرسم، دفعها إلى الانعزال والاكتئاب، وهي المعروفة بنعومتها ورهافة أحاسيسها.
أسف جميع القرويين لمُصاب الفنانة، لكن ذلك لم يمنعهم من الاستمرار بحياتهم المُعتادة. المزارع يزرع، والبناء يبني. لم يعُد أحد يتذكر أم حرية أو مرضها، إلا عندما افتُتِحَ المعرض السنوي للرسوم في إحدى القرى المجاورة. لأول مرة منذ سنين، لا تُشارك المظاهر بهذا المعرض، وهو ما أَدَّى إلى نقل عدوى الاكتئاب، التي أصابت الفنانة إليهم، فهم لهذا العام، لن يتمكنوا من التباهي بجمال قريتهم، والتي كانت موضوع الرسامة الدائم. حينها شعر الجميع بأهمية الرسم والفن، اللوحات لا تُشبعهم إن جاعوا، ولا تحميهم من البرد في الشتاء، ولكنها تُدفئ قلوبهم، وتُعطي معنى للعيش معاً، في قريتهم الهادئة الجميلة، هي ببعض الخطوط من فرشاتها، تختزل ما فعلت أيديهم، وما حملت أنفسهم من أحلام، وتُعيد لهم الحرية بعد عناء العمل وعبوديته، وتبقى رسالتهم للأجيال القادمة.
تذكر القرويون تلك اللوحة، والتي اُختيرت للجائزة الأولى قبل عامين. تعكس لوحة "المظاهر"، وهذا اسمها، كل جمال القرية. الفنانة أُم حرية، نقلت ببعض اللمسات المُرهفة، مراعيها الخضراء ومياه السياييل البلُّورية، والتي يذَكِّر لمعانها الياقوت. هناك جسران، مصنوعان من خشب البلوط، على شكل قوسين، مُحاطين من كل جهة بقواطع خشبية، تعلوها نجوم خماسية الشكل. وأجمل ما ترى العين في هذه اللوحة، شجرة الصفصاف، المُنتصبة على ضفة النهر، مائلة نحو الماء، حيث تلامس أوراقها التي يُداعبها الريح، سطحه. في خلفية اللوحة تقف الناعورة، وقد خفت لونها، كأن دولابها الخشبي يدور حول محورها، المصنوع من خشب الجوز، ناقلة الماء من النهر إلى الشاطئ
لكن الطامة الكبرى أتت عندما بلغ الجميع نبأُ مرض رئيس البلدية وأعضاء المجلس البلدي، دفعة واحدة. أُصيبوا جميعاً بمرض منعهم من الكلام، لم يعودوا قادرين على تحريك ألسنتهم، أو تركيب الكلمات، بالإضافة إلى صعوبة التنفس والغثيان.
مع مرور الوقت، اضطربت الحياة الاجتماعية في القرية، الجلسة الأسبوعية المفتوحة، لِمشاركة الجميع لم تعد ممكنة. انقطع السكان عن متابعة أخبار البلدية، وتوقفت أنشطتها، وهكذا بعد بضعة أسابيع، أغلقت شركة الأعمال العامة مكاتبها، موقِفَة أنشطتها، وهي التي كانت تهتم بالطرق وتوزيع الماء والكهرباء.
النقاش الحامي الوطيس، بين اليمين واليسار، داخل المجلس البلدي توقف تماماً، لم يعد أحد ينتقد أحداً، وتُركت الأمور تسير دون مُراقب. أُغلقت المدرسة، لعدم توفر المواد التعليمية، التي كانت تزودها البلدية. وحدها المعلمة انبهار، "أم حنان"، من بقيت رغم الصعاب، مستقبلة جزء من تلاميذها في بيتها الخاص. أم حنان، سيدة بالأربعينيات من العمر، متوسطة القامة، ذات شعر خرُّوبي اللون، تحب العلم والتعليم، هو سبب وجودها في القرية، وهدفها الأساسي من الحياة.
ثم انقطعت الكهرباء لتردِّي حالة البُنية التحتية، وتبعها توقف شبكة توزيع المياه العذبة، بسبب الصدأ الذي أصاب الأنابيب، واختلاط مياهها بالرمال والتراب.
في أقل من ثلاثة أشهر، شعر السكان بأنهم تقهقروا لسنوات عديدة. هم الآن يستعملون الحطب والفحم للإنارة والتدفئة والطهي، وماء النهر للغسيل والاستحمام والشرب، وفي أحسن الحالات، المياه المعدنية المُعبأة، ويعتنون مباشرة بتعليم أبنائهم.
دفع هذا الوضع السكان إلى اجتماع عاجل، داخل الساحة العامة للقرية، ساحة المظاهر، بناءً على دعوات مُلحَّة، خصوصاً من بعض أصحاب المصالح المُتضرِّرة. دار نقاش واسع، عن أسباب هذه الكارثة، وما يتوجب فعله.
في البدء اعتلى الراهب أبو ماضي المِنصَّة، وخاطب الجموع المُحتشدة أمامه، وقد بدا على وجوهها القلق والخوف من المجهول، قائلاً: هذا جزاء من الله لما فعلت أيدينا، فقد ابتعدتم يا أبناء المظاهر، عن تعاليم كتابنا المقدس، وتوقف جزء كبير منكم عن القدوم للصلاة، ولم تعودوا تهتمون، إلا بأمور عملكم وزراعتكم ومواشيكم وعائلاتكم، قد نسيتم يا معشر المظاهرين من خلقكم، فعودوا إلى المعبد، وتبرعوا من جديد بسخاء، كما كان يفعل آباؤكم من قبلكم.
لقيت كلمة الراهب بين المستمعين القلقين، تفاعلاً إيجابياً، وَهَمَّ الجميع بالتحرك للذهاب إلى المعبد، حين وقف أحد المزارعين واقترح أن يتوجه أولاً وفدٌ إلى بيت رئيس البلدية المريض، صاحب الخبرة الكبيرة بإدارة القرية، للاستفسار عن حاله، وإن كان يملك إجابة أو اقتراحاً.
عندما وصل الوفد المكون من خمسة أشخاص لبيت المسؤول، وجدوا باباً مغلقاً، وقد كُتب عليه (الرجاء عدم الإزعاج، سيادة رئيس البلدية، يُعاني من مرض غير معروف، لا يستطيع الكلام، ومن المُفضل عدم الاقتراب منه، حماية للقرية)
حاول البعض الاتصال به هاتفياً، لكن قطع التيار الكهربائي، منذ أسابيع، لم يسمح بشحن هواتفهم الذكية، والتي بدت غبية بعض الشيء، وحتى لا يعود الوفد خالي الوفاض، كتب رئيسه كمحاولة أخيرة، كلمة على ورقة بيضاء، ورماها خلف الباب. دقائق قليلة جاء الجواب على نفس الورقة:
"أنا رئيس البلدية، حِرصاً مني على استمرار العمل في القرية، وبسبب مرضي، ومرض ابني، نائبي الأول، قررت التنحي عن السلطة، وأترك لكم شأن انتخاب شخص آخر مكاني، حتى يُتَمِّمَ عُهدَتي الحالية، آملاً أن تنجلي هذه الضائقة عنا قريباً، حتى نتمكن جميعنا من العودة إلى ما تعودنا عليه. إياكم من الاختلاف بين اليمين واليسار، فهذا ليس وقت إضاعة الوقت بتحديد هوية الرئيس الجديد، وإنما وقت بناء القرية، وإعادة إعمارها". استمع الوفد لما قاله الرئيس المستقيل، وقرروا إبلاغ رسالته للجميع. عاد الوفد إلى ساحة المظاهر، حيث كان القرويون ينتظرونهم بفارغ الصبر، تم إبلاغ الجميع باستقالة الرئيس المريض ونصائحه، مُقترحين أن يُناقش داخل الساحة كل كبيرة وصغيرة، من منظار البناء، تاركين الخلافات التقليدية بينهم، إلى ما بعد إنهاء هذه الأزمة.
بدأ النقاش العام، وتعالت النبرات والحوارات الثنائية والجانبية، إلى أن تدخل أحدهم مُقترحاً انتخابَ مَن سيحل محل الرئيس المستقيل، ليقوم بمهام الإدارة والتنسيق، وهو ما لاقى استحسان الجميع.
كان تحديد هوية المُرَشَّح، أوَّل إشكالية تواجه المجتمعين. الرغبة بتجاوز الانقسامات، دفعتهم إلى تفضيل من له الخبرة، دون الالتفات إلى قناعاته الفكرية.
أول المُتَرَشحين كان مهندس القرية قائلاً:
- أُرشح نفسي بحكم دراستي ومعرفتي وخبرتي، فأنا قدير بتحديد الاحتياجات، وأساليب إصلاح ما عَطِبَ من شبكة الماء والكهرباء، والتي هي كما تعلمون مشكلتنا الأساسية. سأحتاج لجهد كل واحد منكم لمساعدتي لتحقيق ذلك.
بعد كلمة المهندس، رفعت المعلمة أُم حنان يدها، احتجاجاً على ترشيحه قائلة:
- إن معرفته العلمية، وكفاءته المهنية، لا تُعطيه بالضرورة القدرة على إدارة الشأن العام.
وهو ما أثار امتعاض المرشح وبعض مؤيديه.
تقدم بعد ذلك أحد المزارعين من المِنصَّة، وأعلن ترشيح نفسه، قائلاً:
- أُرشح نفسي، لأن أكثر السكان مزارعون، ونحن نعرف أحسن من المهندس، ما يجب عمله لإعادة الحياة إلى مزارعنا، الجُهد سيكون كبيراً ومكلفاً ولكن دون ذلك قد تزيد الأمور سوءاً.
المُتدخل الثالث، كان الراهب أبو ماضي، والذي صَعد بسرعة البرق إلى المنصة، رغم كبر سنه، وبابتسامة عريضة تَوجَّه لجموع القرويين قائلاً:
- لا ضرورة للخلاف بين المهندس والمزارع، هدفنا أن نتفادى ذلك، والبدء في العمل. حينها أخرج من جيبه الكتاب المقَدَّس ورفعه إلى السماء مضيفاً، هذا الكتاب يضع حلاً لكل إشكالية مهما كانت، ويُحَدِّد ما يجب أن يفعله كل منكم. أنتم في حاجة لنصوصه وتعاليمه، واتِّباعِهَا بشكل سليم، حتى تصلوا إلى مبتغاكم. التفكير خارج هذه النصوص، هو كفر تُعاقبون عليه في الآخرة، فلنتوجه جميعنا فوراً إلى المعبد ونبتهل إلى العلي القدير.
استغرب القرويون لما سمعوه من الراهب، ولكن تقاليدهم الدينية، والعادات التي اكتسبوها من آبائهم وأمَّهَاتهم، دفعتهم للقبول، والتوجه فعلاً للمعبد للصلاة والدعاء وقراءة النصوص ودفع ما يلزم من تبرعات، رغم اعتراض أم حنان معلمة المدرسة من جديد.
في اليوم التالي، لم يتغير شيء، فعادوا من جديد إلى المعبد، ولنفس الهدف، وبنفس الطريقة، وهكذا يومياً إلى أن انتهى الشهر الأول. حينها تجرأ أحدهم واستفسر من الراهب قائلاً:
- سيدي، متى ستُحل المشاكل وتعود الماء والكهرباء، أم أنك ما زلت تبحث عن الحلول داخل النصوص.
قرر بعدها القرويون إعفاء الراهب، وإعطاء الرئاسة للمهندس، فهو كما يبدو أكثرُ قدرةً من الراهب، لإدارة أمور الدنيا. تم ذلك رغم احتجاجات الراهب وتوعده الجميع بغضب الإله.
فور توافق الجميع على اختيار المهندس، للرئاسة المؤقتة للبلدية، وهو رجل أعزب، في بداية الأربعينات، وقد عمل نحو عشر سنوات، مع شركة الأعمال العامة في القرية. يحبُّ ركوب الخيل وقراءة القصص التاريخية، حُلْمه أن يتمكن من شراء حصان أبيض، وفتح نادٍ لركوب الخيل في القرية.
بعد استلام هذا الأخير، لمكتب الرئيس السابق، وبيته الوظيفي في البلدية، وتأكده من جودة أثاثه ومقتنياته، جلس على كرسي الرئيس، وأمامه الأقلام والأوراق، وبدأ بوضع الخطط للخروج من الأزمة. توجه إلى المتواجدين قائلاً:
- أعتقد أننا في حاجة لتأمين المستقبل، بما يخص الماء والكهرباء، واقترح بعد الانتهاء من إعادة تشغيل الشبكتين، بناء خزان ماء كبير، يعلو أحد التلال المطلة على القرية، ليكون ضماناً في حالة الجفاف، كذلك بناء سد، على نهر السياييل، لإنتاج الكهرباء، تحسباً لانقطاعها لسبب أو لآخر.
- ولكن هذا سيكون مكلفاً جداً، سيدي الرئيس، قال أحد المزارعين، نحن معشر الفلاحين، ندرك أهمية تَوفُّر الماء، ولكن بلادنا - والحمد لله - كثيرة المطر، ولم يسبق أن اجتاحت البلاد موجة جفاف حادة.
- وضعُ سد على نهرنا الصغير، أضاف فلاح آخر، قد يَحُد من تدفق الماء إلى القرى المجاورة، ما قد يوقعنا في خلافات مع جيراننا.
- لا تخافوا أعزائي الفلاحين، استأنف المهندس، فأنا متمكن من هذه الأشياء، ولن يكون لها أي أثر سلبي على أحد، بل كل الخير لأبناء قريتنا، وهذا هو فقط ما يهمني في مهمتي، التي أوليتموني إياها، انتظروا وسترون.
في اليوم التالي، بدأت الأعمال، اقترح المهندس، أن يبدأ العمل بإعادة المرافق المنقطعة إلى بيته الجديد في البلدية، ليتمكن من التفكير بهدوء، دون إضاعة الوقت في الأشياء المادية، فوافق الجميع، وهكذا عادت الماء والكهرباء إلى بيت المهندس.
تفاجأ الجميع عندما طلب الرئيس، تعيين حرس له، ليتمكن من الدفاع عن بيته الجديد ومكتبه الجميل، واختار أربعة شبان أقوياء، مُقترحاً توصيل الماء والكهرباء لبيوتهم، حتى يتمكنوا من أداء دورهم كاملاً، وهو ما تم فعلاً، بجهد وعرق بقية القرويين.
بعد عشرة أيام، وفي أول اجتماع للمجلس البلدي، وبناء على طلب مُستعجل من الراهب، اقترح الرئيس إعادة الماء والكهرباء إلى المعبد، ليتمكن جميع المؤمنين، من التعبد والصلاة كأولوية قُصوى.
ومرت الأيام، وانتهى الشهر الأول، من عهد الرئيس الجديد، والقرية على حالها، والمدرسة بلا أدوات تعليمية، ولا مقاعد صالحة. كُلُّ بيوتها ما عدا بيوتَ الرئيس وحرسه وبيت الله بلا ماء ولا كهرباء.
تشاور الناس في ساحة المظاهر، وأرسلوا وفداً لزيارة الرئيس للاستفسار عن ذلك.
- للأسف، أجاب الرئيس، فإن ميزانية بلديتنا، بعد الدراسة والتمحيص، لا تكفي لتحقيق هذه الأهداف السامية
- ما العمل إذاً؟ سأل أحد أعضاء الوفد.
- أن تقوموا بحملة تبرعات لصالح بلديتكم، بما يمكنني من شراء المواد الضرورية.
وافق الجميع بامتعاض على ذلك، وفعلاً تم جمع مبلغ كبير من المال، وإعطائه لرئيس البلدية، على أمل عودة الأمور إلى ما كانت عليه. ولكن بعد شهر آخر، لم يحدث أي جديد في القرية، سوى توسيع مكتب الرئيس، ومطبخه الشخصي، وشراء حصان أبيض اللون، حتى يتمكن القائد من التفكير الرزين.
مرَّ شهر ثالث، بلا تحسنٍ يُذكر، فغضب الجميع، وأرسلوا وفداً لقصر الرئيس، فوجدوه محروساً برجاله الأربعة، الشباب الأقوياء، والذين لم يتوانوا عن طرد وضرب الزائرين، فليس لدى الرئيس ما يكفي من الوقت لاستقبال أحد، خصوصاً من الفلاحين الجهلة، فهو مشغول بالعمل الشاق لصالح القرية.
عاد الجميع إلى بيوتهم حزينين من هذا الوضع الذي أوصلوا أنفسهم إليه بأيديهم، فهم من عَيَّن هذا المهندس الفاسد، الموظف السابق في شركة الأشغال العامة، وأعطاه القوة من المال والرجال، لِيُثَبِّتَ هيمنته. وهم قبل ذلك تاهوا في الأوهام الدينية، وأضاعوا أسابيع وأشهراً كثيرة، وأموالاً أكثر، لم تنفع إلا إغناء الراهب.
بدأت رياح الغضب تهُب على المظاهر، فتجمهر الجميع في اليوم التالي، في الساحة الرئيسية. بعد نقاش وأخذ ورد بين القرويين، قرروا إسقاط ولاية المهندس، وتعيين أحد هؤلاء الفلاحين مسؤولاً مكانه، لم يكن ليروق ذلك للراهب، فهو المُستفيد الوحيد في القرية من رئاسة المهندس، وقف يخاطب الجمهور:
- لا بأس أن نُعطي وقتاً، وفرصة أخيرة للمهندس، فنحن معشر الفلاحين، لا دراية ولا خبرة لنا في الإدارة والتخطيط الهندسي. أرجوكم أن تُفوِّضوني للقيام بهذه المهمة، فالحرس لن يجرؤوا على طردي.
هذا ما تم له بعد قراءة بعض الآيات التي تَحُثُّ على التعاون، من كتاب الله المقدس.
وفي اليوم نفسه ذهب الراهب، موهوم أبو ماضي، وحيداً لقصر البلدية، للقاء الرئيس المعزول، بعد إلقاء التحية على الحرس، وإظهار هويته وتفتيشه، تم إدخاله إلى مكتب الرئيس، والذي استقبله شخصياً، واحتضنه مؤكداً اهتمامه الكبير، بشأن المعبد، وكل ما يخص أمور إدارته مادياً ومعنوياً.
- سيدي رئيس البلدية، زيارتي لك اليوم ليست لأمور تهم المعبد، وإنما لقرية المظاهر، فالناس مُتَذَمِّرون من عدم رؤية أي تحسن في أوضاع شبكة المياه أو الكهرباء، والمدرسة ما زالت مغلقة، رغم دعمهم المادي لكم.
- أنا أتفق معك تماماً يا راهبنا العزيز، أجاب المهندس، لكن ذلك مرده كثرة الديون التي تركتها الإدارة السابقة، والبنوك لم تعد تقبل الانتظار.
- ولكنهم لم يعودوا يثقون فيما تعمله البلدية وتخططه، أكد الراهب.
- أقترح عليك يا صديقي، إقناعهم بالانتظار، وتجميع ما يمكن من المال، للإسراع في البدء في تنفيذ المشاريع، وأنت رجل مُفَوَّه وتحفظ الكثير من الأقوال الدينية، التي تدعوهم إلى التعاون لمصلحة الجميع، بما فيه مصلحة المعبد.
بعد ذلك تم الاتفاق بين الطرفين، على الطلب من المواطنين، تسديد ما تبقى عليهم من ضرائب، هي بكل تأكيد ما ينقص المهندس للبدء بالعمل.
عاد الراهب ليُبلغ الجموع، بما تم التوصل إليه من اتفاق، فاستشاط الناس غضباً، وطردوه من القرية على عجل، متهمينه بالتواطؤ مع المهندس الفاسد.
وبناء على اقتراح أحدهم، توجهوا نحو قصر البلدية، مسبوقين بأكثر من خمسين ثورٍ وبقرةٍ، وبعض الماعز والكلاب، جمعوها على عجل من مزارعهم، وُجِّهت جميعها في اتجاه المبنى. عندما رأى الحراس الأربعة هذا المنظر المهيب، وسمعوا خوار الثيران والبقر المدوي وعواء الكلاب، لاذوا بالفرار، تاركين باب القصر مفتوحاً. دخل الجميع، حيوانات و قرويون داخل القصر، عابثين بمحتوياته، محطمين كل ما بنوه للرئيس بأيديهم.
أمام هول المفاجأة ورهبة المنظر، لم يكن أمام هذا الأخير، إلا الهرب بأسرع ما يمكن، تاركاً القصر والحصان الأبيض، والمطبخ الجديد، وعشرات آلاف القطع النقدية، داخل خزانة ملابسه. عاد القرويون إلى بيوتهم فرحين بما تحقق من نصر مُبين، وقد طردوا من القرية، كل من الراهب والمهندس.
ما العمل الآن؟ والجميع يرى أن الأمور تزداد سوءاً، ما زالت القرية دون مجلس قروي مُنتَخَب، وما زالت البنى التحتية في أسوأ حال، التلاميذ بلا تدريس، والقرية بلا حداد أو خباز، حتى بلا فنان رسام. وضع لا يُحسَد عليه هؤلاء الفلاحون البسطاء.
وكما اعتاد المظاهريون، فقد اجتمعوا من جديد في اليوم التالي، في الساحة المركزية، ساحة المظاهر، لتبادل الآراء عما يجب فعله. اقترح أحدهم الطلب من أكبر الحضور سناً ترأس الاجتماع. تقدمت سيدة طاعنة في السن، وقد انحنى ظهرها، قصيرة القامة، ذات شعر أبيض، ووجه مُجعِّد أعياه الزمن، تُدعى "شيخة أُم قريع"، وبموافقة الجميع، جلست في مركز الدائرة، واضعة عصاها الخشبية، والتي صنعتها بنفسها، من أحد أغصان شجر اللوز المُر المُحيط بالقرية، في وسط الساحة قائلة:
- هذه العصا هي رفيقتي في حِلِّي وفي سفري، هي الآن رمز السلطة في قريتنا، سأُعطيها لمن يختاره الناس رئيساً جديداً للبلدية، فقد حملتني سنوات طويلة، دون أن تنكسر أو تنحني، وستكون فأل خير -إن شاء الله- للمسؤول الجديد ولقرية المظاهر، من يود أخذها فليتقدم.
عندها وقف أحد الفلاحين المعروفين، وهو ينظر للعصا بشغف قائلاً:
- أُرشِّحُ نفسي للمنصب، فأنا صاحب أكبر مزرعة في هذه القرية، وأكبر مُشارك بميزانية البلدية، لذلك، فلي أولوية امتلاك هذه العصا.
تململ الحضور مما سمعوا، وعلت صيحات الاحتجاج، بأن وقت الزعامات وأصحاب المقامات قد وَلَّى.
- أنا بدوري، أُرشِّحُ نفسي لمنصب الرئيس،
قال رجل قصير القامة مفتول العضلات، يبدو في الأربعينيات من العمر، هو الفلاح صاحب أصغر مزرعة في القرية، ثم أردف
- أنا على عكس المُرَشح الآخر، أُقدم لكم خبرتي، وحبي للقرية، دون أدنى مصلحة خاصة، بل سأُقدم كل ما أستطيع، وأستشيركم في شؤون القرية بشكل منتظم.
أثنى القرويون على كلام "راجح أبو عقل"، وهو اسم الرجل، وأكد باقي المتدخلين، على ما عُرِفَ عن المُرَشح من ذكاء وأمانة وحنكة واهتمام بالمصلحة العامة وشغف بالنقاش. أبو عقل رغم صغر عمره وفقر حاله، استطاع أن يملك رأس مال فكري كبير، بسبب اهتماماته بشؤون القرية، وشغفه بالقراءة والدراسة، واستطاع إيجاد شبكة علاقات واسعة، مع باقي الفلاحين والسكان، ما جعله موضع محبتهم.
وافقت الأغلبية على إعطاء الرئاسة لأبي عقل، واشتُرِطَ عليه ألا يطلب أي شيء لمزرعته، أكثر من المزارع الأخرى.
- أُهنئكم باختياركم، قالت السيدة شيخة، بحكم عمري وخبرتي، أنصحكم أن تُعطوا لكل مواطن من قريتنا، نفس الحق بتسلم السلطة، ونفس الحق بانتقادها عند الحاجة. الكل على نفس المسافة من هذه العصا التي أضعها في مركز ساحة المظاهر.
بعد ذلك تُرِك للرئيس الجديد، حرية اختيار من يساعده في المجلس البلدي، فاختار ثلاثة أشخاص، من ثلاث مهن مختلفة.
بعد انتهاء مراسم تسليم وتَسَلُّم العصا، توجه المزارع الرئيس برفقة مساعديه الثلاثة، إلى مكتبه في قصر البلدية، متبوعاً بمجموعة كبيرة من القرويين المحتفلين بانتخابه، وهم يغنون ويرقصون.
عُقدت أول جلسة عمل بنفس اليوم، حيث تم تحديد التحديات التي ستواجههم في الأيام والأسابيع القادمة.
في اليوم التالي، عُقدت جلسة عمل رسمية للمجلس، ابتدأها الرئيس، بتوجيه السؤال الأهم
- ما العمل الآن؟
- إصلاح شبكة المياه والكهرباء، أجاب أعضاء المجلس.
- وكيف ذلك؟ سأل الرئيس.
- لا ندري، أجاب المساعدون بصوت واحد. لا أحد منا يمتلك أي معرفة أو خبرة بهذا المجال التقني المُعقد، خصوصاً أن شركة الأعمال العامة، قد أغلقت مكاتبها في القرية.
تلا ذلك لحظة صمت لبضع دقائق، ثم رفع أحدهم إصبعه خجولاً سائلاً.
- هل بالإمكان استدعاء المهندس الفار؟
نظر الأعضاء بعضهم إلى بعض، ونظروا جميعهم للرئيس، وهو يتغير من لونه الطبيعي، إلى اللون الأصفر، من شدة الإحراج، ثم سألهم:
- هل من حل آخر؟
فأجابوا:
- لا نظن ذلك، سيادة الرئيس.
تم إقرار القرار، وكأنه شُرب السُمُّ اَلزُّعاف، وبدأ البحث عن مكان هروب المهندس. بعد أيام من البحث في كل القرى المجاورة، وُجد داخل إحدى الحانات القريبة، وهو يترنح يميناً وشمالاً.
في اليوم التالي، بعد أن استعاد عافيته، تم إحضاره إلى مكتب الرئيس الجديد، وهو يرتعد خوفاً من العقاب الذي كان يتوقعه. حاول الرئيس أن يُهدئ من روعه، ثم سأله:
- هل تقبل أن تُشرف على أعمال إصلاح شبكتي المياه والكهرباء مُقابل الإعفاء عنك وعن فعلتك، وإن نجحت، تعود مُنعماً ومُكرماً إلى بيتك؟.
هذا ما وافق عليه المهندس على الفور وبلا تردد.
طَرد الراهب مثل المهندس، لم يدم طويلاً، فقد تم هو الآخر إحضاره من منفاه، ليفتح للناس باب المعبد من جديد، وقد سامحوه على فعلته، بعد أن التزم، بعدم التدخل بعد اليوم، في أي شيء يهم حياتهم، وأن يكتفي بالدعوات الصالحات لهم.
للاحتفال بنجاح الخطوة الأولى من الإصلاح، اقترح أحدهم أن يتم التجمع داخل المعبد شكراً لله، وتيمناً بنجاح المشروع، وهذا ما كان، حيث وزَّع الراهب بركاته على الجميع.
واكتملت الفرحة، عندما عادت نتيجة تحليل مياه السياييل الملوثة، حيث أُكد وجود مادة كيميائية، مستعملة في الزراعة، دون تحديد مصدر التَّلوُّث، إن كان من المظاهر أم من قرية أخرى. تم بفضل ذلك الربط بين هذه المادة السَّآمة، والمرض الذي ضرب القرية، كما أكدته المصادر العلمية، بالإضافة إلى التعرف على كيفية العلاج. بمجرد الحصول على الدواء، قامت البلدية بتوزيعه مجاناً على جميع المرضى في القرية، على أمل استعادة عافيتهم، وتم تعيين لجنة خبراء للتحقيق بهذه الحادثة.
بعد شهر من العمل الدؤوب لإعادة الإصلاح، حيث عمل الجميع تحت إمرة المهندس، تم إعادة الكهرباء والماء إلى كل منازل القرية، وتم عودة التلاميذ لمدرستهم، وقد استقبلتهم انبهار، "أُم حنان"، بفرح غامر وكأنهم أبناؤها.
بفضل الدواء، تعافى الخباز أبو حياة من مرضه، وعاد إلى مخبزه، يُقدم كل صباح، أشهى أنواع الخبز، وسط بهجة القرويين وتهانيهم، وقد تخلصوا من مهمة الخُبز البيتي المُضنية.
بعد ذلك بأيام، سمع الجميع، عن تعافي أبو بديع الحداد، فلم يَعُد مُقعَداً، بل استعاد وقفته الشامخة، وعاد إلى معمله يُداعب الحديد الأحمر المُلتَهِب. بعد ذلك عادت بيوت القرية، تتألق من جديد، بنوافذها وأبوابها الحديدة.
بعد ثلاثة أسابيع، من شفاء الخباز والحداد، تعافت الفنانة الرسامة، أُم حرية، وتوقفت عيناها عن الدمع، ويداها عن الارتجاف، ووقفت مرة أُخرى حاملة فرشاتها السحرية، لِتُخلِّد معالم المظاهر، من جديد، حيث شاركت القرية، في المعرض السنوي للفنانين، وقد علا وجوه سكانها، علامات الفخر والاعتزاز، بقريتهم وفنّانتها.
آخر من عادت إليهم العافية، كان رئيس البلدية السابق، أبو توفيق، ومساعديه. فقد تمكنوا من تحريك ألسنتهم والعودة للكلام، ولكن لم يعد هناك أحد في القرية يسمعهم. واضطر أبو توفيق، الرئيس السابق، بالتراجع عن مشروعه للعودة إلى الرئاسة، فقد تم التصويت والموافقة على النهج الجديد، العصا في منتصف الدائرة، والكل على نفس المسافة منها مهما كان دينه وعائلته وعلمه.
مع بداية فصل الربيع، تداعى القرويون للاجتماع في ساحة المظاهر، بناءً على طلب الرئيس الفَلَّاح، الذي استهل الاجتماع بخطاب له قائلا:
- أصدقائي أبناء القرية، نستطيع الآن أن نتنفس جميعاً الصُّعَداء، فقد تمكنت قريتنا من تجاوز المحنة، ومواجهة الأزمات وحلّهَا بنجاح. سِرّ ذلك بكل تأكيد، تكاتفنا جميعاً، لكن ما هي الدروس والعبر التي نستطيع استنتاجها مما حدث في الأشهر السابقة؟
الأحداث هي التي مكنتنا من تطوير تصورنا، ووضع نهج جديد لحياة القرية، الأحداث، أقصد بها إخوتي وأخواتي الكرام،
- أولاً، تلوث النهر، كان الإشارة الأولى، والشرارة لما حدث فيما بعد، هذا التلوث والذي لم يدم إلا أياماً قليلة، كان كافياً لإدخال المرض إلى القرية، رويداً رويداً، لكن النتائج كانت كارثية، مسَّ المرض كل قطاعات النشاط الإنساني في قريتنا، لم يترك باباً إلا طرقه.
تدخل أحد الحاضرين، مُحتَجَّاً قائلاً.
- لا تنسى سيدي سحابة الطيور السوداء، فقد تكون هي السبب، لعنة حلَّت في البلدة.
- لا علاقة بين الأمراض والطيور السوداء، هي محض صدفة، أجاب الرئيس، اللعنات هي من تخيُّلِنا فقط، ويجب دائماً البحث عن الأسباب. استعمال المواد الكيميائية للزراعة هو سبب التلوث، لذلك وجب تغيير أساليب التسميد في القرية. ثم استأنف خطابه متوجهاً للجمهور:
- ثانياً، الأمراض التي أصابت بعض المواطنين، بيَّنَت لنا أهمية ما يقومون به، فالخباز مثلاً عندما مرِضَ، توقف نتيجة لذلك، إحدى وسائل حياتنا اليومية الطبيعية، وهو أكل الخبز، لا يمكننا العيش كبقية مخلوقات الله، دون غذاء يومي. مهنة الخباز إذاً، كباقي المِهن المشابهة، كالجزار أو المزارع، تهدف كلها لإبقائنا أحياء أقوياء، قادرين على العمل والإنتاج والعيش، وهذه المُهِمَّة لا تتوقف، وتتجدد مع قدوم كل مولود جديد وجيل جديد.
فجأة تدخل الحداد قائلاً:
- سيدي رئيس البلدية، هل تقصد أن مهنة الخباز، هي أكثر أهمية من مهنة الحداد، فالناس لا يستطيعون أكل الحديد، ليعيشون ويتكاثرون؟
ضحك الجميع، ثم استمر الرئيس قائلاً.
- صديقي أبو بديع، لا شيء من هذا القبيل، مهنتك ضرورية مثل مهنة الخباز أبو حياة، لكن على مستوى وبمعنى آخر. فالحديد الطيع في يديك، يحمينا من العابثين أولاً، ثم بجماله وروعته، يخلق العالم الذي اخترناه لنعيش فيه، هذه البيوت المُزينة بعملك، ستبقى للأجيال القادمة، رسالة واضحة، لما كان عليه عالمنا.
حينها وقفت الرسامة، أم حرية، موجهة كلامها للرئيس:
- هل يُفهَمُ من كلامك أن الرسم لا مكان له؛ لأنه لا يحمي أحداً من البرد، أو السرقة، لا يأكله أحد، وقد يتمزق حين تهب الريح؟
تبسم الرئيس موجهاً إجابته للفنانة والحاضرين:
- لم أقصد ذلك أبداً، فَنُّكِ أم حرية، هو أسمى ما يصنع الإنسان، فالفن سواء كان رسماً، شعراً، أو غناء، أو أي شكل أخذه، يوصلنا إلى ما يَقرُب، من مرتبة الآلهة، بمفهوم الحرية المطلقة. هو ما يميزنا عن باقي أشكال الحياة الأخرى، والتي تحتاج للغذاء، وتحتاج للحماية، وحده الإنسان من يستطيع اَلتَّحَرُّر من الحاجة عن طريق الفن.
هنا تدخَّلَ أبو حياة الخباز قائلاً:
- نفهمُ منك أن لكل فرد في هذه القرية مَهمةً يقوم بها، فنحن جميعاً نبني حاضر القرية ومستقبلها، أنا أطعمُ يومياً الناس، مهنيُّو البناء يحمونهم من العواصف والأمطار، المبدعون والفنانون يصنعون عالمهم الخاص وحريتهم. ولكن كيف تتجمع هذه الأمور سوياً لكي تتكامل وتسير في الاتجاه نفسه.
أجابه أحد الحضور:
- هذا هو دور البلدية ورئيسها، فهو من يُوجِّهُنا جميعاً ويُعطي كل واحد دوره.
عندها وقفت المعلمة، أم حنان، في وسط الحضور قائلة:
- للأسف الأمور ليست بهذه السهولة، فنحن جميعاً مسؤولون، فرداً فرداً، عن حاضر ومستقبل قريتنا. نحن أبناء المظاهر، بمجرد أن نجتمع هنا في هذه الساحة، متعلِّمين فلاحين أو عمالاً، نساءً أو رجالاً، متساوون بحقنا، ليس فقط بدخولها، ولكن أيضاً، بالمشاركة في النقاش وإبداء الرأي. كذلك المشاركة في السلطة، والتي تُمَثِّلُها عصى العجوز في وسط الساحة، كونها على نفس المسافة، من كل فرد من أبناء القرية.
تدخلت أُم قريع قائلة:
- قد أكون عجوزاً كما تقول المعلمة، ولكنني أمتلك كل قواي الذهنية، أليس كذلك أُم حنان؟
ضحكت أُم حنان واعتذرت لأم قريع.
- ولكن استلام السلطة سيدتي، يقول الحداد، بحاجة إلى دراسة ومعرفة وحكمة، لا يمتلكها هؤلاء الفلاحون البسطاء.
- الواقع يا صديقي، تستأنف المعلمة انبهار، يُثبِتُ عكس ذلك، فنحن رأينا أين أوصلنا حكم المهندس، الرجل المتعَلِّم المُتَألق، حتى أننا اضطررنا للاستعانة بالأبقار للتخلص منه.
يتدخل رئيس البلدية من جديد قائلاً:
- ولا تنسوا أصدقائي أنني فلاح ابن فلاح مثلكم، هذا لم يمنعكم من اختياري رئيساً للبلدية.
ضحك الحضور وأثنوا على كلام الرئيس.
عندها وقف المهندس، وبصوت خجول طلب الكلمة:
- أتفق مع من لا يربط، استلام السلطة بمقدرة علمية أو مهنية مُعيَّنة، وإلا لكان كل الرؤساء من القضاء والمحامين. أنا أعترف أنني قد خدعتُ نفسي، عندما ظننتُ أن علمي وخبرتي في الهندسة تؤهلني لقيادة القرية.
تردُّ عليه أُم حنان:
- كلامك حضرة المهندس يؤكد حقيقة أن الأنشطة الإنسانية تنقسم إلى نوعين: النوع الأول هي تلك المرتبطة بالعمل للعيش، أو العمل للإبداع والفن، هذه أنشطة فردية، تستعمل المادة، فالخباز يستعمل القمح، والحداد الحديد، والفنان الألوان، بينما وحده النوع الثاني من النشاط الإنساني، الذي ليس في حاجة لوسائط مادية. أعني الفعل السياسي، بمعنى الفعل العام، لا يمكن أن يكون فردياً، فهو نتيجة نشاط تَعَدُّديِّ يحدث بتفاعل الأفراد فيما بينهم، ومادته هي المساواة والتمايُز، المُبادرة والتجديد. لذلك فممارسته ليست بحاجة لتعلم أي مهنة مهما كانت، كالنوع الأول، وإنما فقط الانخراط به، والاهتمام بالشأن العام، هو بمقدور كل شخص وكل فرد في القرية.
تتدخل الفنانة أُم حرية قائلة:
- كيف أجد الحرية، وهي رمز الفن؟
- التعَدُّدِيَّة هي شرط الحرية، تقول أم حنان، والتمايُزُ بيننا هو شرط التَعَددِية، فلو كنا دائماً متشابهين ومتوافقين على كل شيء، سنفقد التعددية والتمايُز، وبالنهاية نفقد الحرية، والتي هي أغلى ما يملك الإنسان.
أحد الفلاحين يطلب التدخل:
- لكننا معشر الفلاحين، قد نتفق على أشياءَ تهمنا، ونكون مختلفين، مع باقي أصحاب المهن، كيف سنتفق كلنا على اختيار رئيسنا، واعتماد مشاريع تطوير القرية؟ الأولويات ستكون مختلفة، عند الحداد أو الخباز، عنها عند المزارع.
تقف انبهار من جديد قائلة:
- الاختلاف هو إغناء للجميع، والإجماع والتشابه هو إفقار لهم. لا نستطيع إغناء الفكر إلا بالنقاش، والوصول إلى أدق التفاصيل، وهذا لا يتم إلا من خلال تبادُل الآراء، بين أفراد مختلفين، وليس بين أفراد متوافقين. الفكر الجاهز المُعَلَّب، هو منع للفكر، وإغلاق للدماغ. ليس المطلوب التشابه والاتفاق على كل شيء، بل المطلوب هو التمايُز، حتى يستطيع كل فرد أن يُغني الفكر والعمل الجماعي. نحن- في قرية المظاهر- متساوون وفي الوقت نفسه متمايزون عن بعضنا البعض، وحدها الأنظمة الشمولية من تربط المساواة بالتشابه، وترفض الاختلاف. أنتم ترون إلى ما يؤدي ذلك من مآسي وحروب.
قال أحدهم:
- ولكن التمايز والاختلاف، يُضعف الجُهد العام، نحن نعلم أن الاتحاد قوة وانتصار، والتفرقة ضعف وانهزام.
أجابت أُم حنان:
- أنا لم أقل أن نتضارب ونتصارع، وفي هذه الحالة نضعف، ولكن أن يُعطي كل فرد منا، أحسن ما عنده من جُهد وفكر، هذا لا يأتي إلا من الخصوصيات الفردية. الخلافات التي تُضعف هي أكثر وجوداً في المجتمعات المتشابهة، حيث الصراع على السلطة، حتى ولو كان الناس ينتمون إلى الدين نفسه أو العرق أو الثقافة؟
وأضافت المعلمة:
- المجتمعات المتنوعة كقوس قزح، تزداد جمالاً بألوانها، هي كالبيت الثابت القوي، يُبنَى على أسس من الإسمنت، وجدران من الحجر، ونوافذ وأبواب من الحديد، وسقف من الخشب، كل له دوره في الجهد العام. كل فرد مِنَّا، يُضيء قليلاً، بفكره وتَميُّزِه جزءاً من الطريق التي نسير عليها جميعاً، معاً تكون الطريق أشد إضاءة ووضوحاً لنصل دون أن نتعثر.
- ولكن في النهاية، سيدتي المعلمة، تدخل أحد الحضور، كيف سنصل إلى اتفاق بيننا، إن كنا مُتَمايزين ومختلفين دائماً؟
- يتمُ ذلك بالاقتراع، تقول أُم حنان، بعد النقاش الوافي والدخول بكل التفاصيل، الأغلبية تُقرر ما تشاء، بإطار ما اُتُّفِقَ عليه، داخل ساحة المظاهر، من قواعد عامة.
- ولكن هذا قد يُضر بمصالح أصحاب بعض المهن قليلي العدد، سأل أحدهم.
- هذا كلام سليم، أضافت أُم حنان، من هنا تكمن أهمية الاتفاق على قواعد اللعبة، أي وضع دستور توافقي، يحكم ويُحافظ على حقوق الجميع، بما فيها الأقليات. من دخل هذه الساحة، يعرف أنه حُرٌّ بإبداء الرأي، حُرٌّ باختيار ما ومن يشاء، ولكن في إطار ما يجمعنا جميعاً، وهو حدود هذه الساحة، أي نصوص الدستور، الذي اخترناه لأنفسنا بالتوافق.
وتستأنف قائلة:
- السلطة ليست حكراً على أحد، هي تعني المقدرة على الفعل، فكل من استطاع فعل شيء ولو بسيطًا له جزءٌ من هذه السلطة، الفعل يعني المُبَادَرَة والتجديد، فكل فعل هو إذاً تطوير للعمل وإغناء للفضاء العام.
تَدخَّل الرئيس، شاكراً الجميع مداخلاتهم، والمعلمة شروحها.
عندها وقف الراهب أبو ماضي، وطلب أن يأخذ الكلمة، فنصت الجميع:
- أولاً أُطمأن الحضور وجموع المؤمنين، من الفلاحين والمهنيين، وكل سكان المظاهر، بأن المعبد ما زال مفتوحاً أمام الجميع، للصلاة والابتهال لله. الإيمان بأشياء تحدث بعد الموت، قد تحمينا من القلق النفسي، لوجود إله يُعطي الأمل للمظلوم، أن الظالم سينال عقابه يوماً، إن لم يكن في الأرض ففي السماء. الكوارث الطبيعية والأمراض، إن لم نستطع تفاديها، فإننا نستطيع على الأقل، الابتهال والدعاء لتخفيفها أو درئها. الأمل في الله هو ما يبقى للمؤمن حين يفقد الأمل في الناس.
أحد الحضور مقاطعاً:
- لكن هذه الأشياء نُحبها سيدي الراهب، لأنها قادمة من تراثنا وعاداتنا، وشربناها ونحن أطفال صغار، مع حليب أمهاتنا.
آخر مُضيفاً:
- لكنها لا تستطيع، أن تكون مشروعاً مستقبلياً، لمحاربة الكوارث أو الأمراض، أو الظلم الاجتماعي. نحن بحاجة للنقاش والتفكير، لنتفق فيما بيننا، داخل ساحة المظاهر، ثم أخذ المبادرات والقرارات.
المعلمة أم حنان تتدخل بدورها قائلة:
- لا يجب الخلط بين العلم، وهو دراسة قوانين الطبيعة، والمعرفة العلمية، وهو ما توصل العلم لمعرفته من هذه القوانين، وبين المعتقدات والإيمان، والتي هي منفصلة تماماً عن العلم والمعرفة، وترتبط بالإرث الثقافي للمجتمع. العلم والمعرفة، هي نفسها عند شعوب الأرض كافة، بينما لكل شعب أو أمة ثقافتها أو معتقداتها الخاصة.
الراهب مُستأنفاً:
- أنا لا أطلب أن يُطبَّق أي قانون ديني عليكم، فأنتم تُقررون ما تشاؤون، في جميع نواحي حياتكم. أنا أرى في المعبد فقط، وسيلة لتهدئة روع النفس من الخوف والقلق، وليس برنامجاً سياسياً أو خطة عمل.
عندها طلب الرئيس من الجميع الهدوء قائلاً:
- نحن إذاً متفقون، كُلُّ في مكانه، والمعبد ليس مؤسسة رسمية حكومية، أو مدرسة تعليم تقني، بل مكان تعود القرويون، منذ طفولتهم، الذهاب إليه والصلاة فيه، حتى وإن لم يكونوا يعلمون لماذا يفعلون ذلك. سيدي غبطة الراهب، أنت كمواطن تستطيع إبداء رأيك وممارسة حريتك، لكن لا تملك من موقعك كراهب، أن تُحدد سياسات لا تتوافق مع القرار الجماعي.
امتعض موهوم أبو ماضي الراهب، قليلاً، ولكنه خاف أن يلقى ما حدث له في أول مرة، فسكت موافقاً.
ثم فُضَّ الاجتماع.
أخيراً وبعد عدة أشهر، قَدَّمت لجنة التحقيق اَلمعَيَّنة بشأن تلوث مياه النهر تقريرها، الذي يُظهر بوضوح، أن السبب الوحيد، وراء موت الأسماك والضفادع، هي تلك المادة الكيميائية التي أكدت التحاليل المخبرية، وجودها في الماء. بدأ استعمال هذه المادة حديثاً، للتخلص من الطفيليات، التي تضرب المحاصيل بين الفينة والأخرى.
لأهمية الحدث، قرر الرئيس عقد اجتماع عام للأهالي، داخل ساحة المظاهر، للتشاور حول وسائل العمل. فعلاً تلاقى الجميع، في نهاية الأسبوع. بدأ الاجتماع بكلمة الرئيس، مبلغاً نتائج تحقيق اللجنة، ومُقترحاً التوقف عن استعمال تلك المادة السامة. لم يلق ذلك اعتراضاً من أحد، إلا أن أحد الحاضرين، طلب الكلمة قائلاً:
- كان لهذه المادة، التي اسْتُعمِلت لأول مرة في قريتنا، أثر كبير على حياتنا جميعاً، وما سببته من نتائج سلبية على صحة المواطنين، لكن ما القول بالمواد المستعملة الأخرى، والتي قد تكون أيضاً مصدر أذى، قد لا يظهر قبل سنوات طويلة.
يتدخل صاحب أكبر مزرعة، المُرَشَّح السابق للرئاسة قائلاً:
- لم يَثبُت حتى اللحظة شيء من ذلك، فنحن نستعمل مواد كيميائية عديدة منذ سنوات. بدون هذه الأسمدة، والمواد القاتلة للطفيليات، قد نخسر جزءاً مهماً من إنتاجنا الزراعي.
- خصوصاً لصالح القرى الأخرى، ما سيُضِر باقتصاد قريتنا، ويُفقِرُ سكانها، أضاف آخر.
- هذا كلام سليم، إخوتي المزارعين، استأنف رئيس البلدية، نحن لم نقل إننا سنتوقف عن استعمالها، لكننا نتفهم تخوف البعض، من النتائج بعيدة المدى، على صحة وحياة السكان.
- نحن كنا نموذجاً على ذلك، وكِدنا ندفع الثمن من حياتنا، تدخل الخباز أبو حياة، مُشيراً بيده إلى المرضى السابقين الآخرين.
بعد ذلك وقفت أُم قريع، السيدة العجوز، قائلة:
- في قديم الزمان، لم يكن أحد يستعمل أي مادة كيميائية، ما لاحظته شخصياً، هو الفرق الكبير بالطعم، فخضار آبائكم وأجدادكم، كانت أطيب مذاقاً، وأشهى منظراً.
هنا يتدخل مزارع آخر قائلاً:
- في هذا الوادي الأخضر، لا توجد أية قرية تستعمل الزراعة البيئية، التي تتخلى تماماً عن المواد الكيميائية. مَرَدُّ ذلك في رأيي، ليس فقط الخوف على مردود المحاصيل، لكن تشجيع صانعي تلك المواد، ولمصلحتهم المادية فقط. نحن نُنتِجُ أكثر، لكن بنوعية أقل جودة، فقط لإرضاء أصحاب الشركات المُنتِجَة للمواد الكيميائية.
تتدخل المعلمة، انبهار أُم حنان:
- أنا لستُ مزارعة، وليست لي دراية في تلك الأمور، ولكنا نتابع ما يحدث في المناطق الأخرى، فهناك مزارع كثيرة تبنت هذا الأسلوب الحديث بالزراعة، والذي يتخلى بشكل كلي عن استعمال المواد الكيميائية، ويتم استبدالها بوسائل طبيعية، للوقاية من الطفيليات وبنفس مستوى الفعالية. فلماذا لا نحاول ذلك في قريتنا ؟
تململ البعض مُحتجاً، وأيد البعض الآخر هذا الطرح.
عندها تدخل رئيس البلدية قائلاً:
- أنا مزارع مثلكم، ولي مصلحة أن أنتج أكبر كم وبأرخص كلفة، لكنا رأينا في الشهور الأخيرة، مدى خطورة الاعتماد على هذا المعيار الاقتصادي كمعيار وحيد. كان استعمال تلك المادة الكيميائية، والتي قتلت الأسماك، إنذاراً لنا جميعاً، بخطورتها على البيئة وعلى صحة الإنسان. من ناحية أخرى فإن المُستَهلك عندما تصله مثل هذه الأخبار، قد يتحول بدوره من البحث عن المنتجات الرخيصة، لصالح البحث عن المُنتَجات الجيدة الآمنة، وأضاف:
- اعتمادنا أسلوباً جديدًا، يحترم البيئة، ويتخلى عن أسباب دمارها، قد يكون مُكلِفاً لفترة من الزمن، لكنه قد يضعنا في مصاف أوائل المستفيدين، في المستقبل القريب، من هذا النوع من الزراعة. بحكم كوني رئيساً للبلدية، أتحمل أيضاً مسؤولية القرية وصحة سكانها، لذلك أقترح عليكم أن نبدأ تدريجياً بتبني هذه الزراعة الجديدة، وعلى مبدأ الطواعية. واستأنف:
- لن أستطيع أن أُجبِرَ أحداً منكم على فعل ذلك، لكنني واثق أن عدداً كبيراً من مزارعي القرية، سيجدون قريباً، أنها الوسيلة المُثلى لزراعة تحترم صحة الجميع، وبنفس الوقت تحترم الطبيعة وتوازنها. لو لم تمت الأسماك أمامنا، لما عرفنا أن نهرنا ومصدر فخرنا، ذا الماء الصافي، كان في طريقه للموت، ولا كنا عرفنا أيضاً أن عدداً كبيراً من أبناء المظاهر، مرضوا بسبب تلوثه.
صفق الجميع لقول الرئيس، والذي على ما يبدو، قد تمكن من إقناع عدد كبير من الحاضرين.
الآن وبعد بضعة سنوات، من هذه الأحداث، تُعتبَر المظاهر، قرية نموذجية مزدهرة، وقد تخلت نهائياً عن الزراعة التقليدية، لصالح الزراعة الصديقة للبيئة. جميع القرى المجاورة تبعوا نموذج المظاهر، عندما رأوا تهافت الزبائن على شراء فواكه وخضروات وأجبان ولحوم القرية، حتى ولو كان أغلى قليلاً مما كان عليه الحال فيما مضى.
بناء على طلب من رئيس البلدية، أبو عقل، رسمت أم حرية، لوحة جدارية كبيرة، موجودة على حائط البلدية الخارجي، تحكي للناس، وللأجيال القادمة، ملحمة قرية المظاهر، وتُخَلِّدُ نظامها السياسي المُبدع، وقد كُتب أسفلَها: "العصا في مركز ساحة المظاهر، وكل واحد على نفس المسافة منها".
شكرت صديقتي على هذه القصة، فأنا لم أعد في حاجة للبحث عن موضوع لتقديمه، واتجهنا سوية إلى مركز القرية ساحة المظاهر.
تعليق
تهدف هذه القصة إلى شرح فكر الفيلسوفة الألمانية انا ارندت ومفهومها للعمل وتقسيمه إلى أنواع مختلفة وخصوصا العمل السياسي بمفهومه النبیل كالعمل الوحید الموجه للآخرین، والتي بینته بعدید من مؤلفاتها، الأحداث التي ترد بهذه القصة تبين بأن ما يحدث على مستوى قرية صغيرة قد يكون له دلالات كبيرة. وأن ما يفعله الناس البسطاء قد يكون أكثر تأثيراً عما يفعله المتعلمون والمختصون. إدارة الشأن العام كما يحدث في قرية المظاهر هي مسؤولية الجميع، نجاح هذه الإدارة مرتبط بشكل وثيق بمدى اهتمام الجميع بهذا الشأن، وليس حكراً على طبقة معينة من المتعلمين أو من الأحزاب السياسية.
دون هذه المشاركة الواسعة، لا يمكن السير إلى الأمام وبناء مجتمع متنوع لمصلحة الجميع وليس فقط لخدمة القلة.