تاريخ النشر: 2016-03-26 | 09:39
تاريخ النشر: 2016-03-26 | 09:39
تتوقف «السفير» عن الصدور في غضون أيام من دون أن تعود إلى قرائها. تحتجب عن الظهور لتنطفئ من بعدها بقعة ضوء ويحل مكانها فسحة رحيبة من التضليل والتعتيم. تلملم ذاتها وحضورها لتترك خلفها فراغا لن تعوضه صحيفة ولا صحافة. تذهب من دون أن تعود. ونحن الذين سنفتقدها، فمن بعدها لن نعود كما تعودنا ولن نكون كما كنا. تغيب وغيابها مصيبة لا يملأه غير الصبر، وإنا لله وإنا اليه راجعون.
«السفير» ليست مجرد صحيفة ومتابعوها أكثر من قراء. كانت دوما مركزا لصناعة الوعي والرأي والقرار. وهي بعد اليوم يقين مغادر، وقرين مفارق، وشريك يفض الشراكة، ورفيق «يرافقني نصف الدرب، والنصف الآخر يقول يرافقني». انتهاؤها ابتداء يعوزه خبر، وأول ينقصه ثانٍ، وفراغ يعقبه فراغ، وصراخ يعلوه ضجيج، وحدث يبحث عن حديث، وخبر يفتقد عمق خبير، ورأي يتوق إلى كاتب، و «على» تبحث عن طريق... ونحن من دونها نساوي الوعي الذي لم يكتمل، والفهم المشوب بالالتباس، والصوت الذي لا صوت له، والجرح التائق لبلسمة الحقيقة، والحروف التي يعوزها المعنى وتنقصها الكلمات.
كنا نظن أن احتجاب صحيفة «السفير» كالموت لا يصيب إلا الآخرين، فإذا به يصيبنا كالآخرين. انتهاؤها هجرة دائمة لا يغفر له عود مرتقب أو انتظار موهوم. رحيلها نكبة تشبه الموت ومواسم الهجرة إلى الصقيع. رواحها ذهاب الأحبة الذين لا يعودون. غيابها سقوط فارس في حمأة الحرب. سكوتها سقوط، وصمتها صمت الذين لا صوت لهم. من بعدها سنفقد صباحاتنا المألوفة حيث لا تطالعنا، وستكون قهوة الصباح أقل طعما وأكثر مرارة، وسيبقى قراؤها مخيرين بين الوفاء لغيابها - وهي الأصل أو النزوع إلى صحافة أخرى، حيث كل ما دونها فروع.
أسهمت «السفير» على مدى عقود في تطوير منظومة الوعي والتفكير لدى الشعوب العربية. تخطى دورها نقل الحدث إلى المساهمة في تقويمه وصناعته. هي رافد معرفي وحضاري في الثقافة والفنون والسياسة والتربية والمجتمع والرأي والاقتصاد والرياضة و «الصوت والصورة». فحرصت في ذلك كله على احترام عقل القارئ؛ وكانت انعكاسا لوجهات النظر المختلفة انطلاقا من إيمانها بتعددية الآراء وتنوع الخلفيات الإيديولوجية والسياسية. لم تسفه يوما القارئ بل كانت تجهد في سبيل تعزيز حسه النقدي. وكان لملاحق السفير على تنوعها الأثر الكبير في إغناء ثقافة الفرد العربي وتوسيع مداركه.
ما معنى أن يكون في لبنان صحافة ليست «السفير» منها؟ وكيف لصحيفة باتت عنصراً مكوناً في هوية وطن أن تخلع عنها ذاتها وتمضي إلى اندثار؟ ومن سيدرأ صحافة الحقائق المشوهة عن أجيال اعتادت أن تجد كل يوم الحقيقة في صحيفة؟ وما الحدث من دون تغطيتها، وما القول من دون الاستشهاد بما تقول؟ وإن لم يكن اليوم واجباً وجودُها، فمتى يجب أن يكون؟
نحتاج إلى أكثر من أربعين سنة بالتجارب ذاتها، والوقائع عينها، والإمكانات نفسها حتى يكون لدينا سفير أخرى؛ فيما لن نحتاج الا الى أيام قليلة لكي ندرك حجم الخسارة الناجمة عن توقف «السفير». فأفولها علامة ناصعة على سوء حالنا الحضاري، ودليل إضافي على أننا قادرون في وقت واحد على الربح في الميدان والخسارة في الإعلام.
عن السفير