لم يعد أمام لجنة التكنوقراط المقبلة في غزة متسع من الوقت لتوزيع الوعود أو إعادة تدوير الشعارات، فالناس خرجوا من حربٍ مدمرة لا يبحثون عن خطاباتٍ منمقة، بل عن دولة تحترم الإنسان، وإدارة تعرف أن المنصب مسؤولية لا غنيمة، وأن السلطة تكليف لا امتياز.
لقد سئم المواطنون من سنوات المحاصصة والتوافقات الهشة التي عطّلت المؤسسات، وأغرقت الوطن في دوامة الأزمات، حتى أصبحت أبسط حقوق المواطن حلمًا بعيد المنال. واليوم، لن يقبل أحد بإنتاج نسخة جديدة من الإدارات التي تجيد تبرير الفشل أكثر مما تجيد صناعة النجاح.
المطلوب من لجنة التكنوقراط أن تبدأ من اليوم الأول، لا من الشهر الأول. المطلوب قرارات تنفيذية، لا لجانًا جديدة، وخططًا قابلة للتطبيق، لا بياناتٍ للاستهلاك الإعلامي. فالجائع لا يأكل البيانات، والعاطل عن العمل لا يعيش على التصريحات، والمريض لا تعالجه المؤتمرات الصحفية.
غزة تريد اقتصادا يعمل، ومصانع تدور، وأسواقًا تعج بالبضائع، وفرص عمل تحفظ كرامة الشباب، ومدارس وجامعات تواكب العصر، ومستشفيات تداوي المرضى بدل أن تتحول معاناتهم إلى قوائم انتظار. تريد كهرباءً ومياهً وخدماتٍ عامة، وشوارع نظيفة، وإعمارًا حقيقيًا لا صورًا تذكارية أمام الركام.
وتريد قبل كل ذلك دولة قانون، لا دولة استثناءات. قضاءً مستقلًا لا يخضع لأي نفوذ، وإدارةً تعتمد الكفاءة لا الواسطة، ومؤسساتٍ يحاسب فيها المسؤول قبل الموظف، ويكون الولاء فيها للوطن وحده، لا لأي انتماء ضيق.
لقد أثبتت التجارب أن أكبر كارثة تصيب الأوطان ليست قلة الإمكانات، بل سوء الإدارة، وأن أخطر أشكال الفساد هو وضع غير المؤهل في موقع القرار، ثم مطالبة الشعب بدفع ثمن أخطائه، لذلك فإن معيار المرحلة المقبلة يجب أن يكون واحدًا فقط: الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.
إن غزة لا تحتاج إلى مسؤولين يجلسون خلف المكاتب، بل إلى رجال ونساء ينزلون إلى الشوارع، يقودون إزالة الركام، ويعيدون الحياة إلى المدن، ويشعر المواطن بأن حكومته تعمل من أجله، لا أن المواطن هو من يعمل لإرضاء حكومته.
هذه لحظة اختبار حقيقية. فإما أن تكون لجنة التكنوقراط بداية لاستعادة الدولة ومؤسساتها وهيبتها، وإما أن تتحول إلى حلقة جديدة في مسلسل إدارة الأزمات، وهو مسلسل لم يعد الشعب مستعدًا لتحمل حلقاته.
لقد قال الفلسطيني كلمته بوضوح: لا نريد شعارات جديدة، نريد وطنًا يُدار بالكفاءة، وعدالةً لا تعرف المحاباة، وخدماتٍ تحفظ الكرامة، ومسؤولين يقيسهم الناس بما ينجزونه لا بما يقولونه.
أما التاريخ، فلن يذكر عدد المؤتمرات التي عُقدت، ولا عدد التصريحات التي أُلقيت، بل سيسجل فقط: من أنقذ غزة عندما كانت على حافة الانهيار، ومن أضاع الفرصة الأخيرة.