تاريخ النشر: 2017-06-06 | 08:45
تاريخ النشر: 2017-06-06 | 08:45
نقرأ بين الحين و الآخر في الصحف الإسرائيلية "لاسيما هآرتس" مقالات تعرب عن أسفها من أن "المؤرخين الفلسطينيين" إنما يكتبون إسرائيل انطلاقا من التاريخ القديم لفلسطين.وظهرت قبل سنوات قليلة دراسة هامة لكل من موتي غولاني وعادل مناع تناقش الطريقة التي يتم بموجبها إزالة " الآخر" من التاريخ الحديث عندما يتعلق الأمر بحرب 1948 .فما هو تاريخ لطرف ,ليس تاريخا للطرف الآخر ( Two Sides of the Coin: Independence and Nakba 1948. Two Narratives of the 1948 War and its Outcome [English-Hebrew edition].2011 ).و في موقع ليس بعيد عن هذه الأجواء يقع كتاب شلومو ساند (اختراع الشعب اليهودي) الذي ظهر في العام 2008 بنصه الأصلي، ثم ظهرت الترجمة الفرنسية و الإنجليزية للكتاب(حصل الكتاب على الجائزة الفرنسية لأحسن كتاب من غير كتب الخيال العلمي للعام 2008) . و تأخرت الترجمة العريية حتى العام 2011،عندما قام المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلة( مدار) بترجمة الكتاب مع مقدمة للمؤلف .
فلماذا كل هذا الهوس الذي بدى كأنه سعار يستحوذ على عقول الكثيرين لإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني ؟ في البداية لابد من تسجيل ملاحظة هامة وهي أن الكتاب منذ ظهوره,ما انفك ,يثير حالة جدل واسعة سواء لمؤيديه أم لمعارضيه . فقد هبط كالصاعقة على بنية الذاكرة الثقافية لسردية الوجود "اليهودي الدينيالقومي" في فلسطين ,وهو إذ يحاول خلخلة هذه البنى المؤطرة بالأساطير الدينية فقد هبت في وجهه عاصفة لم تهدأ من الاعتراضات و الانتقادات .ومن الواضح أن اليهود الإسرائيليين و الصهاينةي و المسيحيين الأصوليين في فلسطين وخارجها لن يتخلوا بسهولة عن "ذاكرتهم" الثقافية كرمى لعيون باحث حصيف حتى لو كان من آل بيتهم ,وهو ما يفسر ردة الفعل العنيفة ضد الكتاب حيث يعتبر للعديد من القراء الإسرائيلين (وغير القراء) ربما أسوء كتاب تم نشره منذ قيام الدولة لاسيما فيما يتعلق لمقولة "الشعب اليهودي " ,وقد علق ساند نفسه على ذلك قائلا "بعد سنوات وسنوات من استخدام تعابير مثل (الشعب اليهودي) و(القومية اليهودية) لأكثر من أربعة آلاف سنة، فليس من السهل تقبل كتاب مثل كتابي".بيد أن ليس الأمر هكذا فقط ,فالهجمة على المؤلف ليست لأن الكتاب سيء أو أن الكاتب لم يكن مصيبا فيما ذهب إليه, بل أيضا لأن شلومو ساند (وهذه نقطة تسجل له) قام -بطريقة ما-بتحدي هيبة السلطة الذاكرة في إسرائيل,حين وقف في وجه السردية الرسمية السلطوية للذاكرة الثقافية التي تأسست على مزيج من الفكر القومي المتعصب والمتمركز إثنيا ونصوص التوراة و اللاهوت الديني اليهودي الذي يحظى بدعم من المجتمع اليهودي و المسيحي المؤمن على حد سواء .وهنا يحق لنا أن نرمي بذرة سؤال نأمل لها أن تنبت إجابات بينة :هل ينبغي,من الناحية النظرية, لمثقف (مثل شلومو ساند أو غيره) أن يكون ممثلا لهذا المجتمع القديم؟ أي إسرائيل القديمة التي وجدت -زعما-في زمن مضى في فلسطين؟ آخذين بعين الاعتبار أن مثل هذا الزعم مازال غير مؤكدا ,فثمة جدل كبير يدور في الأوساط المختصة يخالطه شك يكاد يتحول إلى يقين حول ما إذا كانت إسرائيل القديمة ليست سوى اختراع غريب لايمت بصلة لتاريخ فلسطين والشرق القديم عموما .
تستند المقولة الرئيسية للكتاب إلى نفي ما يدعى يالقومية اليهودية ( شعب يهودي) على أن لايفهم هذا النفي بوصفه إنكار لليهود" إنكارهم بوصفهم ماذا؟!" أو لمعتقداتهم و رؤيتهم للعالم أو (تاريخهم) .وهو يرى في اليهودية دين مثله مثل المسيحية و الإسلام ،دين عابر للقوميات ليس محصورا أو مقصورا على قومية أو "إثنية "محددة ."فلو أن اليهود كانوا حقا (شعب),فما هو الشيء المشترك في مكونات الثقافة الإثنوغرافية ليهودي في كييف ويهودي في المغرب غير الاعتقاد الديني وبعض الممارسات الدينة؟"( ص 43). و لكن مع القرن التاسع عشر و بزوغ عصر القوميات و بتأثير القومية الألمانية قام المشروع الصهيوني بصهينة اليهودية لصالح مشروع قومي سيقوم لاحقا بإنشاء دولته في فلسطين دامجا الدين و الإثنية و القومية في تركيب معقد مستمدا مسوغاته القومية وبأثر رجعي من الدين و الماضي و التاريخ ,وعلى هذا فإسرائيل الحديثة "هي مشروع سياسي تم تخيله في أواخر القرن التاسع عشر، فأصبحت واقعا من خلال الهولوكوست، ثم أسست عام 1948 " .مرحى ..مرحى ,.. ساند يحاول أن يكتب تاريخا .وأي تاريخ !!.إذا كان " التاريخ في المقام الأول هو تاريخ زمن كتابته " كما يستشهد ساند بعبارة الفيلسوف الإيطالي بينديتو كروتشة ( ص 310) ,فإن التاريخ الفلسطيني أو تاريخ فلسطين عنده يراوح بين عطالة مقصودة و زهو قومي استشراقي مثير للضجر و الشفقة بآن حين يروج لنا (وأقصد لقرائه العرب" أنه " ينبغي الاعتراف بإسرائيل لا كدولة"الشعب اليهودي" بل كدولة كل المواطنين الإسرائيليين المقيمين فيها بغض النظر عن أصلهم أو ديانتهم" -ص 10 المقدمة-.وهو ذات الأمر الذي يصفق له إريك هوبسباوم حين اعتبر كتاب ساند "تمرين ضروري في حالة إسرائيل من أجل تفكيك الخرافة القومية التاريخية والدعوة إلى إسرائيل التي يتشارك فيها على قدم المساواة سكانها كافة"(مازلت لم أهضم منطق هوبسباوم الغرائبي هذا صاحب عصر الثورة الذي جعله يقول مثل هذا الهراء التلفيقي بنزعته الترقيعية ).
ولكن! ماذا يعني هذا؟ أو لنقل السؤال بطريقة أخرى : ماذا يعني للفلسطيني كل هذا؟ يحاول ساند أن يكتب "إسرائيل" من تاريخ فلسطين .فكل ما يمكن أن نطلق عليه تاريخ ليس سوى تاريخ تم اختراعه بطريقة ما و بشكل أو بآخر , أو هو في أحسن الأحوال ذاكرة ثقافية ذات سمة مجتمعية ,وعندما يتواجد أكثر من جماعة بخلاف الجماعة الموجودة في الحاضر ضمن مجتمع معطى ,فيمكننا أن نخمن بوجود أكثر من ذاكرة ثقافية ,ولو توسعنا في القول وافترضنا وجود صراع بين الجماعات فمن المنطقي الاستنتاج أن المنتصر هو من سيقرر أي ذاكرة من هذه الذواكر هي "الصحيحة" والتي يجب تدوينها و تلقينها لطلبة المدارس ,ربما هذا الأمر يدفع بالمؤرخ للاعتراض نظرا لأنه أقدر من غيره على معرفة "النسخة الصحيحة" , ولكن للأسف يبدو أن المؤرخين ,في الواقع, لا يميلون كثيرا للاهتمام "بالحقائق" التاريخية , ربما لعدم استطاعتهم السيطرة على الذكريات .أو لخوفهم منها كخوف الغزاة من الذكريات أو لأنهم يمثلون من ناحية أخرى السلطة السياسية وخياراتها بغض النظر عما قد يتفق عليه الشعب على أنه "تاريخ".ومن الواضح أن محو التاريخ الفلسطيني بعد عام 1948 كان عملا سياسيا متعمدا. ولذلك لا ينبغي أن يكون مفاجأة "وهنا تبدو الإجابة على شكوى و تذمر هآرتس" منطقية عندما يعيد الفلسطينييون دحرجة التاريخ أيضا نحو ماض معين لاتكون فيه إسرائيل من سكانه ولا حتى ضيفة شرف فيه .
لاينفك شلومو ساند يردد أنه ليس صهيونيا في ذات الوقت الذي لاينكر فيه أنه إسرائيلي, وهذه الصفة "كونه إسرائيلي" لاتعني في سياق العالم الحر الذي ينتمي له ساند تهمة أو سبة حتى لو خدم طيارا في الجيش الإسرائيلي وربما قام بقتل العديد من الجنود العرب و المدنيين الأبرياء .ولاتعني "أيضا في ذات سياق للعالم الحر" صفة عنصرية فاقعة بقدر ما تعني تخندق صريح وحقيقي ضد كل ما هو "حقيقة تاريخية" وبقدر ما هي"أي صفة كونه إسرائيلي" تطبيق فعلي ,حتى لو لم ينطقه علنا , للدوغما الصهيوينة التي تقول بأن : فكرة التخلي عن الأرض للفلسطينيين وتحقيق السلام لايمكن لهما أن يكونا صحيحين معا , فالأرض هي منحة من الرب لشعب الرب و لايجوز التنازل عنها أما السلام فلن يتم الوصول إليه حتى يقر الفلسطينيون بحقوق اليهود على (و في أي جزء من هذه )الأرض.
لنتفق إذن على أن شلومو ساند يؤمن حقا بوجود "الشعب الإسرائيلي" في فلسطين ,ليس هذا فحسب بل يعطيه حق السيادة و السيطرة ,وهو مثلا لا يرى في السلطة الصهوينية على فلسطين قبل قرن جريمة أو استعمار وهو بطبيعة الحال لايعترف بحق العودة للفلسطينيين ,رغم الإجهاد الأدبي الذي استغرقة في تدبيج توطئة الكتاب عن (المحمودين) و عن (التلميذتان "غير اليهوديتان) .وفي الحقيقة ,ومن خلال قراءتي المتواضعة لما جاء في الكتاب,لم أعثر على نقد أو رفض لمقولة "حق اليهود" في فلسطين على أساس ديني.ولابأس من القول أنه مع حق الشعب الفلسطيني (لست أدري ما طبيعة هذا الحق) و أن هذا الشعب قد ظلم , لكن هذا لا يعني أنه سيترك البيت الذي يسكنه الآن حتى لو كان على أنقاض قرية أو مدينة فلسطينية و يستمر في نفس الإدعاء على مدار الأربعمئة صفحة التي يتكون منها سفره الضخم . وأكاد أزعم -كفلسطيني- أن ليس مهما لي على المستوى الشخصي ,و لايعد انتصارا ,أن يقر مؤرخ أو عالم آثار إسرائيلي بعدم جدوى البحث عن قصص آباء و أنبياء و ملوك العهد القديم في فلسطين , فمثل هذا السجال هو محض نقاش أكاديمي ينحصر في دائرة ضيقة من القراء لا يتعداها إلا نادرا، على الرغم من أنه يأتي في سياق منهجي للبحث عن مخرج للأزمة البنيوية للمشروع الصهيوني بما يوحي أن هذا السجال مازال مكبلا بأقمطته الصهيونية و أن كان يتبنى تسميات مختلفة على غرار "المؤرخون الجدد" أو الفكر ما بعد الصهيوني ". وعليه أفضل ما يمكن أن تفعله إسرائيل - يقول ساند - هو الاعتراف بأن أمتها هي أمة مخترعة، ويجب عليها – هنا يجادل ساند - أن تصلح نفسها لأن الدولة ينبغي لها أن تنتمي إلى كل مواطنيها، سواء كانوا يهودا أم عربا.ومن هذا المنطلق قام ساند حسب زعمه بتأليف كتابه لغرضين " أولا كإسرائيلي، من أجل دمقرطة الدولة وجعلها جمهورية حقيقية، وثانيا للوقوف ضد الأصولية اليهودية». فإنقاذ الهوية الفكرية للإسرائيليين يتطلب تنازلات مؤلمة وفلترة قاسية لذاكرة المجتمع وتعقيمها ضد النزعة "الاستعمارية" بما يمنحها مكانها في العالم الحر و تخليصها من مخاطر "النزعة اللاسامية" أو على حد تعبيره "تطبيع الوجود اليهودي في التاريخ وفي الحياة المعاصرة" .وهو يستنتج ضمنا أنه "إذا لم يكن في الماضي شعب يهودي , و لا توجد اليوم أمة يهوديه , فقد خلق وجود الاستيطان الصهيوني شعبين في الشرق الأوسط . يوجد اليوم شعب فلسطيني يحارب بضراوة من أجل حريته و بقية وطنه , و يوجد شعب إسرائيلي له لغة و ثقافة لا يشاركه فيها أحد من كل هؤلاء الذين يعرفون أنفسهم في العالم كيهود..و رغم أن إسرائيل ولدت من خلال خلق كارثة فظيعة للسكان المحليين , فقد تشكل في المنطقة واقع لا يؤدي إنكاره الكلي إلا إنتاج مزيد من الكوارث الجديدة" (من مقدمة الطبعة العربية ص 10. ).وهكذا يقوم شلومو ساند بتفكيك خطاب الهوية من خلال تعريفه للصهيونية بوصفها حركة قومية متشددة و متمركزة إثنيا استطاعت انجاز مشروعها التاريخي باحتلال الأرض و طرد الشعب وأسرلة يهود العالم بما يعزز تشكيل هوية متجانسة مستقبلا من خلال عملية "أثننة متزايدة في سياسة الهويات إبان السبعينات-في أعقاب السيطرة على جمهور واسع أخذ يشكل تهديدا متأججا في المتخيل القومي الإسرائيلي "(ص 303).وهو يقول بلغة "التهديد و الوعيد ربما" أن إنكار هذا الوجود الصهيوني في فلسطيني يعني هدم المعبد من الداخل .
يحاول البعض الإسرائيلي وفي مسار مابعد صهيوني بناء نقد "حداثي" للصهيونية بتفكيك الأزمات التي تعاني منها إسرائيل ,جاهدين في إعادة بناء واستيلاد صيغ تجديدية لها بما يضمن تأبيد مشروعها الاستعماري في فلسطين ،وجزء منهم يقر بأن الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية و قطاع غزة هو "احتلال"( أهو احتلال فقط؟ ). و عندما ينظر هؤلاء لمفهوم " كالعالم" فإنه يفهم من سياق كلامهم أنه بالإضافة إلى إسرائيل فالمقصود بالعالم هو أوروبا و أمريكا و يكون محيط إسرائيل كيانات "ناطقة بالعربية" وتعابير مبهمة طاردة للهويات تبرز مفاعيلها باستخدام أدوات استشراقية لتعريف الآخر و تحديده و تغلب عليها أحكام الجغرافيا السياسية عن "دول شرق أوسطية: أكثر مما تغلب عليه المقولات التاريخية-الاجتماعية و بالتالي لا ترقى تلك الكيانات إلى مستوى انضمامها للنادي " العالمي" ، وتكتسب هذه الكيانات أهمية فقط عندما يدور الحديث عن قضايا الأمن و الاقتصاد و السوق و"الديمقراطية" وهذا ما يظهر في الخطاب الصهيوني منذ التأسيس و حتى الاجتماع الأخير لحكومة نتنياهو في الأنفاق تحت الأقصى .
على عكس ما يراه شلومو ساند وغيره من رواد الهستوريوغرافيا الصهيونية الجدد ,يبدو النموذج الصهيوني في فلسطين مثله مثل جسم غريب أميبي لن يصمد طويلا أمام المناعة التاريخية لسكان فلسطين الفلسطينيين,وهو يرتكز أصلا على مزاعم إقليمية ذات طابع قومي ،تفرض واقعا يعمد إلى تغيير الكثير من الجوانب و المظاهر الملازمة لليهودي كما عرفتها أوروبا حتى النصف الثاني من القرن العشرين .ولذلك توجهت الصهيونية نحو خلق علاقة تاريخية بين الجاليات اليهودية في العالم و فلسطين عن طريق الاستفادة من النص التوراتي و تكريسه كنص تاريخي شمولي خطي غير قابل للعكس يضمن ارتباط اليهودي بهذه الارض بوصفها أرض وعد إلهي مستمر للعبرانيين القدماء ومن بعدهم لليهود الحاليين –كورثة و أحفاد العبرانيين. وإذا ما اتخذنا الأسفار الخمسة"أسفار موسى" (يشار لها أحيانا باسم التناخ) مرجعا كما تريد لنا الصهوينية أن نفعل فسوف نجد أنه لا توجد ولو إشارة واحدة إلى أن الرب الذي ظهر لإبراهيم و اسحق و يعقوب و موسى هو رب جميع البشر ( خروج 20:22، تكوين 17 : 7-8 ، خروج 6 : 7 ، خروج 34،14، خروج 20 :3-5) بل هناك تأكيد على أن هذا الإله هو إله العبرانيين و إله بني إسرائيل و ذريتهم ، كما أن التوراة من جهتها لم تشر إلى وجوب نشر ديانتها ووحدانية الرب بين الشعوب الأخرى ,فعلى الرغم من أن تعريف اليهودية بأنها"دين توحيدي" يحمل رسالة دينية للبشر كافة ،إلا أن بني إسرائيل أصروا على مر العصور على اعتبار أن الدين اليهودي جاء حصرا و اقتصارا لهم دون سواهم ،و أنهم لم يحولوا اليهودية من دين توحيدي عالمي إلى دين قبلي و شبه عرقي كما يزعم البعض و إنما هو كذلك بالفعل .من المعروف أن الحقيقة الدينية -نظريا-غير معنية بتناقضاتها مع "الحقائق التاريخية" سواء كانت أدلة أثرية أم نصوص ووثائق تاريخية أو سواها، وباعتبارها حقائق تقع خارج الزمان و المكان فهي تفترض أن كل القصص الواردة فيها صحيحة و صادقة و ستبقى كذلك ,ولذلك ستقوم هذه الحقيقة الدينية بتدعيم الادعاء الذي يقول بأن اليهودية هي دين اقتصاري و الرب حكر لقبيلة بني إسرائيل .ولعل مقولة الشعب اليهودي القديم ,على سطحيتها, هي من أخطر ماجاءت به أدبيات الفكر الصهيوني الذي يعتمد عليها في عملية صهر قوية لتشكيل الهويات وخلق التماسك الاجتماعي من خلال تعزيز شعور قوي بماض مشترك (وبالتالي مستقبل مشترك ) عبر زرع "أوهام " [تاريخية و دينية ] لإضفاء الشرعية على "ماض" محدد - حقيقي أو وهمي – لتشرعن بذلك استعمار البلاد بطريقة لا تقبل التأويل,و بأحقية اليهود في البلاد بأثر رجعي .
غير أن ما ينبغي ملاحظته هنا على هذه المقاربة "التاريخية" هو أن حقائقها التي تتوسل إثباتها غير نهائية وهي محل شك على الدوام و عرضة للتغيير و التبديل و التأويل و التأويل المعاكس ، وهي تصطدم مع "الحقيقة الدينية" التي لا تتبدل-وإن تبدلت سياقاتها و اختلفت تفسيراتها- ,والمسألة ليست على درجة من البساطة ,فالقضية الفلسطينية كما يراها إدوارد سعيد (وليس كما يراها شلومو ساند)هي صراع "فكرة " لأن فلسطين ذاتها هي مقولة وفكرة سجالية موضع نزاع بين الصهيونية و الفلسطينيين .واذا كان الشرط الوجودي الفلسطيني عنيدا بالنسبة لاسرائيل و عصيا على الفناء فإن الأرض الفلسطينية بالمقابل اثبتت عنادا أكبر و استعصاء اشد صلابة في ما يخص اللقى الآثارية التي تؤيد وجهة النظر التوراتية , وإذن المعركة مركبة فالحرب الحقيقية كما يبدو للعيان ليست على حدود ثابتة و قضايا أمنية و مسائل الوضع النهائي بل هي معركة تساءل هذا الشرط الوجودي عن ماض ما زال يعيش بثقله بيننا .