وضع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي نفسه في تحدٍ صعبٍ عندما شدد في خطابه القصير الذي ألقاه في الاحتفال بافتتاح قناة السويس الثانية الخميس الماضي، على أن تلك الخطوة هي «واحدة من ألف خطوة على المصريين أن يسيروا فيها لنهضة بلدهم»، فضخامة الإنجاز وسرعة التنفيذ والمستوى العالي الذي ظهر عليه المشروع بعد انتهائه، رفع من طموحات الناس في مصر بما يجعلهم ينتظرون من السيسي كل سنة إنجازاً مماثلاً.
وفي غضون السنة الأولى من حكم السيسي لمس المصريون تحولات مهمة في أسلوب حكم الدولة وإدارتها، بما انعكس على أمور حياتية كانت تمثل لهم معضلات، فمشاريع الطرق وتطويرها وحل الأزمة التي كانت طاحنة في توزيع الخبز والمواد الغذائية المدعومة ومرور الصيف من دون انقطاع الكهرباء، إيجابيات تحققت، لكن ما ينتظره المصريون من السيسي كثير، وحفل افتتاح القناة الجديدة رفع من طموحاتهم، خصوصاً بعدما تبينوا أن الحملة التي شنتها جماعة «الإخوان المسلمين» وحلفاؤها من دول وقوى إقليمية وجهات سياسية وحقوقية وإعلامية لم تؤثر في المشروع. كما أن المعركة ضد الإرهاب، والتي أيقن المصريون أنها تحتاج إلى وقت حتى ينكسر «الإخوان» تماماً وتنتهي التنظيمات الإرهابية المتحالفة معهم، لا يمكن أن تكون سبباً للركود، أو مبرراً للتوقف عن المضي في النهوض بالبلاد.
مهما كانت الأحداث والتفاعلات والأزمات التي مرت بها مصر كنتيجة لما جرى في 25 كانون الثاني (يناير) 2011 فإن الجيش المصري حمل البلد على أكتافه، ونجح في العبور به من مستنقع الربيع العربي. نعم وقعت أخطاء وحدثت ارتباكات، لكن كل القوى الفاعلة على الأرض والمؤثرة في مجريات الأمور في مصر أشادت بدور الجيش في تلك الفترة وما بعدها. وإذا راجعت تصريحات الرئيس المعزول محمد مرسي نفسه ستجد فيها كثيراً من المديح للقوات المسلحة، وإذا طالعت ما صدر عن قادة في جماعة «الإخوان» أنفسهم سيذهلك كم الثناء على الجيش ورجاله ومجلسه العسكري. مؤكد أن «الإخوان» الآن في موقف مختلف، وهذا طبيعي، فالجيش استجاب الشعب وعزلهم، تماماً كما استجاب قبلها الشعب أيضاً وضغط على حسني مبارك حتى تخلى عن الحكم.
لم يثبت أن مرسي أثناء جلوسه على المقعد الرئاسي أصدر أمراً للجيش ولم ينفذه، أو عهد إلى قادته بمهمة أو أسند إليهم الإشراف على مشروع وتقاعسوا عن المضي في تنفيذه، فمرسي وقتها كان مشغولاً أكثر بـ «أخونة» الدولة والجيش! ولم تكن الجماعة مشغولة إلا بتصفية حساباتها مع الشعب والقوى الأخرى، أو ترسيخ تغلغلها في مؤسسات الدولة من دون مشروع واحد لمصلحة الشعب.
الطبيعي أن يعتمد السيسي على الجيش، ويعهد إليه بالإشراف على المشاريع الكبرى وتنفيذ مشاريع أخرى، فتلك هي المؤسسة الأكثر انضباطاً وقدرة على تحمل الأعباء، وأيضاً هي الجهة التي حظيت بثقة الشعب رغم كل الشظايا التي طاولتها من الداخل والخارج من دون أن تؤثر في ولائها للدولة. لكن تطور مصر والنهوض بها يحتاجان إلى عمل مؤسسات أخرى مازالت تعاني أمراضاً ومعضلات تكاد تكون مستعصية. في حديثه إلى الزميلة «المصري اليوم» وصف محافظ الأقصر السابق الدكتور سمير فرج الحال المصرية الآن، معتبراً أن «السيسي يركب صاروخاً والحكومة والأجهزة التنفيذية تركب الدراجة».
يحتاج الرئيس المصري إذن إلى مشروع ضخم، لا يقل أهمية عن مشروع القناة الجديدة، لتطوير مؤسسات الدولة والبنية التحتية لها، ووضع حدود للاهتراء الإداري والارتباك المؤسسي، واكتشاف القدرات الخلاقة لدى موظفي الدولة وتنفيذ القانون على الجميع، وضرب الفساد الذي تحول إلى ثقافة. أمام الرجل معضلة كبرى تتمثل في اختياره قادة المؤسسات ومسؤولي الأجهزة التنفيذية، فقطاع منهم محسوب على نظام مبارك، والسيسي حريص على تفادي الاستعانة بمن كانوا نجوماً في عهده، وهناك أشخاص آخرون مشهود لهم بالكفاءة، لكن تورطوا أثناء حكم «الإخوان» وخلطوا بين التعامل مع نظام يحكم مصر ينتمي إلى الجماعة وبين التعاون مع الجماعة ذاتها.
كل من حضر حفل افتتاح القناة لاحظ أن تنفيذ الحفل خضع للإشراف المباشر من الجيش الذي تولى كل الأمور اللوجستية والتنفيذية، فأجاد وطمأن المصريين إلى أن الدولة استعادت عافيتها، وتستطيع تبني مشاريع عملاقة، وتنفيذ مناسبات من الوزن الثقيل كالحفل من دون وقوع ما يعكر صفوه أو «يعكنن» على الناس أو يؤثر بالسلب في فرحتهم. صحيح أن الجيش يعهد إلى شركات ومؤسسات في مجالات مختلفة بمهمات في تخصصاتها، لكن تلك الشركات وهذه المؤسسات والجهاز التنفيذي كله واجب عليها أن تعيد بناء أنفسها مجدداً، لتنهض بالبلد مع الجيش. أما بقية مؤسسات الدولة فآن الأوان لأن تركب الصاروخ وتتخلى عن الدراجة.
عن الحياة اللندنية