الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

عسكرة الدولة.. إلى متى؟!

عسكرة الدولة.. إلى متى؟!

تاريخ النشر: 2015-12-19 | 09:41

سائق التاكسى المطحون بين سيارة صينية متعددة الأعطال، وأقساط شهرية واجبة السداد، يطالب بأن تكون ورش إصلاح السيارات تحت إشراف الجيش لأن «الميكانيكية بيخربوها». وعاملة النظافة التى نصب عليها مقاول وهرب بتحويشة العمر، تطالب بأن يكون إسكان الغلابة كله تحت إدارة وإشراف الجيش. وصاحب السيارة، التى تفتتت دواخلها بعدما وقع نصفها فى حفرة عميقة فى وسط الطريق، يطالب بأن يكون رصف طرق مصر كلها مهمة الجيش.

والرجل الذى كادت زوجته تفقد حياتها فى ولادة قيصرية لولا أنه نقلها لأحد مستشفيات الجيش، يطالب بأن تخضع مستشفيات مصر لمراقبة الجيش. إنه شكل من أشكال المطالبة الشعبية بعسكرة الدولة، وهى عسكرة من النوع الحميد -من وجهة نظر شعبية- لا تهدف إلى السيطرة والهيمنة من قبل الجيش على مؤسسات الدولة وخدماتها من أجل إحكام القبضة الحديدية وإنفاذ الديكتاتورية الحنبلية، بقدر ما تهدف إلى مد يد العون لملايين من المصريين يعانون الأمرين من تدنى الخدمات ويذوقون الويلات من شيوع الفساد ويرضون بالتدنى ويقنعون بما هو أقل من القليل لسبب واحد؛ ألا وهو عدم وجود بديل. البديل الذى يتحدث عنه قطاع عريض من المصريين بشكل متزايد هذه الأيام هو البديل العسكرى، الذى ظهر على السطح وتحدث عن نفسه لا بالطبل والزمر، ولكن بالحجة والبرهان.

فمن شبكة طرق لم يعتدها المصريون على مدى عقود شهدوا خلالها نوعية طرق وإصلاحات تليق بالزواحف والقوارض، إلى مستشفيات عامة جديرة بتقديم خدمات نقل الموتى، وأزمة سكن مزمنة لا تنظر بعين الرأفة أو الشفقة (ناهيك عن كونه واجباً من واجبات الحكومات) إلى ملايين لا تجد سكناً آدمياً، إلى آخر قائمة التفاصيل الدقيقة والعريضة لحياة المصريين التى تحولت جحيماً وجد المواطن أن الخدمة الوحيدة اللائقة واليد الوحيدة المنقذة والمشروعات الوحيدة المنضبطة لا تخرج إلا بأيادى القوات المسلحة. وهنا تتعالى أصوات ثورية بعضها ينعت هذا التوجه من قبل القوات المسلحة بـ«جهود دؤوبة لإحكام السيطرة على مفاصل الدولة» و«استمرار لقبضة العسكر على الدولة» إلخ.

وفى الوقت نفسه ينعت آخرون الشعب المطالب بضلوع الجيش فى قطاعات مدنية بحتة بـ«التافه» و«السطحى» و«مش فاهم» و«هيضيع الثورة». لكن الشعب «ودن من طين والأخرى من عجين». السيدة البسيطة التى ترى أن ضلوع القوات المسلحة فى الرقابة على الأسواق وطرح السلع الغذائية وبناء الوحدات السكنية وتوفير وسائل مواصلات آدمية وفتح المستشفيات العسكرية لعلاج المدنيين، وإعادة الجانب العسكرى للمدارس الإعدادية الثانوية بنين، حين سئلت عن موقفها من «قوى ثورية» تعارض مثل هذه الـ«عسكرة»، قالت بكل هدوء: «عسكرة إزاى يعنى؟! وهى القوى الثورية دى عملت لنا إيه؟».

وبعيداً عن الجدل العقيم الذى تدور رحاه فى كثير من الدوائر النقاشية حيث «أصل الشباب كلهم فى السجون» و«النظام أخرس المعارضة الشريفة» و«الثوار أغلبهم مات بالقمع والقهر» و«أطهر ناس فى مصر اختفت قسرياً».. إلخ، فإن واقع الحال يشير إلى أن جانباً كبيراً من الثوار (باستثناء الإخوان وأبناء عمومتهم) ظاهرة صوتية أشبه بطلقات الصوت.

واقع الحال أيضاً يشير إلى أنه -شئنا أو أبينا- فإن الجهة الوحيدة فى مصر التى لم يلحق بها قدر طاغٍ من الفساد والاهتراء والمحسوبية والتواكل والبلادة وانعدام الضمير وتبخر الوطنية والتحلل الأخلاقى (حتى وإن كان المظهر الخارجى مزيناً بهالات دينية حيث الذقن والجلابية والبنطلون القصير أو الحجاب والنقاب وجزاك الله خيراً) هى المؤسسة العسكرية.

لذا تبدو مطالبات البعض سواء بحسن نية -حيث حلم بمدنية كاملة للدولة المصرية والإبقاء على الجيش فى ثكناته مدافعاً عن الحدود- أو سوئها -حيث رغبة خبيثة فى النيل من الجيش إن لم يكن فعلياً بأعمال القتل والتفجير فبالنيل من سمعته الوطنية ومكانته القومية- أشبه باللوغاريتمات غير المفهومة والكلمات غير المهضومة لملايين المصريين.

سائق التاكسى حين تحدث عن ورش إصلاح سيارات المدنيين برعاية الجيش لم يدر بخلده حكاية عسكرة الدولة أو إخضاع المدنيين للعسكر أو أى شىء من هذا القبيل. لم يفكر إلا فى ميكانيكى يفهم ما يقوم به ولا ينصب عليه فى أسعار قطع الغيار والتركيب. وبتضييق الخناق عليه وسؤاله إن كان يعلم أنه بمطالبته هذه يسهم فى زيادة «عسكرة الدولة»، حسبما يؤكد بعض الثوار والنشطاء، رد بكل سلاسة: «خلاص خلِّى الثوار والنشطاء دول يصلحوا لى العربية، وأنا هنسى تماماً حكاية الورش العسكرية».

لكن يظل الجدل العقيم والسفسطة اللانهائية سيدا بعض المواقف. مرة أخرى يجد نشطاء وثوريون سادة دون إسلام سياسى، أنفسهم فى خانة واحدة مع الإخوان وأبناء عمومتهم حيث تجمع بين الفرقاء هاشتاجات مثل «عسكرة الدولة، وعسكرة المشاريع، وعسكرة المواطنين» إلى آخر أنواع العسكرة. الفريق الأول على قناعة بإمكانية وضع نقطة وقلب الصفحة وإقصاء كل العسكريين عن المشهد حتى تكون مصر دولة مدنية ديمقراطية حديثة، لكنهم لا يغوصون فى التفاصيل.

فجهود التجريف التى دارت رحاها على مدى عقود لم تترك موهبة إلا وأدتها ولم تدع ملكات استثنائية إلا خنقتها. وكلما سألت أحدهم عن حلول واقعية أو تصورات منطقية أو أطروحات معملية لمن يتولى ماذا وكيف، وجدت نفسك فى دوائر مغلقة وأحاديث مفعمة بالحماسة لكن منزوعة الواقعية.

أما الإخوان ومن على شاكلتهم فعداؤهم للجيش مفهوم ومعروف. وعودة إلى السؤال: عسكرة الدولة إلى متى؟ الإجابة: إلى أن تكون هناك حلول وبدائل قابلة للتحقيق وجديرة بالتفعيل.

عن الوطن المصرية

×
أخبار
سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالاً تشكيكياً في ضحايا 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط