غالباً ما كانت عملية السلام في الشرق الأوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين تتحول إلى ما يشبه مسرحية هزلية ذات أهداف غير بريئة. وكثيراً ما كانت توصف بأنها مجرّد ملهاة لإضاعة الوقت أكثر من كونها تمثل طريقاً مضموناً لتحقيق السلام. ويردّد بعض المحللين أن الشيء الوحيد الذي نجحت هذه العملية في تحقيقه هو أنها مكّنت المحتلّ الإسرائيلي من مصادرة المزيد من أراضي الشعب الفلسطيني بطريقة التهام «القطعة تلو القطعة».
وقد أعلن مسؤول إسرائيلي يوم الخميس الماضي أن تل أبيب ستعلن الأسبوع المقبل عن بناء وحدات استيطانية جديدة بالتزامن مع الإفراج عن دفعة جديدة من الأسرى الفلسطينيين، وهو ما من شأنه أن يقلص الآمال أكثر فأكثر بشأن استمرار عملية السلام بين الطرفين.
وقد كنت من بين منتقدي هذا الأسلوب غير السوي في جهود السلام وسأبقى كذلك ما حييت. وكنت أشعر دائماً بأن هذه العملية مبنية على أسس مبتذلة مثل «معايير بناء الثقة» الوهمية التي لم تحقق أي نجاح ملموس على أرض الواقع فيما عدا نجاحها في الاحتفاظ بموقعها كمجرّد شعار أجوف لعملية السلام. ثم إن عملية السلام بحدّ ذاتها لم تكن مبنية أصلاً على مبادئ الاحتكام للقوانين الدولية، بل على الواقع القائم لموازين القوى العسكرية ومدى القدرة على التأثير في العلاقات الدولية.
ولعل من شأن هذه الحقائق أن تفسر السبب الذي جعل نتنياهو قادراً على التنكر لمطالب المجتمع الدولي بما في ذلك حليفته الولايات المتحدة فيما يتعلق بوقف الاستيطان والامتناع عن بناء المستعمرات فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهذه المستعمرات التي أعلنت محكمة العدل الدولية وحتى الولايات المتحدة ذاتها عدم شرعيتها، باتت تمثل العقبة الكبرى أمام عملية السلام. وهي تقوّض خريطة الطريق التي تمثل المسار الذي تبنى عليه عملية السلام، وتلغي نتائج أي تقدم يتم تحقيقه عن طريق التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وعندما يحتج الفلسطينيون ويعلنون انسحابهم من المفاوضات، لا يتغيّر شيء على الإطلاق، ثم يعودون إلى طاولة المفاوضات من جديد ليجدوا أن المزيد من المستعمرات قد تم بناؤها. ويبدو بوضوح أن الإسرائيليين لا يحتكمون إلا إلى القوة العمياء من أجل تحقيق رغباتهم، ويتصرفون وكأنهم فوق القوانين والتشريعات الدولية. ومن المنتظر أن يعلن نتنياهو قريباً عن إطلاق أعمال بناء مستعمرة جديدة بما يمثل مجدداً أكبر تحدٍّ للمجتمع الدولي.
ولنتمعّن في تصريح أطلقه وزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعالون أمام الصحافة لشرح موقف إسرائيل حول هذه القضية حيث قال: «أعتقد أن من حقنا أن نبني. وتخوّلنا هذا الحق مذكرات تفاهم واتفاقيات معقودة بيننا وبين الأميركيين».
ولكن، وبافتراض وجود اتفاقية سرّية بين إسرائيل والولايات المتحدة تقضي بعدم منع إسرائيل من الخرق المتكرر لبنود القانون الدولي، إلا أن عقد معاهدة بين دولتين لا يُلزم أيضاً دولة ثالثة بالامتثال لبنودها، كما لا يمكن لمثل هذه المعاهدة الثنائية أن تعطي الحق للدولتين في التعدي على حقوق دولة ثالثة واحتلال أراضيها.
وبكلمة أخرى، يبدو وكأن وزير الدفاع الإسرائيلي أراد أن يقول: «لقد قررنا أن نضع أنفسنا فوق القانون، وقد وافق الأميركيون على ذلك».
ومن الواضح أن الإمكانيات العسكرية الضخمة التي تستند إليها إسرائيل تجعلها تعتقد أن من حقها انتهاج مثل هذا السلوك الاستعماري الظالم. كما أن السعي إلى السلام المبني بشكل أساسي على القوة العسكرية لن يؤدي إلا إلى إذعان الضحية وخضوعها طالما بقيت العلاقة قائمة على هذا الأساس، وهذا ما يرفضه الفلسطينيون بشكل قاطع.
والعدالة هي الأساس المنطقي لضمان تحقيق السلام المستدام وتسوية النزاعات. وعلى رغم الإعلان أن العدالة وسيادة القانون تمثلان المبدأين الأساسيين في صلب النظام الداخلي للأمم المتحدة، إلا أنهما غائبتان تماماً عن عملية السلام المبنية على أساس منطق القوة العسكرية وحده.
والشيء الآخر الذي يتعارض مع مبدأ توازن القوى كإطار استدلالي لعملية السلام، هو سلوك واشنطن. فعلى رغم من تكرار تعهداتها بأن تكون طرفاً نزيهاً ومحايداً، إلا أنها في واقع الأمر تنحاز بدون تردد لأحد الطرفين وبما يؤدي إلى الافتقار لشرط النزاهة الضروري للتوصل إلى سلام مبني على العدالة واحترام الحقوق المشروعة للفلسطينيين.
وفي هذا السياق دعونا نتمعّن في الاقتراح الأمني الذي عرضه جون كيري مؤخراً للفلسطينيين الذي يقضي بمرابطة جنود إسرائيليين على الجانب الفلسطيني من الحدود الفاصلة بين إسرائيل ودولة المستقبل الفلسطينية. وهو بمعنى آخر يريد منا أن نقتنع بأن «إسبرطة المعاصرة» المسلّحة حتى أسنانها، تحتاج للحماية من شرور الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح والمقسمة والتي يمكن إعادة احتلالها بأكملها من جديد خلال ساعات. ويدعونا كل هذا إلى طرح السؤال: من هو الطرف الأكثر تعرضاً للخطر الذي يحتاج للحماية؟ ومن الضروري أن نضيف إلى ذلك ملاحظة مهمة أخرى وهي أن القيادة الفلسطينية اتّهمت من طرف الشعب الفلسطيني بتقديم تنازلات ضخمة عندما قبلت بنشر مراقبين أمميين على الجانب الفلسطيني من الحدود مع إسرائيل.
ومع الشعور الطاغي في أوساط المراقبين باليأس من الفشل المزمن لعملية السلام في أن تفضي إلى إقامة دولتين تعيشان جنباً إلى جنب بسلام وأمان، فقد أشار بعضهم إلى أنه بات من الضروري التخلي عن مشروع حل الدولتين. ويرى المحلل السياسي البروفيسور «إيان لوستيك» الأستاذ المحاضر في جامعة بنسلفانيا أن «دولة إسرائيل يجب أن تُستبدل بدولة ثنائية الثقافة تضم قطاع غزة والضفة الغربية». إلا أنه يستدرك على هذا الطرح فيقول إن نجاح هذه الفكرة يتطلب تضحيات كبرى حتى يتعلم الطرفان كيف يحققان الاستقرار ويعيشان مع بعضهما بعضاً. وليس من المحتمل أن يرحّب الشعب الإسرائيلي بقيام دولة ثنائية الثقافة لأن مفهوم هذه الدولة يعني في الواقع العملي تفكيك الكيان التركيبي الصهيوني لدولة إسرائيل.
ولا يمكن إحلال السلام من دون أخذ كفاح ومعاناة الشعب الفلسطيني بعين الاعتبار. على أن السلام الحقيقي والدائم ينبغي أن يكون مبنياً على العدالة لأنها تمثل الشرط الأساسي للتعايش بين الشعبين الراغبين بالسلام والرخاء.
عن الاتحاد الاماراتية