تاريخ النشر: 2016-11-23 | 09:45
تاريخ النشر: 2016-11-23 | 09:45
8 تشرين الثاني 2016، يوم الإنتخابات الرئاسية الأميركية، تاريخ سيغيّر سياسات دول عدّة، سواء صدق دونالد ترامب في وعوده أم لم يصدق.
في هذا التاريخ ؛ سقط مفهوم "قدرة" السياسة الأميركية الخارجية، سقط مفهوم "مصداقية "الوسائل الإعلامية الغربية، سقط مفهوم "العادة" في منطق خيارات الشعوب، سقط مفهوم "القرارات الآمرة" الحزبية، سقط مفهوم هشاشة قوّة المستقلين، سقط مفهوم "دقّة" وسائل الإحصاءات، سقط مفهوم "الدولة العظمى" التي لا تخسر، سقط مفهوم "الفضائح" في هزيمة الأفراد، سقط مفهوم "ضعف" التكنوقراط الجماهيري، وغيرها من المفاهيم... أيضا سقطت في الظاهر، بدا أنّ بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون حرباً إعلامية تميل الدفّة فيها إلى كلينتون؛ لكن في الواقع، كانت الحقيقة أكثر من منافسة بين مرشحين أو حزبين؛ لا بل صراع على المصير الوجودي للسياسة الأميركية في الساحة الدولية. تلك السياسة التي اعترفت بفشلها كلينتون في أكثر من محطة لذكرياتها الموثّقة في كتابها "خيارات صعبة". وأيضاً،
تبيّن للشعب الناخب وللمراقبين أن الميلياردير الأميركي الحائز على إجازة جامعية في الإقتصاد والذي تمكن من تخطي الأزمة الماليّة التي واجهته في العام 2008 بدهاء قلّ نظيره؛ لديه من المشاريع الاقتصادية لتنمية الاقتصاد الأميركي ما لم تستطع هيلاري كلينتون منافسته بها الا بالتهكم الإعلامي .
أعلن ترامب في التصريح الذي القاه في نادي الاقتصاد في ديترويت، ان خطته "لدفع عجلة الاقتصاد" تشمل مجموعة إجراءات ابرزها تجميد قوانين أقّرّت مؤخرا وتخفيض ضرائب الشركات والأفراد وتعهّد بالتفاوض على اتفاقيّة تجارة أميركية حرة جديدة وغيرها من الخطط.
وافق اقتصاديون أميركيون ان السياسة الضريبية لترامب قد تعزّز النمو الاقتصادي. بينما كلينتون اعتبرتها كارثية وقد وافقتها شركة "أكسفورد إيكونوميكس" لأبحاث الإقتصاد أن الإقتصاد الأميركي قد يخسر بمقدار تريليون دولار في العام 2021 إذا فاز ترامب.
لم يعلق الميلياردير الذي أظهره بعض الإعلاميين بصورة السفيه على هذه الدراسة، لا بل أكّد على خططه و مشاريعه .
استمرّ في خطابه الشعبوي بما يرضي الشعب، دغدغ العنصريات، هاجم المهاجرين غير الشرعيين، صفّق للمصابين بالإسلاموفوبيا، إنتقد سياسة الإدارة الأميركية لخارجية بلاده، كرّت بوجهه سبحة الفضائح، تصاعدت نتيجة الإستفتاءات الإعلامية لصالح كلينتون. والنتيجة: فاز دونالد ترامب.
المشهد ذاته، يتكرر في فرنسا... يخسر الرئيس الأسبق لفرنسا نيكولا ساركوزي الجولة التمهيدية رغم إظهار ذاته كمخضرم سياسي قد استفاد من تجاربه السابقة لتقديم الإصلاح السياسي والإقتصادي تماما كما فعلت كلينتون، والنتيجة: ساركوزي خارج المعركة الرئاسية وأيضاً السياسية بعدما أوصى أنصاره بـ"عدم الإنقياد لمتطرفين أبداً". فاز فرانسوا فيّون الذي أعلن عن برنامج ليبرالي على الصعيد الإقتصادي ووعد بالمحافظة على المستوى الإجتماعي .
وها هو وزير الإقتصاد الأسبق الشاب الوسيم ذو الشعبية العالية إيمانويل ماكرون يعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية حاملاً مشروعه "الأمل" وداعيا الى الخروج من "الوضع السياسي الراهن" لمواجهة تحديات "عصر جديد". وشعبيته تزداد.
نعم، إنّه عصر شبكات التواصل الإجتماعي وعصر حق الشعوب في تقرير المصير.
في المشهدية ذاتها، الإستفتاء البريطاني الذي أخرج المملكة المتحدة من الإتحاد الأوروبي كان قد أنذر بقدرة الشعوب على التغيير في عصر التكنولوجيا والعولمة .
إنّ شعوب اليوم تبحث عن السلام و الرخاء. وحده العالم العربي ضربه فيروس ما سُميّ بـ"الربيع العربي". ربيع نشرَ سموماً حملتها عواصفه بدل رياحين الياسمين إلى قلب بلاد العروبة النابضة مقاومة .فنزفت دماء و أشلاء و دماراً.
ليس الشعب العربي عاجزاً عن التغيير الإيجابي لكن، هذه الأرض العربية لم تعرف حتى اليوم "استقلال" القرار والمصير وهي منخورة بدود الحقد والطائفية والتبعية. وللأسف، في أروقتها يتغلغل الكثير من الفكر التكفيري والإرهابي ويضرب الكثير أيضاً من الجهل والكوارث الفكرية .
وفي المقلب الآخر كما في لبنان وسوريا والعراق واليمن، حق الشعوب بالمقاومة المكرس في القانون الدولي يرسّخه بالفعل والعقيدة مَن آمن بالنضال والمقاومة والممانعة والعروبة.
في لبنان تحديداً، مجلس نواب ممدّدا لنفسه.
تنفّس الشعب اللبناني الصعداء في الانتخابات البلدية والإختيارية الأخيرة التي أثبتت الكثير من الحقائق أبرزها ما يلي:
أولاً: إنّ التحالفات الحزبية الراهنة بين أخصام الماضي لم تلزم العديد من الناخبين الحزبيين والمستقلين على السواء .
ثانيا: إنّ القرارات الحزبية في خيار المرشحين لم تلزم العديد من الحزبيين الذين غرّدوا خارج السرب وانتهى الأمر بمحاكمات وعقوبات تأديبية حزبية نتائجها لم تخمد بعد.
ثالثا: إنّ الزعامات التقليدية الإقطاعية تسقط تدريجيا في محيطها الجغرافي. ويبرز بمواجهتها جيل يؤمن بالحرية والتغيير، أو يؤمن بمبدأ وطني لا يحيد عنه بأمر من الأشخاص.
رابعا: تزايد عدد المستقلين في الشارع اللبناني الشعبي، من فئة النخبويين الثقافيين والعاملين كما الطلاب.
إنّها إشارات لعوامل مؤثرة جداً على المستقبل السياسي في لبنان. إنّ أي تقدّم في إقرار قانون انتخابات نسبي سينتج حتماً عن تطبيقه دخول فئات وعناصر جديدة إلى البرلمان غير قابلة للضبط من أي قرار حزبي. لهذا السبب لا عجب في عرقلة ذلك ولئن كان عبر تأخير تشكيل الحكومة.
أمّا ما هو في غير حسبان بعض المسؤولين السياسيين أن عدوى ظاهرة ترامب وصلت إلى لبنان .
سواء عبر تطبيق قانون الستين أو النسبي، التغيير في الوجوه والمشاريع والإنتماءات سيظهر. فالشعب اللبناني الذي كان من أول شعوب المنطقة التي عاشت الحروب والقهر بات يبحث عن الوفاء والمشاريع البناءة لا الأوهام الإفتراضية والعناوين الطنانة والخطابات الرنانة أو التغريدات المضحكة.
الوسائل الإعلامية اللبنانية لم تعد قادرة كما السابق على تأجيج الرأي العام. صفحات الانترنت صداها أوسع ولها من المتابعين أكثر. ولكل محافظة في لبنان "ترامبها" أو "ترامبتها" أو أكثر. ربيع 2017 آت ومعه الانتخابات النيابية.
عن النشرة اللبنانية