لا يختلف اثنان على أن إعادة إعمار قطاع غزة تشكل أولوية فلسطينية ملحة لحل الأزمة الإنسانية الناجمة عن الحرب العدوانية الصهيونية الأخيرة وجرائم الحرب التي ارتكبها العدو الصهيوني، ولا يزال يرتكبها بحق الفلسطينيين، خلال العدوان وقبله وبعده .
ربما يكون مؤتمر إعادة الإعمار الذي انعقد في القاهرة قبل أيام وأسفر عن تبرعات قدمتها الدول المانحة تقارب الخمسة مليارت ونصف المليار دولار، محطة مهمة على طريق إزالة آثار المأساة الإنسانية والكارثة البيئية التي خلفها العدوان، لو وجدت القرارات التي اتخذها المؤتمر طريقها إلى حيز التنفيذ . فالشكوك الفلسطينية في هذا المجال أكبر من ان توصف استناداً إلى قرارات سابقة اتخذتها مؤتمرات مماثلة وظلت حبراً على ورق بسبب العراقيل والاشتراطات الصهيونية واستمرار الحصار المفروض على القطاع . ويدرك الجميع أن طرفي الصراع المباشرين خلال العدوان الأخير (حماس والكيان الصهيوني) كانا هما الغائب الحاضر عن هذا المؤتمر، حيث يستطيع أي منهما أن يشهر الفيتو في أية لحظة، على الرغم من أن الجانب الفلسطيني سبق وأن تمكن من لملمة أوراقه وترتيب أولوياته، داخلياً وخارجياً، عبر خطة مفصلة وضعتها حكومة الوفاق الوطني، التي تمكنت في اللحظة الأخيرة قبل انعقاد المؤتمر من عقد أولى جلساتها في غزة، للتأكيد على وحدة الموقف الفلسطيني وجاهزيتها لتحمل مسؤوليتها في إدارة القطاع، تلبية لشروط انعقاد المؤتمر ذاته . لكن تبقى المشكلة في الجانب الصهيوني الذي لا يزال يماطل ويضع العراقيل والشروط التي تجعل منه مشرفاً فعلياً على إعادة الإعمار، الأمر الذي يرفضه الفلسطينيون جملة وتفصيلاً .
وعلى الرغم من التطمينات التي أطلقها أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون بالإعلان عن بدء العملية والشروع بإدخال مواد البناء، فان هناك الف سبب لاستمرار الشكوك الفلسطينية في جدية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، ما لم يقترن ذلك برفع الحصار المفروض على القطاع نهائياً، وهذا ليس شرطاً تعجيزياً، خصوصاً بعدما وافق الجانب "الإسرائيلي" عليه مبدئياً خلال مفاوضات وقف إطلاق النار التي رعتها القاهرة، والتي لا تزال تنتظر التوصل لاتفاق حول القضايا العالقة، وفي مقدمتها قضيتا الميناء والمطار في غزة، قبل الحديث عن أي تهدئة طويلة الأمد . وهنا يظهر السؤال ماذا لو فشلت مفاوضات القاهرة التكميلية في التوصل الى اتفاق، هل ستعود الأمور إلى المربع الأول، وماذا عن مصير إعادة الإعمار؟
ثمة ملاحظة أخرى تتعلق بالضغوط الجارية لإعادة إطلاق مفاوضات التسوية، وهي مسألة بات يخشى أن يجد فيها الكيان الصهيوني ذريعة للإبقاء على الحصار وإفشال قرارات الدول المانحة . إذ ينبغي عدم الربط بين إزالة آثار جرائم الحرب الصهيونية، وهو أمر لا يحتمل الانتظار، وبين إعادة إحياء مفاوضات عقيمة جرى اختبارها على مدى أكثر من 20 عاماً من دون الوصول إلى أي نتيجة .
ربما ينتظر الفلسطينيون وقفة أكثر جدية من المجتمع الدولي تسمح بالشروع فعلياً في إعادة الإعمار، وممارسة الضغوط على الكيان الصهيوني لتقديم ضمانات حقيقية بعدم تكرار هذا العدوان، وبالتالي إضفاء نوع من المصداقية على قرارات الدول المانحة وموقف المجتمع الدولي .
عن الخليج الاماراتية