تاريخ النشر: 2025-08-19 | 19:45
تاريخ النشر: 2025-08-19 | 19:45
في خضمّ هذا الليل الفلسطيني المثقل بالدخان والركام، يطلّ صوت مختلف، لا يعلو بالشعارات ولا يختبئ خلف الحسابات، بل ينطق بصدق الإنسان قبل السياسي. في تسريب صوتي للقيادي سمير المشهراوي، جاء القول صريحًا: "نحن موافقون على أي مقترح لوقف إطلاق النار، حتى قبل أن نقرأه، ما دام يوقف نزيف الدم."
كلمات قليلة، لكنها بحجم ما عجزت عن قوله خطبٌ طويلة. لقد أعاد المشهراوي البوصلة إلى معناها الأصيل: أن الإنسان هو جوهر القضية، وأن بقاء الروح الفلسطينية أولى من كل مفاوضات، وأسمى من كل المناكفات.
الأهم أن سمير المشهراوي لم يكتفِ بموقف مبدئي، بل وجّه رسالة بالغة الدلالة حين اعتذر للجانب المصري، مؤكدًا أن العبء الطبيعي يجب أن يكون على الفلسطينيين لا على القاهرة. هنا بالذات تكمن القيمة السياسية للموقف: الاعتراف بجهود مصر التي لم تتوقف يومًا عن الوساطة، والتي تتحمّل عبئًا استثنائيًا في إدارة اتصالات معقدة مع الأطراف كافة، تحت ضغط دولي وإقليمي هائل. إشادة صادقة كهذه ليست مجاملة، بل قراءة واقعية لأهمية مصر في ضمان أي مخرج ممكن لغزة. بل هي اعتراف بواقع لا يمكن تجاوزه: لا طريق إلى التهدئة ولا إلى الإعمار من دون القاهرة.
إن صوت سمير المشهراوي هنا ليس شخصيًا بقدر ما هو ترجمة لصرخة غزة: أوقفوا الحرب. فالخيام لم تعد تتسع لبكاء الأطفال، ولا الأرض تتحمل مزيدًا من المقابر. كل يوم تأخير هو جريمة إضافية في سجل لا يُمحى.
إن الهدنة اليوم ليست ورقة تفاوض، بل طوق نجاة. ليست خيارًا سياسيًا بين بدائل، بل واجب وطني وأخلاقي يعلو فوق كل الحسابات. والتاريخ، كما نعلم، لا يصفح عن أولئك الذين يخذلون شعوبهم في ساعة الحقيقة.
في لحظات كهذه، تبرز قيمة الأصوات التي تتجرأ على قول ما يعرفه الناس جميعًا في قلوبهم: أن الحياة أثمن من كل شيء، وأن الدماء حين تتكلم تُسكت كل الضجيج.