من غير المناسب على الإطلاق أن نقوم بسرد تاريخ حركة فتح المشرف ونضالاتها وتضحياتها الأسطورية ، لأن جميعنا يؤمن بذلك وهذه ليس نقطة خلاف ، لكن بكل الأسف ننظر إلى واقع الحركة الذي لم يعد كما كان بل تحول أو تم تحويله بفعل فاعل إلى حالة مؤلمة وغريبة في أوضاع منفرة لا يمكن تحملها أوإحتمالها من أي إنسان يعرف أهمية حركة فتح والآمال التي تعلق عليها الجماهير الفلسطينية ، ليس من باب الحديث فيما آلت إليه الأمور أو نشر ما يسميه البعض الغسيل القذر ، بل من منطلق الإحساس بهذا الحجم الهائل من الألم والجرح النازف بحسرة ومرارة داخل أصغر شبل فتحاوي ، ويحدونا الأمل والأمنيات لإستعادة الماضي الطاهر لبناء مستقبل أكثر إشراقا لهذه الحركة العملاقة .
من غير المستغرب أن البعض يشعر بالإثم وحجم الجريمة فيما يجري داخل الأروقة والكواليس لضرب الروح الكفاحية في الحركة التي أوصلت صوت القضية الفلسطينية للعالم ، حيث باتت بكل ما لها من إمكانيات وما تمتلكه من كفاءات وخبرات وتجارب عاجزة عن إحداث التغيير الحقيقي بداخلها ، وتقديم ما هو جديد على مستوى التفكير والشخوص والآداء ، وممارسة عملية التجديد والتجدد الذاتي على مختلف المستويات ، والأدهى من ذلك محاولة البعض من المتنفذين وأصحاب القرار فيها السعي الدائم من أجل قتل بذور الأمل فيها من الأجيال الناشئة التي لازالت تحتفظ بطهارتها الثورية وعنفوانها النضالي ، بطرق مباشرة أو غير مباشرة ، يقع في مقدمتها إستخدام الأساليب الخاطئة والمغلوطة في التعامل مع الشرائح المجتمعية المختلفة وعدم القدرة على جذب الجماهير وإستقطاب الكفاءات النوعية من الشباب الذي يمثل روح الحركة وعماد مستقبلها ، في حين أن الكثيرين ينطلقون في تعاملهم مع الحركة وجماهيرها من أجل كسب الولاءات الشخصية والشللية ، وليس من منطلق تعميق مفاهيم الإنتماء الحقيقي والشراكة الفعلية في صناعة المستقبل وتحقيق الأهداف الوطنية الجامعة .
إن قطاعات واسعة من قيادات حركة فتح الميدانية وأنصارها خصوصا تلك الفئة التي دفعت في رأسمالها الكفاحي يشعرون بالخزي لأن الأمانة التي وضعها الشهداء في أعناقهم لم تصان،
بعد أن تحولت اليد التي كانت تضرب في عمق المحتل الإسرائيلي غدت هي نفسها السيف المسلط على رقاب الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره ، وتقف سدا منيعا أما كل محاولة لإيقاع الأذى بالعدو المحتل ضمن معادلة التنسيق الأمني المشؤوم .
فقد أضحت حركة فتح اليوم مجرد إقطاعية للرئيس محمود عباس وشركائه من الإنتهازيين والمنافقين وتجار كل المراحل ، لا يسمح لأحد الدخول أو الإقتراب أو الحديث عنها بغير ما يريد الرئيس الذي يرى لنفسه الحق المطلق في قيادتها وفق مزاجه ومصالحه وتوجهاته الشخصية ، إنها الحقيقة المرة التي لم ولن ينكرها أحد حتى من مريديه وأشياعه وليس فقط من قطعت رواتبهم أو تم فصله من الحركة ظلما وعدوانا ، علما بأن هناك من يتحدث جهرا بهذا الشأن وآخر يكتمه بداخله وغيره يكتفي بالحديث في الجلسات المغلقة .
منذ رحل الشهيد أبو عمار" ياسر عرفات " تبدلت وتغيرت الأشياء ، وجاء عباس ليقلب كل المعادلات ، وفي القلب منها إسكات وإقصاء كل صوت معارض في الحركة وكان الإنقلاب الدموي لحماس على السلطة في قطاع غزة فرصته التاريخية لإحكام قبضته على مقاليد الأمور وتمرير مخططاته العبثية ، ففي غزة الواقع يقول أن فتح أسقطت عنها خيار النضال والبندقية وإختصرت نشاطاتها على اللجان الإجتماعية والمهرجانات في أحسن الأحوال وفقط عندما تسمح حماس بذلك ، كأن قطاع غزة في الوقت الذي تتكدس به المصائب وتتراكم وتتعاظم المشاكل على المواطنين لا يحتاج سوى ذلك .
وعلى الرغم من بقاء بعض المجموعات المتفرقة مثل لواء الشهيد نضال العامودي وكتائب شهداء الأقصى، ولواء العاصفة، ومجموعات عبد القادر الحسيني، تمارس العمل العسكري البسيط الذي لا صوت له ولا صدى يحسب حسابه أما في الضفة فالحال أسوأ، فقد قامت حكومة سلام فياض بتعليمات من الرئيس عباس بعد الإنقلاب الدموي في غزة، بجمع السلاح من أبناء كتائب شهداء الأقصى بمختلف تشكيلاتها العسكرية مقابل عفو اسرائيلي عنهم ووظيفة هنا أو هنالك ، أما الذين رفضوا التسليم فقد قامت السلطة بالتخلص منهم بطريقة أو بأخرى،
في النهاية استطاع محمود عباس وهنا أقول الرئيس لأنه هو المسئول الأول والأخير ورئيس حركة فتح أن يقضي إلى حد كبير على فكرة النضال المسلح في الضفة،حتى أنه أسقطها من التاريخ الفتحاوي العريق، ويحاول أن يطمس الفكرة من وجدان الشعب الفلسطيني ككل.
وعندما نعود إلى الماضي الجميل نتذكر جيدا قيادة تلك المرحلة وعظمتها فمنهم من تسابق على الموت لأجل حماية زميله الثائر ومنهم من إختار أن يحمل مكنسة والنزول على رأس جيل شاب لتنظيف المقابر والمؤسسات وأزقة القرى والمخيمات وشوارع المدينة ، وغيرهم من اقتسم لقمة عيش أطفاله بينه وبين جاره ، وأخرين تتساوى بينهم المهمات لتنظيف حمام السجن دون أن يشعر زميل عن زميل بالتميز ، جميعهم كان يبادر بنفسه ولا ينتظر غيره ، على هذه المبادئ تربينا وتعلمنا وعرفنا فتح ، أما قيادات اليوم وبكل أسف يجلسون في بيوتهم أو خلف مكاتبهم التي لا يخرج منها سوى أوامر وتعليمات ، ومنهم من يرى ويعرف المواطن المحتاج لكنه فقط قد يبادر مسرعا إلى نشر حالته على وسائل الإعلام وفضح احتياجات الناس بديل عن السعي للمساعدة وإغاثة الملهوف ، لذلك من المخجل أن بعض القيادات انجازاته عبارة عن زيارات أو لقاءات في إحياء ذكرى أو مهرجانات يطيرها على صفحات التواصل الاجتماعي وكفى الله المؤمنين شر القتال ..إلخ وخلف مسمى صورني شكرا تنتشر بسرعة البرق صوره وهو محاط بعدد من الشبان وبهذا يخرج علينا قائدنا العظيم !!! على الرغم أنه لو كان قائدا حقيقا على قدر مكانته ومنصبه لفكر قبل فعل ذلك ووقدم ما إستطاع ولو أقل القليل لهذا المحتاج ، تخيل هذا السلوك الإنساني أولا كيف يمكن أن يؤثر أو يعلم الكثير ، والأهم من ذلك هذا الجيل الذي تربى على ثقافة الموازنات والمال وإطاعة التعليمات والأوامر دون الإيمان أو الإلتقاء مع غيره بفكرة ومبدأ أصبح عبئا ثقيلا على نفسه أولا بالجري وراء الولاء قبل الإنتماء.
والحديث موجه لكل فتح من القياديين والمسؤولين والطلائع ممن يرفضون منهج التدجين والخصي السياسي والتنظيمي ، فهم يتحملون كامل المسئولية تحديدا فيما يحدث للشباب أو الجيل الجديد ليس بحكم مناصبهم ومراكزهم بل من منطلق القناعة بضرورة إحياء وبعث الأفكار والمبادىء العظيمة ، فإن هذا الجيل في غالبيته يؤمن بأفكار تلتقي مع من يقودها داخل التيار الإصلاحي ويتطلع إلى إصلاح كل خلل في دوائر صنع القرار القيادية ، التي تحاول بقصد أو بغباء تنفير وإبعاد جيل الشباب عن المشاركة الحقيقية في صناعة مستقبلهم وأخذ دورهم الطبيعي في عملية البناء والإستقطاب والتأطير الجدي من خلال السلوكيات الخاطئة والتصرفات غير المحسوبة وعدم الإحساس بالمسئولية ودون ادراك مدى خطورة ذلك الفعل على الفكرة.
إن حركة فتح بعظمتها وكينونتها قادرة على أن تنهض بقوة وتفرز قيادة عظيمة لها في كل موقع لتكون على قدر التحدي ، ولكن على هذا الجيل أي الشباب أن يدرك تماما أن الحقوق تنتزع ولا تمنح ، بالعطاء والنضال المستمر والمثابرة الدائمة ويبقى الذكاء هنا كيف يمكن لك بعملك وسلوكك وقوتك واستمراريتك أن تنتزعها في إطار التنافس النضالي وليس التنافس المالي على الإمتيازات والموازنات .