ما من شعب تعرض للظلم وما يزال، قدر الشعب الفلسطيني. لكن الفلسطينيين، وطوال مسيرتهم الكفاحية، لم يفرطوا بالمبادئ الأخلاقية لثورتهم بوصفها حركة تحرر وطني. العمليات الاستشهادية لم يبتدعها الفلسطينيون؛ كانت من قبل شكلا من أشكال المقاومة الوطنية لعديد الشعوب حول العالم، مثلها مثل الاغتيالات التي لجأت إليها حركات التحرر الوطني في أفريقيا وأميركا اللاتينية.
ارتكبت الثورة الفلسطينية، من دون شك، أخطاء قاتلة في الأردن ولبنان، وفي بعض الساحات الدولية. لكن لم تشهد أرض فلسطين ولادة حركة متطرفة ودموية على غرار ما تشهده المنطقة حاليا.
التذكير بهذه البدهيات مناسبة لفحص دقة الفرضية التي تربط بين المظلمة الفلسطينية، وبروز الجماعات الإرهابية في العراق وسورية وغيرهما من البلدان العربية.
بصراحة، صلة القرابى بين القضيتين ضعيفة، وتوثيقها بشكل قاطع تعوزه الأدلة.
يمكن للمرء أن يوثق، وبسهولة، الأدلة التي تربط ظاهرة الإرهاب بالاستبداد في سورية مثلا، أو بالاحتلال الأجنبي والإقصاء الطائفي في العراق. لكن تنظيم "داعش"، ومن قبل تنظيم "القاعدة"، وسواهما من الجماعات المتطرفة، لم يولدا في فلسطين. لا بل إن خطاب "داعش" على سبيل المثال لا يأتي على ذكر الاحتلال الإسرائيلي من قريب أو بعيد.
"القاعدة"، وفي عهد أسامة بن لادن، حاولت خلق الرابط مع القضية الفلسطينية؛ فقد أشار إليها أكثر من مرة في خطبه. لكن الصراع المذهبي ظل هو الجوهر الأساسي لخطاب الجماعات المتطرفة.
الوقائع في العراق وسورية تشهد على ذلك؛ فجبهة النصرة اليوم تسيطر على المناطق الحدودية في الجولان، لكن الحدود ما تزال آمنة باعتراف قادة إسرائيل، وكما كانت أيام سيطرة قوات النظام السوري عليها.
لقد ولدت الجماعات المتطرفة في سياق الصراع الحاد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وكانت أفغانستان ساحته المركزية. ثم ما لبثت أن انقلبت تلك الجماعات على راعيتها أميركا، ودخلت معها في صدام عميق بعد تفجيرات 11 أيلول (سبتمبر) 2001. واتسعت ساحات المواجهة بعد الحرب على أفغانستان واحتلال العراق.
وكان الصراع الطائفي في العالم العربي والإسلامي سابقا على تلك التطورات في العراق وباكستان، حيث الحرب المفتوحة بين السُنّة والشيعة، وفي عديد الدول الخليجية كان التأزم الطائفي مكشوفا للعيان.
في البلدان العربية البعيدة نسبيا عن القضية الفلسطينية، ظهرت الجماعات المتطرفة؛ في تونس والجزائر والمغرب. ما صلة هؤلاء بالقضية الفلسطينية؟
يميل بعضنا إلى تحميل القضية الفلسطينية كل مشاكلنا ومصائبنا؛ غياب الديمقراطية بدعوى القضية، وفشل التنمية بسبب الحروب مع إسرائيل، والإرهاب مرده فشل السلام مع إسرائيل.
إسرائيل كيان ولد من رحم الجماعات الإرهابية، ومارس الإرهاب بحق الشعب الفلسطيني وما يزال. لكن إرهابنا من صناعتنا، من طينة بلداننا؛ ثقافتها وموروثها الطويل. هو إنتاج وطني بامتياز لأنظمة قامت على الفصل الطائفي، والاستبداد المذهبي، وخطاب الكراهية للآخر.
المقاتلون في صفوف الجماعات المتطرفة في سورية والعراق حاليا جلهم من أبناء البلدين، ومن دول عربية كثيرة، وعرب مهاجرين، وأجانب أغواهم "داعش" و"القاعدة". حضور الفلسطينيين أصحاب القضية محدود في صفوف هذه الجماعات. أليست هذه مفارقة تفند الفرضية التي تربط بين التطرف والقضية الفلسطينية؟
عن الغد الاردنية