سواء كان إختطاف الضابط أو الجندي الإسرائيلي في رفح من قبل المقاومة البطلة تم قبل أو بعد سريان الهدنة الإنسانية المقررة في الثامنة من صباح الجمعة، فإن عملية الاختطاف هي حق مكفول بكل القوانيين و الأعراف الدولية، و هي عملية مبررة بكل القوانيين و التقاليد العسكرية، لأنها عملية خطف أو أسر تمت وقت الحرب، في الميدان، في ذروة الاشتباك، لضابط أو جندي – لا يهم – في وضعية العدوان الغاشم!!! كما أنني أريد أن أذكر الجميع بأن الهدنة الإنسانية التي اقترحها بان كي مون، و جون كيري، و وافقت عليها و التزمت بها كل الفصائل، جاءت وسط إصرار إسرائيلي عبر عنه نتنياهو نفسه بأن قواته الغازية لقطاع غزة ستبقى مكانها، موجودة على الأرض و تسيطر بالنيران على نصف مساحة قطاع غزة، و أن هذه القوات لن تتوقف حتى خلال تهدئة الثلاثة أيام عن مواصلة التفتيش عن الآنفاق و تدميرها، و التفتيش عن منصات الصواريخ و تدميرها، فهل خطف الضابط أو الجندي حتى لو تم بعد سريان التهدئة يعتبر اختراقاً، بينما قصف البيوت و المساجد و المدارس المكثفه بدعوى البحث عن الأنفاق هو عمل سلمي و ليس اختراقاً للتهدئة؟؟؟
العدوان الإسرائيلي الغاشم و الظالم و المعربد على قطاع غزة منذ قرابة شهر، و المخطط له بعد إفشال المفاوضات في نهاية نيسان الماضي، و الذي استعدت له إسرائيل بميزانية ضخمة، أكبر من خمسة مليارات شيكل إضافية، و تلقت فيه إسرائيل أحداث مبتكرات تكنولوجيا السلاح في مخازن البنتاجون، و حشدت فيه حملة علاقات عامة دولية جعلت الكبار في مجلس الأمن يلومون الضحية و يبررون الجلاء، و جعلت مجلس الأمن الدولي أشبه بفرقة مسرح هزلية، و جعلت الأمم المتحدة عاجزة عن حماية من يلجأون إلى مقراتها!!! هذه الحرب أثبتت من جديد أن إسرائيل دولة مصنوعة مئة في المئة، لا جذر تاريخي و لا جذر أخلاقي لها، خرافة من صنع الموجة الاستعمارية، لا يمكنها أن تعيش بطريقة طبيعية، و أنها مادامت موجودة فلن تنتج إلا كل ما هو معادي للإنسانية، و مادام احتلالها مستمراً فلن ينتج عنه سوى المجازر وراء المجازر و الأكاذيب و الإدعاءات و الأفتراءات.
العدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة هو اعتداء على فلسطين، و على عدالة القضية، و على وحدة الشعب، و على المشروع الوطني، و هذه المفردات التي هي عدالة القضية الفلسطينية و وحدة الشعب الفلسطيني ليس في غزة و الضفة و القدس فقط بل في كل مكان، و المشروع الوطني، مشروع الاستقلال و الدولة، هو أكبر ألف مرة من إسرائيل، و هذه هي بالضبط صدمة نتنياهو و تحالفه الحكومي، و أن غزة النموذج في الصمود و المقاومة و الوحدة يمكن أن تنتشر في المنظومة العربية رغم هزالها الحالي، و في المنظومة الإسلامية رغم ضعفها الحالي، غزة تراهن على المستقبل و إسرائيل تراهن على الماضي، و الماضي المتزلزل الآن، الفاشل و العاجز الآن، يمثله النظام الدولي القائم، النظام أحادي القطبية، الذي تحملت فيه أميركا مسئولية قيادة العالم، بينما هي محكومة في إدارتها، و في الكونغرس، و في دورها في مجلس الأمن، و في إدارة العلاقات الدولية بالخرافة الصهيونية.
أعرف أني أتحدث من قلب الجرح الغائر، من قلب خطيرة الموت و الدماء، من تحت الأنقاض حيث جثث الشهداء لا يستطيع أحد حتى الآن احصاءها، و أن أكوام الحطام و الدمار تحوى تحت أنقاضها ربما أكثر من الأرقام المعلنة، و قد تتضاعف الأرقام كثيراً في كل لحظة، و لكن فلسطينياً لدينا ما نحافظ عليه، و لدينا ما نعتز به، و لدينا ما نبني على أساسه، و هو ما لا تملكه إسرائيل، لدينا وحدتنا، هل هناك وحدة أغلى من وحدتنا التي يناصبها العدو العداء علناً، و يخوض هذا العدوان الغاشم لإسقاطها، هل هناك ما هو أثمن من هذه الوحدة؟؟؟
و لدينا مشروعنا الوطني، إنهاء الاحتلال، و قيامة فلسطين بقيامة الدولة الفلسطينية، فحين يكتمل قيام دولة فلسطين، فإن دولتنا ستوكل إليها كل حقوقنا، كل شبر من أرضنا، كل ميراثنا المقدس، كل حقوقنا ما ظهر منها و ما بطن، و هذا هو كابوس إسرائيل الذي ذهب زعماء إسرائيل الكبار بسببه إلى الكآبة و الغيبوبة و الموت، ابتداءاً من أعظمهم بن جوريون، إلى من كان يعتبر نفسه ملكاً لإسرائيل مناحيم بيجن، إلى الرجل الذي بنى شهرته على قتل الأطفال و تدبير المذابح لهم شارون، و آخرهم هذا القادم من نطفة نازية بينيامين نتنياهو، الذي يعبد رب هتلر، فيقلد هتلر في كل المحارق التي ارتكبتها يداه.
لدينا ما نحافظ عليه، و لدينا ما نتوحد حوله، و لدينا ما نستشهد من أجله و لدينا ما ننتصر وفاء له، وحدتنا الوطنية، و مشروعنا الوطني، و قدرتنا على المنازلة و الإبداع و المطاولة و الصبر!!! مع أننا نعلم أن كل ما نتمناه و نسعى إليه ليس سهلاً، لأن هذا العدو قد تكرر إنتحار المسادا التاريخي، و أن حلفاء هذا العدو قد يكشفون عن وجوههم القبيحة بلا تحفظ، و أن الضعفاء المسحوقين في هذه المنطقة قد يحاولون أن يحتشدوا حول أشلاء أطفالنا مثل أبناء آوى و الثعالب و الذئاب علهم ينهشونها مجاناً، و لكن الوطنية الفلسطينية بلغت سن الرشد، و تجاوزت الطوق، و سوف تنتصر، و حتماً ستنتصر.