الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

سيدات في قمة السلطة

سيدات في قمة السلطة

تاريخ النشر: 2015-12-21 | 08:58

من الظلم مقارنة السيدة أنغيلا مركل بسيدات تولين مناصب القمة في القيادة السياسية في ثلاث دول أخرى. مستشارة ألمانيا نجحت في مهمتها بتفوق وامتياز بينما فشلت بدرجة أو أخرى كل من رئيسة الأرجنتين ورئيسة البرازيل ورئيسة شيلي. هناك من دون شك في الحالات الأربع عامل مشترك أثر تأثيراً مباشراً فيهن وخلق صعوبات واجهتهن جميعاً، وأعني الأزمة الاقتصادية العالمية. هناك أيضاً المكونات الشخصية لكل واحدة منهن، وهي المكونات التي ساهمت في صنع بداياتهن الناجحة ومنها التاريخ الشخصي، ففي حال مركل ساعدتها نشأتها في اتون الحرب الباردة. وفي الحالات الثلاث الأخرى استفدن جميعاً من نضالهن السياسي والنقابي خلال مرحلة الشباب.

لكن بينما استطاعت مركل الصمود في وجه الرياح العاتية التي حملت إلى الاقتصاد الألماني بعض ملامح الأزمة الاقتصادية العالمية فشلت سيدات أميركا اللاتينية الثلاث. صمدت سيدة ألمانيا، ليس فقط لأن الاقتصاد الألماني كان لا يزال متمتعاً بعافية قوية وقدرة هائلة على النمو، لكن أيضاً لأنها كانت تحظى بشعبية كبيرة، وظلت محتفظة بها. ساعدها أيضاً في شكل غير مباشر انسحاب أميركا المتدرج من موقع القيادة في المجموعة الغربية، إذ فرض هذا الانسحاب على ألمانيا ضرورة ملء الفراغ حماية لأمنها ومصالحها وكذلك لأمن أوروبا.

واجهت مركل التي اختارتها مجلة «تايم» الأميركية شخصية العام، أزمات عدة خلال فترة ولايتها مستشارة لألمانيا، وهي الفترة التي امتدت عشرة أعوام. الآن وبعد مرور وقت كافٍ يسمح بتقييم سياساتها وقدراتها القيادية، يمكن القول إن مركل نجحت إلى حد كبير في التصدي لهذه الأزمات وتجاوزت بها أخطر مراحلها. كانت الأزمة الأولى، ولعلها أهم الأزمات، أزمة الديون السيادية التي بدأت في العام 2010. تعاملت المستشارة مع هذه الأزمة بأسلوبين متوازيين، أحدهما البطء والتروي في التدبير، وثانيهما الصلابة في الموقف وفي التنفيذ. هما الأسلوبان اللذان تسببا في تعرضها إلى جملة من الاتهامات صادرة من دول جنوب أوروبا. قيل وقتها إن ألمانيا تسعى إلى خلق «أوروبا ألمانية»، في إشارة إلى حلم ألمانيا النازية. قيل أيضاً إنها تسعى إلى إخراج اليونان من منطقة اليورو وتستخدم صعوبات الأوضاع في اليونان لردع أي محاولة من جانب دولة أخرى في جنوب أوروبا تسول لها نفسها الاعتراض على سياسات ألمانيا المالية في منطقة اليورو.

نذكر كيف كشف الرأي العام الألماني غضبه وانفعاله وضغط على مركل بهدف دفعها نحو قرارات أشد تصلباً، ونحو تعامل أشد قسوة مع دول جنوب أوروبا.

يتبين لنا الآن كيف أن مركل استفادت في هذه الأزمة من أحد مكونات شخصيتها، وهو العقل الاستراتيجي، وكيف اعتمدت على قوة الاقتصاد الألماني وفي الوقت نفسه على تدهور معنويات الرأي العام في معظم أنحاء أوروبا. لم تطمئن إلى القيادة السياسية البريطانية فنسقت مع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لمنع انفراط منطقة اليورو. نجحت في إخماد أزمة الديون، ولو موقتاً، وهكذا ارتقت بألمانيا إلى موقع الصدارة في أوروبا، مدفوعة أيضاً بغياب أميركا وتجاهلها موقف الرئيس باراك أوباما وإدارته المناهض لسياسات مركل النقدية. ساعدها كذلك ضعف القيادة الفرنسية وتراجع دور فرنسا في أوروبا، وتنصل المملكة المتحدة من أداء التزاماتها في مسؤوليات قيادة القارة.

وإذا كانت أزمة اليورو والديون هي التي ساعدت في رفع ألمانيا إلى موقع القيادة «شبه المنفردة» لأوروبا، فإن أزمة اللاجئين الأخيرة تستحق أن تحتل مكانة السبب المباشر وراء حصول مركل على إعلان «تايم» الأميركية لها شخصية العام. لسيدة ألمانيا الفضل المؤكد في أنها فرضت على الإعلام العالمي والرأي العام الأوروبي اعتبار العام 2015 عام ألمانيا، فاستحقت هي الترشيح والتكريم.

تعاملت مركل مع أزمة اللاجئين/المهاجرين بطريقة تختلف عن طريقة إدارتها لأزمة اليورو والديون السيادية. كانت في أزمة اليونان والديون متروية وبطيئة مستندة إلى قواعد واقعية وبراغماتية، بينما كانت في أزمة اللاجئين سريعة وجريئة ومستندة إلى قيم وأخلاق ومبادئ «أوروبية». لم تتراجع أمام سيل اتهامات دول شرق أوروبا بأن ألمانيا تتخلى عنها، حتى حين هدد بعضها بالتمرد على عضوية الاتحاد الأوروبي. ولم تتراجع أمام اتهامات أخرى من جهات شتى بأنها تعرض للخطر الاستقرار السياسي الأوروبي بتسببها في تصاعد الميل الشعبي العام تجاه قوى اليمين المتطرف، الأمر الذي يمكن أن يضع عقبات أمام مستقبل الأحزاب السياسية التقليدية في أنحاء أوروبا كافة.

أما الأزمة الثالثة فكانت تتعلق بالعلاقات المتدهورة بين المجموعة الأوروبية وروسيا. ففي أعقاب اشتعال الأزمة الأوكرانية، فهمت مركل في وقت مبكر أن هذه الأزمة ستكون نقطة البداية في حملة تحديات كبيرة يشنها الرئيس فلاديمير بوتين على الغرب وعلى القيم السياسية والحقوقية الغربية وعلى النظام الأمني الذي صنعه الغرب «لحماية الأمن الدولي» منذ نهاية الحرب الباردة. هنا يبدو أن مكوناً آخر في التاريخ الشخصي لمركل لعب دوراً في المراحل المتقدمة للأزمة، وهو العلاقة الشخصية التي قامت منذ سنوات بينها وبين بوتين، فهي تعتبر الآن في نظر الكثيرين الشخصية السياسية الأوروبية، بل والعالمية، الأقوى صلة بالرئيس الروسي. وبفضل هذه الصلة نجحت في تهدئة التصعيد الروسي في أوكرانيا وتدخلت لإخراج اتفاق مقبول في مينسك.

لاحظنا، كما لاحظ كثيرون غيرنا، أن مركل، وليس أوباما، هي من حافظ على وحدة الدول الغربية خلال أزمة أوكرانيا، وهي وليست أي سياسي آخر في ألمانيا استطاعت أن تحمي العلاقات الألمانية - الأميركية من سقطات كان يمكن لكل واحدة منها أن تتسبب في تدهور شديد في منظومة الحلف الغربي. نذكر مثلاً الموقف الألماني المعارض في شدة لحرب بوش في العراق، وتطورات قصة سنودن والموقف منها، وفضيحة التجسس الأميركي على كبار المسؤولين الألمان، وأخيراً كارثة شركة سيارات «فولكس فاغن».

نجحت مركل فقادت ألمانيا إلى مواقع صدارة أوروبية وعالمية، وفشلت السيدات فرنانديز وروسوف وباتشيليت فتقهقرت مكانة بلادهن إلى مواقع أقل تأثيراً ونفوذاً، بل حدث العكس، فمنذ أن أمسكت الأزمة الاقتصادية العالمية بخناق الأرجنتين في آخر سنوات حكم السيدة فرنانديز زاد معدل التضخم زيادة رهيبة واستحكم الفساد وخرجت رؤوس الأموال ونضبت احتياطات الأرجنتين من النقد الأجنبي. خرجت كريستينا من السلطة في نهاية ولايتها مكسورة الجناح بسبب فشلها في تسليم مقعد الرئاسة إلى مرشحها ذي الميول اليسارية. هذا المقعد الذي حصل عليه مرشح اليمين والليبرالية الجديدة العائدة بقوة لتمحو آثار سنوات الإصلاح الاجتماعي والسياسي في الأرجنتين. قيل إن السيدة فرنانديز ذات الأصول البيرونية العتيدة قد تحاول العودة في انتخابات مقبلة، وإن كان بعضهم يعتقد بأنها قد تقبل عرضاً من الأمم المتحدة للعمل فيها، كما فعلت السيدة باتشيليت بعد نهاية ولايتها الأولى في شيلي، لتعود بعدها إلى قمة السلطة في انتخابات مقبلة.

رئيسة البرازيل ديلما روسوف فشلت أيضاً. تواجه الآن تحقيقات يجريها البرلمان البرازيلي في قضايا فساد لا تمسها مباشرة ولكن وقعت في عهدها. بدأنا نشعر بفشلها عندما هوت شعبيتها في آذار (مارس) الماضي إلى مستوى 13 في المئة، وارتفع معدل البطالة إلى مستوى 13 في المئة، وهبط معدل النمو الاقتصادي، وبسبب شعبيتها المتضائلة لم تتمكن من إدخال إصلاحات اجتماعية واقتصادية تعيد بها عافية أحوال بلدها.

وفي شيلي، كما في الأرجنتين والبرازيل، يقع جانب من مسؤولية الفشل على الأزمة الاقتصادية العالمية، ففي شيلي تدنت شعبية الرئيسة باتشيليت إلى ما لا يزيد على 29 في المئة في أيار (مايو) الماضي. وكان السبب الرئيس وراء هذا التدني تراجع النمو الاقتصادي بسبب انخفاض سعر النحاس، ولجوء باتشيليت إلى إبطاء جهودها لتحقيق إصلاحات اجتماعية واقتصادية لكسب رضاء الطبقات الشعبية. نذكر أن باتشيليت جاءت إلى الحكم بوعد سد فجوة اللامساواة، وهي الفجوة التي اتسعت نتيجة التوحش النيوليبرالي في حقبة التسعينات في معظم أنحاء أميركا اللاتينية. نذكر أيضاً أنها جاءت تحمل وعوداً بالقضاء على الفساد ولم تنفذ وعودها، بل سمحت للفساد بأن يتسلل إلى بيتها وعائلتها.

الدول الثلاث، الأرجنتين والبرازيل وشيلي، تواجه الآن جهوداً مستميتة من جانب تيار اليمين الليبرالي المتطرف القادم بشدة وقوة ليقتلع جذور حكومات إصلاحية قادتها ثلاث سيدات اعتمدن على شعبيتهن بين الطبقات الدنيا وعلى قوى اليسار ويسار الوسط والقوى النقابية. وفي نية هذا التيار النيو ليبرالي أن يقتلع بعدها، أو معها، جذور نظام يساري أقامه هوغو تشافيز في فنزويلا ويبدو أن خليفته غير موفق في المحافظة على إرث تشافيز. إن تم لهذه القوى ما تريد، تكون الليبرالية الجديدة قد عادت تسيطر على أكبر اقتصادات ومجتمعات قارة أميركا اللاتينية، وتكون سيدات القارة قد أضعن فرصة تأكيد القفزة الرائعة التي حققتها نساء العالم في السنوات الأخيرة.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن مستشار رئاسي: إردوغان يترشح مجددًا في انتخابات مبكرة عام 2028

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط