قوافل التهليل بين الحياد السلبى والثرثرة الظنية!!
عشوائية التفكير تمهد الطريق للأزمات، والتخبط وسوء الإدارة لا يسفران سوى عن إخفاقات وعثرات ومواقف غير مرغوبة، لذا لم أفاجأ بما رأيته من مهازل وسقطات على اليوتيوب حول رحلة الوفد الشعبى إلى ألمانيا، وما شهدته من فيديوهات وتعليقات على المواقع الإلكترونية، تعكس سخرية الصحف الألمانية من تلك الوفود التهليلية، وتكشف الموقف السلبى للإعلام والأحزاب والنخب من زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى التى واجهت عثرات وإخفاقات على المستوى السياسى والإعلامى والشعبى.
إننى هنا لا أتحدث عن موقفى الرافض لتلك الرحلات التى نذرها أصحابها قرباناً للوطن وللنظام، ولا أستعرض مواضع اختلافى فكرياً ومنهجياً مع من ينظمها ويخطط لها ويشارك فيها، كما لا أستهدف أيضاً إعادة قراءة المشاهد والأحداث التى يصل بعضها إلى حد المهازل والمآسى والفضائح، ولا أبتغى كشف وإدانة أسماء بعينها، ولا أستهدف توجيه إدانة للفريق الرئاسى الذى لم يكن مستعداً ومتأهباً لكل ما كان متوقعاً حدوثه، ولكن ما دعانى للحديث عن تلك القوافل التهليلية، وجعلنى أنكأ جراحاً لم تندمل، وشروخاً لم تلتئم هى تلك الاتهامات المتبادلة فى الخفاء، وهذه الثرثرة الظنية التى ينام ويصحو عليها الشارع المصرى، وحالة التأرجح بين الشك واليقين التى باتت تفرض علينا المصارحة والمكاشفة، بعد أن تنصل رجال الأعمال وأصحاب القنوات الفضائية من مسئولية توريد وفود التهليل والتطبيل، وغسلوا أيديهم من تهمة التسابق على تنظيم تلك الزيارات الترويجية التى لا تُزيد النظام إلا خسارة!!
يحدث هذا فى الوقت الذى تكاثرت وتناثرت فيه الروايات والحكايات حول تورط أحد الأجهزة والمؤسسات المهمة فى الدولة فى التخطيط والتنظيم لقوافل التأييد والتهليل والتصفيق، بداية من اختيار أسماء الشخصيات المكونة للوفد من فنانين وإعلاميين ورجال أعمال وشخصيات عامة، وصولاً إلى تحمل تكاليف السفر والإقامة وترتيب اللقاءات والتحركات والوقفات والتظاهرات، وما خفى كان أعظم!!
لذا أقول لسيادة الرئيس السيسى.. إذا كان تنظيم زيارات تلك الوفود يأتى بعيداً عن المؤسسات الرسمية، فإن الأمر صار يتطلب موقفاً واضحاً وصريحاً ومعلناً تجاه تلك الزيارات والمبادرات الفجة والممارسات القبيحة، وبات يحتم عدم التمسك بمبدأ الصمت والحياد السلبى الذى تنتهجه حالياً مؤسسة الرئاسة، أما إذا كان ما يحدث بترتيب ورعاية ودعم من القائمين على الأجهزة والمؤسسات الرسمية، فلا شك أنك يا سيدى الرئيس تواجه مشكلة خطيرة تفرض عليك إعادة ترتيب بيتك من الداخل، واستبعاد هؤلاء السادة أصحاب تلك العقول العقيمة التى عفّى عليها الزمن، وتنحية الذين يمتلكون تلك الرؤى والمخططات الكارثية، واستبدالهم بشخصيات تتمتع بالنضج الفكرى والرؤية العلمية والأسلوب المنهجى، ولديها قدرة على إدراك حجم مصر وثقلها!!
إن تصحيح الصورة الذهنية لدى الرأى العام الغربى بشكل عام، والألمانى بشكل خاص، يتطلب أسلوباً علمياً ممنهجاً يعرفه جيداً المتخصصون والخبراء، كما أن التحاور مع الأحزاب والنخب السياسية والشعبية، والتواصل مع دوائر التأثير فى الرأى العام لن يتأتى من خلال هذا الأداء الدعائى وتلك الفجاجة والاستخفاف، أو التعامل مع تلك الزيارات السياسية مثلما نتعامل مع دعم الفريق القومى فى مباراة كرة قدم، أو الترويج للأهرامات فى معرض سياحى، أو الدعاية لفيلم مصرى فى مهرجان سينمائى!!
وقد ثبت - بما لا يدع مجالاً للشك - أن شخصية واحدة يمكن أن تكون أكثر تأثيراً وحضوراً وإقناعاً من قافلة غير مؤهلة أصلاً لهذه النوعية من المهام وغير مدربة على تلك الأدوار، وبدا واضحاً أن غياب الرؤية العلمية والوعى السياسى كفيل بأن يجعلنا أضحوكة أمام العالم، ومقارنة سريعة بين الرهان الخائب فى اجتماع الوفد الشعبى بحزب الخضر الألمانى وما حدث فيه من مهازل، وبين رهان تنظيم الإخوان على الفتاة التى استعدت منذ شهور، وانتظرت اللحظة لكى تتسلل فيها بمهارة ودهاء إلى مؤتمر المستشارة ميركل، وتوجه طعناتها للنظام المصرى أمام كاميرات العالم، وتفتح لنفسها نافذة على أهم البرامج الحوارية فى التليفزيون الألمانى ومع أشهر مذيعيه، كى تصول وتجول وتحقق أكبر دعاية للإخوان وتشوه صورة النظام المصرى، وهذا ببساطة يعنى أنهم يحسنون اختيار رسلهم ونحن نخفق فى الاختيار!!
سيدى الرئيس.. أعد ترتيب بيتك، ولا تقف صامتاً حيال من يتحدثون باسمك، ويتصورون أنهم حصلوا على تفويض رئاسى على بياض، إننا نريد إجابة واضحة ورد فعل حاسماً يوقف هذه الثرثرة، ويقطع الشك باليقين!!
عن الوطن المصرية