
ما رأيت سواك لأقول أنني اولد الأن ثانية ، على صهوة فرس مجنون ، فرسٌ يسابق الريح ، ليصل الى أمنيته ، قبل قطن النيلين ، والأن فقط عرفت أننا ننتمي الى صمود سرمدي ، يعاند الصخر ، المهوس بالقسوة ، وأننا نشرب من نهر الخالدين ، على وجع عريض مرده البقاء ، رغم قوافل الألم ، وأن كنتُ أعرف أن المسيح من أجدادنا ، إلا أنني جهلت اصرارنا على ترضيع الأمل من الركام.
صديقي هشام ساق الله
لم اشعر بحزن يمدد أظافره في قلبي ، مثلما شعرت بالأمس ، وأنت تغادر شقتك في برج سكني عام ، بدون حقائب ، ولا أوراق ثبوتية ، ولا محفظة مال ، وكل همّك أن تؤمن أولادك وبناتك وزوجك ، وأنت تجر جسدك فوق عربتك المتحركة ، طالباً لهم النجاة ، وكأن القيامة اقتربت منك ومنهم ، في هذه الموسوعة المؤلمة ، وقفت اتخيل ما أنت فيه الأن ، فوجدتك فقدت الأسماء الكبيرة ، واختصرت المعرفة بمراقبة من حولك من جيرانك ، تتفقدهم ، بالنفس وتسأل عن كل منهم ، حتى اولئك الذين اختلفت معهم يوماً على تقاسم الماء ، واطفاء الانارة ، وصوت الموسيقى العالي ، وبعض الاشياء الخلافية التي غالباً ما يكون معك الحق بها ، ووقفت على أنك نسيت اسماء الشوارع ، أرقام هواتف الكثيرين ، وعناوين مقالاتك الكثيرة ، وحتى ملابسك الشخصية ، التي تليق بمن ستكون عنده نازحاً بعد قليل .
صديقي هشام ساق الله
لم أكن اتخيلك من هواية ، أو رغبة ، أو ابداع ، ولكن من قلق عليك ، وعلى من معك ، فالذين يركبون السماء الأن ، ويقصدون برجكم السكني ، ليسوا هواة قتل ، بل تخصص تدمير ، وتفجير ، وترويع ، وترقيع الحياة ، من بعد كسور ، وتخريب ، وكم لبسني القلق ، عليك مخافة أنك لن تنصاع لأمر الجنرال السماوي ، مالك الصواريخ الفتاكة ، الملعون في كتابنا المقدس ، فإنني اعرفك جيداً ، وعن مقربة ، أنك صاحب جلد ، وعنيد ، ومشاكس ، وصامد ، فخوفي كان أن تبقى في شقتك ، تنتظر خروجك النهائي مع شقاء عمرك ، وذكرياتك وعطرك المسائي ، وصور أطفالك ، ورائحة الطعام الذي لم تتناوله بعد ، ولكن الله سلم قلبي من القلق ، وعفى روحي من الخوف عليك ، عندما عرفت أنك استجبت لمن جاءك مقنعاً لك بأن تخرج ، وأن السماء تنتظر خروجك ، لكي ترسل نارها على سكنك ، والأخرين من جيرانك البسطاء .
صديقي هشام ساق الله
لم يعد بالامكان أن أقول لك سوى ، الحمدلله على سلامتك ، وما فقدته ليس جدران وسقف ، ولكن ذكريات كثيرة ، رصعتّها وأطفالك وأهلك في شقة صغيرة ، متواضعة ، وواسعة بالمحبة ، وكبيرة بالاحلام ، فلا تركن لحزن يعض قلبك الأن ، وواصل مسيرك نحو الغد ، فمنك يتعلم الكثيرون ، ويكتشفون ممرات الأمل ، وأنت سيد لا يركن ليأس ، أو يخرّ لمصيبة ، وأن ما أصابك لم يخطئك ، وما اخطئك سابقاً لم يصيبك ولم يصيبنا إلا برجل صلب وصاحب إرادة لا تلين.
طبّ حياةً فأنت أهل الصبر
صديقك ناصر عطاالله