تاريخ النشر: 2017-03-01 | 13:20
تاريخ النشر: 2017-03-01 | 13:20
ثلاثة حروب خاضتها غزة ، السيناريو متشابه تماما من حيث المعطيات والنتائج ، مع اختلاف بعض التفاصيل العملياتية ، مجموعات مرتجلة أو موجّهة تطلق بعض القذائف المتفرقة من حين لآخر ، ما بين مناكفة للسلطة الحاكمة في غزة ، وبين الاعتقاد الخادع بأن هذا جهاد مفروض ، تليها ردود محدودة من الاحتلال على مواقع فارغة ، سرعان ما تزداد حدّتها ويستغل الاحتلال الفرصة لضرب أهداف حيوية لحركة حماس استنفدت فيها أموالا ووقتا كبيرا ، مما يجعل المعادلة تتطلب التدخل والرد كنوع من لجم الاحتلال ، ولكن الأوضاع تتدحرج حسب مصلحة الطرفين في خوض مواجهة أطول ، وتقع الحرب وتكسب غزة معنويا صمودها الذي لا خيار سواه ، وتخسر عسكريا وإنسانيا وبشريا واقتصاديا .
الوضع الآن يعود لذات المشهد ما قبل الحروب الثلاثة ، هدوء تام تقريبا لعامين ، ثم بدأت المجموعات الارتجالية أو المدسوسة أو المنتفعة بإطلاق القذائف على الأرض المحتلة ، ورغم التصريحات النارية لوزير الحرب أفغدور ليبرمان قبل توليه حقيبة وزارة الحرب ، إلا أن سيناريو الرد لم يكن عشوائيا ، بل استمر على ذات النمط ، مواقع وأراضٍ فارغة مع زيادة الكم في الغارات الجوية دون إيقاع ضحايا، والآن تدحرج الوضع للأسوأ وانتقلنا للمرحلة التالية ، حيث أن وزارة نتنياهو في مأزق كبير بعد تقرير مراقب الدولة ، وبعد قضايا الفساد ، وأصبحت المعادلة تحتاج للتغيير لكسب النقاط ، فأصبح إطلاق أي قذيقة فرصة ذهبية للاحتلال لضرب أهداف أشد خطورة ، أنفاق ومخازن ذخيرة ومنصات أرضية ، مما يجعل حماس تُستنزَف وتخسر كثيرا ، مما أوصلها للخروج عن صمتها بعد غارات الأمس ، وكان التضارب في نقل تصريحات أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام واضحا ، إذ قالت إحدى الصحف المحلية أن أبو عبيدة قال أن أي حرب قادمة سيكون للمقاومة وعلى رأسها حماس قولها ، وذلك تصريح عادي أن لدى المقاومة ما تقدمه لو وقعت الحرب .
موقع آخر نقل التصريح بشكل مغاير "إن أي عدوان قادم (ضد غزة) على غرار ما حصل بالأمس سيكون للمقاومة وعلى رأسها كتائب القسام كلمتها فيه. والمقاومة اذا وعدت أوفت والأيام بيننا".
التصريح يحمل عدة أوجه ، إذا ما فسرناه أنه رسالة للاحتلال أن حماس مستعدة لخوض حرب والرد مباشرة على أي قصف ، فذلك معناه أن الحركة تنتحر بخوض حرب جديدة تعلم جيدا عدم جاهزية قطاع غزة لتحملها بعد ،لأن نتنياهو ووزير حربه في مأزق أمام الرأي العام " الإسرائيلي" وأي صمت على إطلاق القذائف من غزة سيكون وبالا عليهم وسيكونون مجبرين على التعاطي مع قرار الحرب بإيجابية هائلة ، وذلك أيضا انتحار سياسي لكليهما .
وإذا تعمقنا في التصريح أكثر " على غرار " فذلك قد يكون رسالة للاحتلال تعني عودوا لقصف الأراضي الفارغة ليستمر الصمت ولا نكون مضطرين للرد وتصعيد الموقف ، أي غارات ترضي الرأي العام ردا على القذائف النادرة والمتفرقة التي لا نستطيع منعها ،أما وقوع إصابات أو شهداء في القطاع فذلك معناه أننا مضطرون للرد حتى لو كان الثمن الذهاب إلى الحرب ، وأن الحركة لا تخشى ذلك ، وهذا أيضا رسالة مفادها أن الوضع تحت سيطرة القائد الجديد للحركة سيكون مختلفا وهذا التصريح نوع من التعبير عن سياساته الجديدة في التعامل مع الاحتلال .
بكل الأحوال حماس تدرك جيدا أوضاع القطاع حتى وإن تجاهلت الوضع الاقتصادي وأرجعته للحصار ، فلن يمكنها تجاهل الوضع الإنساني البائس والمتفاقم ، ولن يمكنها تجاهل سكان الكرفانات منذ حرب 2014 ، والجراح التي لم تندمل والضحايا الذين لم تبرد دماؤهم ، ولا بد أن القادة السياسيين يدركون الحقيقة وإن جافتها تصريحاتهم ، والقادة العسكريين تصلهم تقارير ميدانية عن الوضع وبالطبع القائد الجديد ليس بمنأى عن تلك الحقائق ، ويعلم أن قرار خوض حرب جديدة ليس قرارا صائبا على الإطلاق ، وأن سياسة عض الرصاصة هي الأجدى في هذه المرحلة حتى لو كانت المقاومة تعتقد أنها قادرة على صد العدوان أو إيلام الاحتلال ، فلا بد أن تدرك أن الألم الفلسطيني سيكون أكبر ، خاصة في ظل حالة الانقسام وسد منافذ الحياة كلها عن قطاع غزة ، ولا بد أن تتفحص المقاومة جيدا جاهزية الجبهة الداخلية مثلما يفعل الاحتلال وأكثر ، أما المغامرات الغير محسوبة فليست مجدية ولن تأتي إلا بالدمار على قطاع غزة وأهله .
بالمناسبة ، جيش الاحتلال ليس أهطل ، بعد الإعلان أمس عن سقوط قذيفة، وقصف القطاع ، وصدور تصريح أبو عبيدة ، عاد الجيش لينفي سقوط أي صواريخ ، أتمنى ألا تفهم المقاومة ذلك على أنه خوف وتراجع ، الصاروخ سقط فعلا ووراء الأكمّة الكثير من الظلام .