أنظرُ من نافذة غرفتي الباريسية المطلة على ساحة الباستيل، فيخطر في بالي السؤال الآتي: هل من الممكن أن يشهد لبنان، يوماً ما، ثورةً على طريقة الثورة الفرنسية؟ لكني لا أمعن في البحث عن جواب، لأن الجواب معروف: ثورة كهذه مستحيلة في بلادنا.
لا أقول إنها مستحيلة لأن اللبنانيين لا يحبّون سفك الدماء، ويفضلون حسم مشكلاتهم بناءً على معايير دولة القانون. حاشا وكلاّ. فنحن لها، تلك المعارك، ولكن شرط أن يخوضها بعضنا ضد بعضنا الآخر، لا لكي نخوضها معاً ضد من يستغلوننا.
ولا أقول إنها مستحيلة لأن الزعماء عندنا لا "يتمقطعون" فينا مثلما كان ملوك فرنسا "يتمقطعون" بشعبهم، بل بعض قادتنا يضعون "وزكاً" للملك لويس السادس عشر.
ولا اقول إنها مستحيلة لأن بعض هؤلاء الزعماء لا يستحقون أن تُقطَع رؤوسهم (معنوياً طبعاً).
ولا أقول إنها مستحيلة لأن بعض الناس هنا لم يصلوا الى مرحلة الفقر المدقع والجوع المفترس اللذين من شأنهما أن يوقظا الوحش من سباته.
هي مستحيلة، بكل بساطة، لأن شعبنا ليس غاضباً بما فيه الكفاية. فهو، على رغم الفقر والجوع والاستغلال، ليس غاضباً بما فيه الكفاية. قد يدّعي أنه غاضب، لكنه في الواقع متواطئ، في غالبيته على الأقل، ضد نفسه مع هؤلاء. مستزلم، خاضع، ملتحق، ورهين طوعاً.
وبعد: أسمع ما يدور من أحاديث، في هذه الأيام، على السطوح وفي المجالس والردهات والدهاليز ووراء الكواليس عن الأسماء "المطروحة" لرئاسة الجمهورية، فأكاد أجنّ لأن حياتنا قد تستحقّ غير هذا القصاص. أولادنا على وجه الخصوص: أكثر ما يبعث على السخرية في المسألة أن جميع هؤلاء المسترئسين، إذا ما صدّقناهم، متعففون، زاهدون بالكرسي الرئاسي. اذ تسمعهم يقولون الواحد تلو الآخر: "لستُ مرشحاً، ولكن إذا اقتضى الأمر لن أتراجع أمام المسؤولية الوطنية". يا عيني! يعني أن الواحد منهم، إذا ما "اضطر" الى أن يضحّي بنفسه ويقبل الرئاسة، فلن يتم ذلك إلا بعد أن نرجوه ونتوسله ونتضرع إليه، لأن خلاصنا لن يكون إلا على يديه.
خلاصنا؟! قلْ خراب حياتنا وبيوتنا أكثر مما هي خربانة!
ولكن كما يقول المثل: "مثلما تكونون يولّى عليكم". فصحتين على قلوبنا إذاً.
الكراسي التي يجلس عليها السياسيون بهناء وطمأنينة، ويتمتعون برؤية أرجلهم المتأرجحة ذات اليمين واليسار، ليست إلا ظهورنا أيها الأصدقاء والصديقات.
فمتى نجمح ونحرن وننفضهم عن ظهورنا؟
عن النهار اللبنانية