البقاء لله.. هذا عزاء واجب بات عادة يومية.. ليس فى شهداء الواجب الوطنى فى محاربة الإرهاب فحسب.. وإنما فى ضحايا الإهمال وغياب القانون ودولة «اللادولة»..!
كتبت لك هنا عن الانفلات فى كل شىء.. وأى شىء.. وقلت ناصحاً ومحباً إن أوضاعنا لن تنصلح إلا بتطبيق القانون بحزم وحسم على الجميع.. الكبير قبل الصغير.. وقلت أيضاً إن «الضبط والربط» سيعيد بناء الدولة والمجتمع، فليس منطقياً أن نركز خطابنا للشعب على «الأخلاق»، بينما ندرك تماماً أن «الأخلاق» غائبة، والضمير نائم، وأن 60 سنة من الحكم الفاسد والمستبد لا بد أن تفرز إنساناً رديئاً، ومجتمعاً منفلتاً، وأن 4 سنوات من الفوضى بحاجة إلى 4 سنوات من الانضباط المفرط، وتغليب «القانون» على أى اعتبارات..!
قلت كلمتى لوجه الله والوطن.. ولم تجد «كلمتى» طريقها إليك.. ربما.. أو أنك لم تقتنع بها.. ربما.. لذا دعنى أعيدها عليك مرة أخرى.. ولكن مجسّدة.. دعنا نكسُوها معاً دماً ولحماً.. وروحاً..!
هل أقول لسيادتك ولمصر كلها: البقاء لله فى ضحايا أوتوبيس رحلات مدرسة «المدينة» بالغربية؟!.. هل تكفى عبارات العزاء وسكب الدموع، وصرف تعويضات، وبيانات الأسى والحزن والأسف، وزيارة المصابين فى المستشفيات، والسير فى الجنازات بنظارات سوداء، تخفى إحساساً بالذنب وتأنيباً للضمير؟!.. هل نريدها كذلك..؟! أم علينا أن نؤدى واجبنا فى حماية أرواح الأبرياء من سكين الإهمال؟!
سيدى الرئيس: خرجت رحلة الأولاد والبنات والعائلات من طنطا بالأغانى والضحكات البريئة.. البنوتة «ندى القاضى - 14 سنة» طارت ضفيرتها فى الهواء، وهى تغنى مع والدتها «رشا» وشقيقها «محمد - 7 سنوات».. لم تكن تعرف أنها تنشد أغنية الوداع.. مات الثلاثة تحت عجلات القطار.. كان «الكورال» الرقيق الذى يردد معها الأغنية يستعد للموت أيضاً.. مات «أحمد شعيب - 12 سنة»، و«مصطفى الباز - 9 سنوات»، ومعهم سائق الأوتوبيس وموظف بالمدرسة.. وفى العناية المركزة يرقد آخرون فى صراع مرير مع «شبح الموت».. وماذا بعد؟!
لماذا ماتوا.. ولماذا يموت غيرهم دون ثمن..؟!.. الثابت أن أى مواطن فى مصر بات يفعل ما يريد، دون الالتفات لقانون أو نظام أو لدولة.. والدليل أن مواطناً قرر وهو يجلس أمام «كوب شاى» ساخن أن يفتح «مزلقاناً» خاصاً على طريق السكة الحديد.. يالهوى.. أى كارثة تلك؟!.. هل أخطأ المواطن وارتكب جريمة كبرى؟!.. نعم.. ولكن قل لى -يا سيادة الرئيس- مَن المجرم الأخطر؟!.. هل تختلف معى فى أن عشرات المسئولين بالسكك الحديدية والمحافظة والحى والحكومة كلها مروا على هذا «المزلقان» ورأوه بعيونهم التى تستحق «التخزيق»؟!.. هل تحرك أحدهم؟!.. كيف نامت أعينهم وهم يعرفون أن الأوتوبيسات والسيارات تعبر مزلقان سكة حديد تابعاً لـ«القطاع الخاص»، أنشأه وفتحه ويديره مواطن فى مدينة «الشروق» بالقاهرة.. نعم.. القاهرة.. العاصمة؟!.. أى دولة تلك؟!
حكومتك نفسها «فوضوية».. والدليل أن رئيسها قال بعد وقوع الجريمة: «المواطن هو المسئول».. بينما ألقى وزير النقل المسئولية على «السائق»..!! التناقض بين رئيس الوزراء ووزير النقل ليس القضية.. فهذا سَمْت وعادة الحكومة.. وإنما الكارثة الحقيقية أن أحداً من الحكومة لم يتوقف أمام مغزى ودلالة تصرف «المواطن» وسلوك «السائق».. الأول أنشأ مزلقاناً خاصاً، وكأنه فى «دولة أبوه».. والثانى عَبَر «المزلقان الخاص» ومعه فلذات أكبادنا.. السائق مات.. والمواطن فى «النيابة».. وأطفالنا عند بارئهم.. فمن المسئول؟!
لا تغضب إذا قلت لك إن الله سوف يعاقبنا جميعاً على دماء وأرواح ضحايا الفوضى والإهمال.. فأنت تقولها دائماً: «الله عز وجل سيحاسبنا جميعاً على واجباتنا ومسئولياتنا».. فهل سيحاسبنا الخالق على التقاعس عن فرض النظام والضبط والربط والقانون؟!.. أم سنقول له سبحانه وتعالى «مالناش دعوة»..!
سيادة الرئيس: أناشدك أن تنظر إلى صورة هذه الجدة «تهانى» المكلومة فى حفيديها وزوجة نجلها.. لن تجفف الكلمات دموعها، ولن تغسل تصريحات الحكومة أحزانها.. هى تريد إجابة منك شخصياً عن سؤال واحد: مََن قتل أبنائى؟!
عن الوطن المصرية