أحدث انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية مع مطلع التسعينيات، عصفاً عميقاً في أبنية الحركة الشيوعية في العالم. وطال العصف بالطبع الحزب الشيوعي اللبناني. فضرب في مشروعية وجوده النظري والسياسي حيث وضعه في دوامة ازمة مستعصية لم يخرج منها بعد، برغم انقضاء عقدين ونصف من الزمن على مفاعيل الانهيار المذكور.
إزاء ذلك، تعاظم الحديث عن الازمة من داخل الحزب ومن خارجه، وسال حبرٌ غزير من اتجاهات ورؤى مختلفة من اجل الوقوف على طبيعتها وامكانيات تجاوزها بصورة أو بأخرى. وأُرجعت الازمة في ضوء ما اشير اليه الى علل متعددة من مثل: التبعية الى المركز السوفياتي، ومنهج الاسقاط الإيديولوجي، وغياب الديموقراطية، ومسؤولية القيادة، وطبيعة النظام الداخلي والازمة الطائفية.
بيد ان هذه العلل تأسّست في أغلبها الاعم على مفهوم موصوف للازمة، هو الذي حكم الى حد بعيد طبيعة المقاربة والتحليل وجعلها تتحرّك بين حديّن، هما أساليب الوصف الشكلانية وطرق التجريب الضيقة.
ثمة قاعدة منهجية في الماركسية تقول بالتحليل الملموس للواقع الملموس. ما يعني، من منطلق، هذه القاعدة ان الحزب الشيوعي كموجود واقعي في المجتمع اللبناني، مدعو ماركسياً الى وعي علاقته مع الملموس المجتمعي الذي ينوجد فيه. وهكذا، في بلد كلبنان، يصبح طرح الأسئلة الآتية ملّحاً من الزاوية الماركسية نفسها: أين تقع الطوائف؟ هل تقع داخل الحزب أم خارجه؟ او كيف يظهر المجتمع الطوائفي في لبنان داخل الحزب؟ وما هو السبيل الذي ينبغي التعامل معه لكي نعي المسار الماركسي الواقعي؟
إذا بقي النموذج التطوري يحكم مفهوم الازمة، يكون الجواب ان الطوائف تقع خارج الحزب. فمن ينظر في الادبيات الحزبية، يجد ان الطائفية كانت تعبر عن آفة أو مرض يسكن الجسم اللبناني، ويشكل عقبة امام نموه وتطوره. وتلك مقاربة أخلاقية ــ قيمية تستند الى نموذج تطوري يخلو من الطائفة والطائفية، ويُنزّه الحزب منهما ما دام يحاكي النموذج ويقتدي به.
ثم قوربت المسألة الطائفية من زاوية جديدة، حيث أُحيلت الطوائف في متنها الى السياسة فحسب، فغدت الطائفة علاقة سياسية. والطائفي، الشكل التاريخي المميّز للنظام السياسي الذي به تمارس البرجوازية سيطرتها الطبقية، فتمنع الطبقة العاملة من ان تتكّون بما هي جماهير، أي بما هي قوة مستقلة. وفي السياق نفسه، غدا الطائفي أيضاً، علّة التناقض المأزقي الذي تعاني منه البرجوازية والذي يتبدى، بين ان يكون الطائفي هو الشرط الأساسي لوجود الدولة البرجوازية اللبنانية، وبين ان يشّكل العقبة الأساس امام بناء تلك الدولة بما هي دولة برجوازية.
لكن هذه المقاربة المتسقة نظرياً لم تتحرّر كلياً من أثر الفهم التطوري فيها وفي مفهومها للأزمة. هكذا، اذا ما استطاعت الدولة ان تتخلّص من شكلها الطائفي، تكون قد حازت على شروط بنائها كدولة برجوازية هي بالتأكيد التي تحاكي دولة النموذج التطوري الغربي.
والحال، فقد تبدّى ان هاتين المقاربتين، المثالين، انطلقتا من بداهة نظرية واعية أو لا واعية، تفيد بأن الطوائف تقع خارج الحزب. لذلك، لم تطرحا الأسئلة الفعلية من اجل انتاج مقاربات ماركسية للملموس الطائفي في لبنان.
أما السبيل الذي يعي المسار الواقعي الماركسي في مثال الطائفية، فهو الذي يرى في اعتقادنا ان الطائفة هي تركيب مجتمعي حقيقي تقوم لحمته او عصبيته على الهوية الدينية او المذهبية، وان الطائفية هي انتظام مؤسسي لهذا التركيب حيث أمكن له ان يخترق كل مناحي النسيج المجتمعي ويتدخل في الاجتماع والاقتصاد والثقافة بقدر ما يتدخل في السياسة والايديولوجيا.
هنا يتاح لنا ان نقول: اذا كان فهم الطائفة والطائفية على النحو الذي تقدّم يندرج في نطاق المسار الماركسي الواقعي، يكون هذا الفهم، قد أُنتج من خارج المفهوم المتداول عن الازمة، ويكون قد تخلّص من مفهوم العقبة امام النمو والتطور، وتحديداً، من عقبة نموذج تطوري معلوم، كان الحزب قد أخذ به ولم يستطع ان يحققه على ارض الواقع على امتداد عقود طويلة.
وعلى أساس الفهم نفسه، يتاح لنا أيضاً ان نسأل: إذا كانت الطوائف تخترق او تحضر في مناحي النسيج المجتمعي كلها، ألا يمكنها ان تحضر في بنية الحزب أو في بنى الأحزاب اليسارية والوطنية الأخرى؟
يدلّنا الملموس الحزبي في لبنان على ان الطوائف حضرت في البنى الحزبية بكيفيات وأشكال لا حصر لها: فقد رأينا بالعين المجردّة ان ثمة تنظيماً ماركسياً قد ارتحلت غالبية كوادره واعضائه الى «حمى» الطوائف. وان الحزب أصيب بنزف كبير اخذ وجهته العامة نحو «مضارب» الطوائف ذات الألوان المختلفة. ناهيك عن ان هناك احزاباً وطنية قد هاجرت بكليتها الى الموسم الطائفي في الشمال والجنوب والبقاع والجبل!
فماذا نسمي هذه الظاهرة؟ هل هي تجديد فكري؟ أم إغناء للماركسية من خلال جديد العلوم الاجتماعية والإنسانية؟ هل هي تفاعل نظري ومعرفي «خلاّق» مع بيار بورديو، وانتوني غيدنز، وموريس غودولييه، ونوربير إلياس، وسلافوي جيجك وإريك هوبز باوم؟ ام انها بحسب التحليل الماركسي الواقعي ناتجة من فعل حضور الطوائف في بنية الحزب؟
وفي مثال مختلف، يدلنا الملموس الحزبي في السودان، ان الحزب الشيوعي السوداني طرح على نفسه السؤال الفعلي المستمد من الواقع، وهو: كيف نبني علاقتنا مع الدين؟ فقدّم جواباً بكيفية خاصة عبّرت عن نفسها بممارسة نظرية وعملية من خلال ما قام به شيوعيون سودانيون من تأدية اشكال الصلاة انسجاماً مع تلك الممارسة التي انتجها ماركسياً، انما من صميم التحليل الملموس للواقع السوداني.
ان مثالاً كهذا، يقدّم درساً بليغاً للوقوف على دلالاته المنهجية والنظرية لجهة وعي العلاقة مع المحسوس المجتمعي في موضوع محدّد، وليس لمحاكاته او اسقاطه على محسوس مختلف. لكن دلالاته تفرض على الحزب الشيوعي اللبناني (وعلى غيره من التنظيمات الماركسية)، ان يطرح السؤال عن علاقته بالدين. وليس على الحزب ان يجيب عنه بشكل مماثل او مطابق، لجواب الحزب الشيوعي السوداني. ذلك ان محسوسَي البلدين مختلفان ومتباينان على غير صعيد. غير أنه ليس من الماركسية في شيء ان يذهب شيوعيون لبنانيون الى أنماط مسلكية علنية تستفز الحسّ العام وتكرّس تهمته المسبقة ضدهم بأنهم ملحدون، من دون ان يدرك هؤلاء، ان هذه الممارسات تشكل احد جوانب المعضلة في الحزب، وتضعهم خارج الواقع الفعلي في مجتمعهم في آن.
قد يطرح السؤال إثر ما عرض آنفا: هل الحزب الشيوعي اللبناني هو حزب طائفي؟
الجواب التطوري الذي يحكم مفهوم الازمة يستهجن هذا السؤال ويستنكره، ويؤكد جوابه البديهي: ان الحزب غير طائفي ما دامت تركيبته تشتمل الهويات الطائفية أو المذهبية كافة في لبنان، وما دام نموذجه الذي يقتدي به يخلو من الطوائف والطائفية.
لكن السؤال نفسه يغدو نافلاً من المنظور الماركسي. ففي ضوء هذا المنظور، الحزب موجود واقعي لبناني، أي انه جزء من الواقع. وككل جزء من كلّ، لا بدّ من أن يحمل حقائق الكل وتأثيراتها فيه. وبما ان الطوائف تجد قنواتها في النسيج المجتمعي كله، من العائلة، الى الحزب، الى النقابة، الى الجمعية، الى الطبقة وصولاً الى الدولة، يغدو الحزب واقعياً، احدى قنوات حضور الطائفية في بنيته.
لكن حضورها فيه يتبدّى بأشكال وبكيفيات خاصة يحكمها جدل العلاقة بين الحديث والتقليدي، أو حضور الحديث في التقليدي، وحضور التقليدي في الحديث. وهي تختلف بالضرورة عن اشكال وكيفيات حضورها في بنى الأحزاب الأخرى سواء كانت يسارية او ليبرالية او قومية او مصنّفة طائفية.
في هذا المقام، لم نتناول المسألة الطائفية لكي نحصر ازمة الحزب فيها؛ بل قاربناها كمثال حيّ على وعي واقعها من داخل الحزب، أي قمنا بتفسيرها بهدف تجاوز حضورها البنيوي. وما ينطبق على مثال الطائفية، نراه يشكّل مدخلاً منهجياً لإعادة انتاج وعي العلاقة بمنظومة الفكر الماركسي من داخل الواقع اللبناني، أي لإعادة انتاج ماركسية تقوم على ممارسة نظرية وسياسية خاصة، وتنفتح على بناء عالم فكري جديد.
وإذا لم يذهب الحزب الى منهجية كهذه، سوف يبقى يدور في حلقة مفرغة من التفسير الاسقاطي للواقع، من دون ان يصل الى أي فعالية حقيقية في تغييره. وسوف يبقى يعيش في حالة أعقد بكثير من الازمة، ما دام لم يأخذ بحقيقة الجدل الواقعي بين التفسير والتغيير، وبجانب وعي الماركسة بصفتها خياراً ايديولوجياً يجد في فكر المنتج، الفكر الأكثر اقتراباً من الواقع المحسوس.
أخيراً، إن خيار الماركسية بالمعنى المجازي، هو زرعٌ كوني غضٌّ. لكن إذا لم تسقِهِ من مائكَ في نيسان، تكون غلَّتُه على بيدَركِ هزيلةً في حزيران.
عن السفير