أكثر من مرة، سألت أصدقاء زاروا عائلات أسرى وشهداء فلسطينيين، فكان الرد من نوع: "ما يزالون يعيشون الصدمة"؛ "لا يعون ما الذي حصل"؛ "ما تزال الأم لا تعرف معنى أنها أصبحت أم شهيد".
عندما أزور العائلات بنفسي، يكون أكثر الأسئلة إثارة للقلق لي في الطريق: ما هو المناسب واللائق الحديث فيه؟ وغالبا أبحث عن قريب من العائلة يقدمني لها، ويتولى عملية بدء الحديث، وقد ينصحني بعدم الحديث.
في إحدى الحالات، كان مضيفنا المحاصر ببيوت المستوطنين وتنكيلهم اليومي، صامتاً ينظر تارة للأرض الترابية في المساحة الدائرية التي تحلقتُ وإياه وصديقة لي حولها، وتارة للسماء. تحدث عن معاناته مع المسؤولين الفلسطينيين وطريقة حديثهم، وتبرمه ممن يلبسون ربطات العنق منهم. كان يتحدث القليل وبجمل متقطعة، ثم كأن حاجزاً انكسر، فتدفق يتكلم من دون توقف لنحو ساعتين عن كل شيء؛ عن عشقه للشجرة والأرض والزراعة، عن سبب صموده، وعن معاناة أطفاله من المستوطنين.. إلخ. فهمت صعوبة أن يتحدث، وفهمت حاجته للحديث.
زوجة أسير في آخر حديثنا، طرقت باباً جانبياً للموضوع، عن ابنتها التي ولدت بعد أشهر من اعتقال زوجها، وهي الآن مراهقة، وفي كل زيارة لوالدها ترفض أن تسمع نصائح منه، وترد بحدة: "لم آت لأسمع محاضرات". وتقول الأم/ الزوجة: ابنتي لا ترى في أبيها البطل الذي ترونه، بل إنها محرومة منه، وتحمّله الوزر.
سألَت طالبة جامعية، تُجري بحثاً علمياً، مسؤولا في نادي الأسير الفلسطيني، عن الرعاية النفسية للأسرى والمحررين، فلم يُخفِ أنّ هذا الجانب غائب. وقال: الأمر معقد؛ نركز على الصحة بمفهومها العام وليس النفسي. كما أن الأسرى وهم أبطال، ويشعرون أنهم أبطال، ويعاملهم الناس على أنهم كذلك، وأنهم نموذج الصمود، فيستكثرون أن يَبدوا في حاجة لمساعدة نفسية.
في سياق بحث الفلسطينيين عن نماذج نضالية يستلهمونها، باتت تُطرح مؤخرا، بكثرة، فكرة "العدالة الانتقالية". وشخصياً، زرت المغرب ثلاث مرات، منها ما كان بمبادرة مني لفهم التجربة، لأسباب أكاديمية وليس فلسطينية؛ ومنها ما كان بدعوة من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومؤسسة دعم فلسطين الدولية في المغرب، وُجِهت لمجموعات من الناشطين والسياسيين والمثقفين الفلسطينيين. وقد أبهرتني التجربة بحق، وكيف يجلس الجلاد والضحية سوياً، ضمن برنامج مصارحة ومحاسبة، وربما تسامح وتسوية؛ أي يتم فتح ملفات الانتهاكات والتعذيب وتسويتها، من أجل الانتقال لبداية جديدة. وأفترض أنّ البرنامج من معالم وأسباب الصحة النفسية والسياسية والمجتمعية في المغرب، التي سمحت بتجاوز صفحات من الماضي، والحفاظ على الوحدة الوطنية.
درس فلسطينيون في ندوات ومحاضرات تجاربَ في جنوب أفريقيا وأيرلندا وغيرهما في الموضوع. وقد زادت أهمية الموضوع لأنّ الفكرة صارت تطرق في سياق المصالحة المجتمعية الفلسطينية الداخلية، خصوصاً في غزة، حيث يجب تسوية ملفات حقوقية واجتماعية بين طرفي "الصراع" في "فتح" و"حماس". في المقابل، هناك شبه اتفاق على أنّ الأمر في سياق الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ما يزال غير مطروح. فالعدالة الانتقالية تطرح بعد الاتفاق على المستقبل، ووضع أسس المصالحة.
الأمر الذي يبدو أنْ لا أحد تقريباً يتوقف عنده، هو أنّ الإنسان الفلسطيني الذي تحمل الأسر، والإصابة، وفقد الشهداء، ثم عاش خيبات أمل سياسية ووطنية لا تحصى من قادته وفصائله ومجتمعه، يحتاج لرعاية خاصة، انتقالية، تؤهله لانتظار الحل ومواصلة النضال.
يتعامل المانحون الأوروبيون والغربيون المتحكمون ببرامج السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، بحذر شديد مع أي مساعدة للأسرى وعائلاتهم وعائلات الشهداء، خشية الاتهامات الإسرائيلية والأميركية بدعم "الإرهابيين"، وقد طوّر الفلسطينيون برنامجا مقبولا إلى حد كبير للرعاية المادية والصحية للأسرى وعائلاتهم. لكنّ هناك أبعادا أخرى تحتاج وقفات خاصة ومعقدة.
نفسية الإنسان في ظل الفوضى التي يسببها منع الاحتلال لتطبيق القانون، وفي ظل الطغيان والعنت الاحتلالي، وحياة المخيم واكتظاظه وفقره ومحاصرته، وعبور الحواجز الاحتلالية... أمور تشكل حالة خاصة فلسطينية، قد لا تكون موجودة في نماذج أخرى. لذا، يبدو ضروريا مخاطبة الأصدقاء العرب والعالميين، بأنّ العدالة الانتقالية في السياق الفلسطيني تعني أيضاً مساعدة الإنسان للتعايش مع نفسه ومحيطه، بقدر ما تعني تصفية ملفات مع جهات وأشخاص مارسوا ضده العنف بأنواعه.
عن الغد الاردنية