تاريخ النشر: 2017-03-09 | 05:57
تاريخ النشر: 2017-03-09 | 05:57
مُرتديةً الحجابَ ظهرتْ عارضة الأزياء الأميركية - الفلسطينية، جيجي حديد، على غلاف العدد الأول من النسخة العربية من مجلة «فوغ» (vogue) الصادرة هذا الشهر، وبدا هذا الاختيار مدروساً عبر حديث المجلة عن «إعادة بناء التصورات». وقد تمكنت هذه اللفتة من إثارة الجدل بسبب ما تُوصف به حديد من جرأة في عالم الأزياء، فكان هذا سلاح المعترضين على ظهورها بالحجاب، فيما رأى المؤيدون للخطوة أن ثمة رسالة سامية تُبعث مفادها بأن صناعة الأزياء ما هي إلا منصة لنشر التسامح، لا سيما أن حديد متصلة بقوة بتلك الصناعة لتسليط الضوء عليها. وكتبتْ حديد في حسابها على إنستغرام مُحتفيةً بالنسخة العربية، أنها «تسهم في بناء مجتمع للعاملين في مجال الموضة، لا يوجد فيه أيّ حدود، فضلاً عن أن المجلة ستسمح لنا بالاحتفال بهذا التنوع الثقافي الذي يحمله العالم»، متمنية «مستوى آخر من عالم الموضة لديه الرغبة في تقبّل جميع الثقافات والأزياء، ويعتمد على تمثيل الناس بطريقة تكون على صلة بحياتهم».
الواقع أنه يصعب في هذه الحالة تجاوز ما لعولمة الموضة والأزياء من إغراء يُعيد ترتيب التفاصيل والمكونات باتجاه صياغة هُويات هجينة أكثر انفتاحاً وقبولاً بالرموز الثقافية والدينية المتنوعة في عالمنا، ولعل الصورة تُغني أحياناً عن مئات المقالات في رحلة «إعادة بناء التصورات» حول الدين والتسامح، والموضة والاحتشام، والأديان والعولمة، والتوسّل بالاحتفاء بالألوان المتعددة للأقمشة طريقاً لقبول الأفكار المتعددة.
لقد صار شائعاً الحديث عن مكياج يليق بالمحجبات، وانتشرت منذ 2013 مسابقات ملكة جمال المحجبات، وفي ذاك الاحتفاء بالجمال، مكشوفاً كان أم مستوراً، احتفاء بالشخصي والفردي والمستقلّ، واحتفاء بالأنا وزهوها بتميزها عن الآخر، وخصوصيتها المادية والمعنوية في الآن ذاته. ولعل هذا يُحرّض على التساؤل: ألا يتم هنا استدخال الديني في «لبرلة» غير خافية؟ ألا يكمن في تضاعيف مسابقة المحجبات اعتدادٌ بالجسد أكثر من الاعتداد بالحجاب في الحقيقة؟ أليس ذلك ما يجعل مسابقة من هذا النوع حدثاً واستثناء؟ وهل الثقافة الدينية الرائجة قابلة لإعطاء المرأة وجسدها «حيّزاً» ليكون ميدانَ تسابقٍ وتنافسٍ حتى لو كان هذا الجسد محجباً؟
السجالُ أساساً يكمن في ألا يعتدي ما يُوصف بـ «الأخلاقي» على حرية الإنسان وحقه في الاختيار. والتحدي أمام الثقافة الدينية وأنماط التدين في ألا تُصادِر الروادع الدينية ما هو فردي وشخصي، ما دام هذا الفردي أو الشخصي ملتزماً بعدم الإضرار بالنّاس أو النَفْس، وهذا يزيل أيّ تضادٍ مفترضٍ بين الإنساني والأخلاقي.
في المحصلة، نحن في أمسّ الحاجة لأي خطوة أو مبادرة تُشجّع على التسامح وقبول الآخر والإيمان بحرية الإنسان، ومبادرة حديد - مِثلها مثل مبادرة نصير شمة «الموسيقى تحارب التطرف»- تفتحُ نوافذ العقلِ لمواجهة التشدد عبر تحريض البشر على الإبداع في طرق محاربته، لأنَّ أصل داء التشدد نقص الحرّية.
عن الحياة اللندنية