سألت أحد حكائى موروثنا الشعبى التلقائى عن الفارق بين مرشحينا للرئاسة بعد أول أسبوع، فأجابنى: هو الفارق بين بطل فيلم جيد وبين نظيره فى الرواية الحقيقية الذى ظهر بعرقه ورمال الصحراء وبصمات الطريق القاسية على أفروله المزيت؟
غرائب وعجائب مصرية كشفت عنها البداية الساخنة للمعركة الانتخابية، فبطل الحربية يتكلم عن المسقبل بنبرة عاطفية سلمية دفاعية، وتغالبه الدموع مرتين، مرة لذكرى وداعه الزى العسكري، ومرة على أرواح الضحايا وما لحق جيشه من إهانات، وبطل النضال السياسى ومندوب العناية المدنية، يتكلم عن الحاضر بلغة حماسية عنترية هجومية، لإحراز هدف مبكر، فى ميدان الأصوات العمالية، يعلن الحرب على المحسوبية ويخصص للفساد مفوضية، ويطالب بابعادالجيش عن السياسة، دون مبالغة فى دوره بثورة ٣٠ يونيو المصيرية.
فقد بدأ المرشح الرئاسى حمدين صباحى وسط بحر من الهتاف بأسيوط، وبشَّر بأن ساعة النصر اقتربت فى أوكازيون الوعود والعدالة الإجتماعية، وسنعمل على زراعة ٣٠٠ ألف فدان والنهوض بالمشروعات الصغيرة، والإفراج عن جميع السياسين. ونعم للإضراب والاعتصامات السلمية، بينما بدأ المرشح الرئاسى عبد الفتاح السيسى بطريقة الدفاع الكروية مع الإعلاميين ومن قنوات فضائية ـ مع لميس الحديدى وإبراهيم عيسى ـ تسأله المذيعة المحترفة: \\\"أخبار صفقة السلاح إيه\\\" فيجيب بالصمت أولا.. وثانيا، ثم بتعبيرات رجل الدولة المخضرم \\\" أن قوة الجيش المصرى عادلة لا ظالمة ورشيدة وليست باطشة\\\".. فتلح المذيعة: وأخبار صفقة السلاح، فيبتسم ، وتلح المذيعة رابعا فيستغيث بابتسامة إلى زميلها وكأنه يدعوه لإسكاتها.. ولم يقل رجل الأسرار الأمين أنه يرفض تسخير خزائن الدولة وتسليح الجيش ليس مادة لمكاسب انتخابية، فالسيسى فى هذا اللقاء كان يتكلم بمرارة عن تجربة لازالت مازالت ساخنة وميدانية، وعندما يتحدث عن العيش والكهرباء وحالة البلد المهلهلة كان صادما وصريحا، وحين سأله المذيع عن موقفه من المطالب العمالية والإضرابات الفئوية صرخ: أنا مش قادر أديك.. مش قادر.. الحالة صعبة، وعندما سئل: إلى متى تظهر البشائر، قال بعد سنتين، وعن مشروع المائة يوم الموضة العالمية لأى مرشح رئاسي.. قال: اعطنى مواصفات عالمية أعطك نتائج بعد مائة يوم. وعد فقط ببرنامج عمل يبدأ من الخامسة صباحا، ويتحسس أو لا مواطئ قدمه قبل أن يعلوها، بنفس حسابات الشاعر الذى قال: قدر لرجلك قبل الخطو موضعها.
والرجل الذى أدار ما حدث فى 3 يوليو، وانتصر لإرادة المصريين، وحمى مصر من حرب أهلية طاحنة،لديه خبرة سياسية فى تقدير المواقف وإدارة الأزمة، والشاهد ما كشفه فى حواره: إنهم ـ الاخوان ـ صمتوا عن الرد عندما أرسل اليهم من يخبرهم: هل التوجه الاستراتيجى لهم المواجهة أم المشاركة فى خريطة المستقبل؟ فكان رفضهم دليلا على إصرارهم على طريق العنف الذى مازال مستمرا حتى اليوم، و«قدمنا ثمنا للمواجهة معهم نيابة عن الشعب أكثر من 500 شهيد من الجيش والشرطة».
والمرشح السيسى يرى أن بداية النجاح لخطة الدولة هو تغيير سلوك المواطن، ففى أزمة الكهرباء، قطع «نصف الطريق» باقتراح اللمبات الموفرة إجباريا بدلا من تبديد التيار بلمبات عالية الطاقة، وإن كنت أتمنى لو وعدنا ببناء مصنع للمبات الموفرة لتشغيل العاطلين، بدلا من الاستيراد من الخارج، لأنها تتسق مع ماقاله: عيب علينا أن يكون عندنا ١٢ مليون عاطل بلا عمل.
وبينما بالغ المرشح «الإعلامى» صباحى لتعويض فارق الشعبية ـ فى أحلامه الوردية، وصفقات مع صغار الفلاحين وسائقى التاكسى الأبيض «الصوت مقابل تسديد الدين» والصوت مقابل حق التظاهر، فلا حدود للحرية!
فإن منافسه المشير السيسى انطلاقاً من شعبيته الواسعة بالغ فى تسويد الصورة الواقعية، وفى حساسيته لما يمس أمن الوطن، ولم يخضع لابتزاز النشطاء وأكد تمسكه \\\"العمل بقانون تنظيم التظاهر لو قدر له الفوز «بهذا الأمر» واعتبر التظاهر ترفا لأنه يعنى عدم الانتباه للمخاطر.
وما كادت المذيعة تلتقط أنفاسها من «خضة» صراحة المشير فى اجابته على سؤال «كيف ستدير وتلبى مطالب فئات المعتصمين؟» ورده الحاسم: مش قادر أديك.. أديك منين.. منين» ، فبدأت عيناها ترمش فى وجهها الذى عادت فيه الحياة بعد أن اختفى معظمه خلف النظارة السميكة، واطمأنت لمنطق: «عاوزين نشتغل.. الحالة صعبة».. ثم «طبطب» بصوت حان يفهم أوجاع وأوتار مشاعر المصريين «إدارة البلد ستكون بنا جميعا، ثم عادت نبرة الحسم وكانت من نصيب سؤال النابه إبراهيم عيسى وهل سيقود بأهل الثقة أم بأهل الخبرة، فقال سأحتاج مواصفات عالية جداً«الناااااس فى المرحلة الجايه لازم يكونوا رجاااال.. عقلااااء.. أسوووود.. عبااااقرة.. واللى مش قد الموضوع يبعد..وهانخلى بالنا من البلد دى.. وهانحميها حتى الموت!
وفى الوقت الذى عبر فيه المشير عن أسفه لموقف الجماعة المخزى، من إرادة المصريين، وقال «لغاية الساعة 4 يوم «تلاتة سبعة» كنت مستنى موافقة وبعدها نطلّع بيان» فهمست المذيعة «الحمد لله أنهم رفضوا» بينما واصل المشير «كنا تفادينا مشاكل وحاجات كثيرة جدا حصلت.. وكان ممكن اللى قاعد أمامكم الآن واحد منهم، ووجدتنى اتفق مع المذيعة رغم اعتراضى على إلحاحها الزائد عن «أخبار صفقة السلاح» وأقول «الحمد لله» فى نفس الوقت الذى سمعتها فيه تقول برعب: يا ساتر يا رب، وهو الدعاء الذى أراه عنواناً للأسبوع الأول من الحملة الانتخابية!
عن الاهرام