كما قلت لي قبل رحيلك ، أننا ماضون نحو الوطن ، أو ما يتاح لنا منه ، وكنا على موعد مع بعضه لنبني فيه ما حرمنا من قبل ، ولأنك يا أبتي لم تعد ظاهراً في الحياة ، فأنني الأن أقول لك حيث أنت في غيابك ، لم نحصل على ما كنت تحلم به من أجلنا ، رغم أننا حصلنا على جزء بسيط من وطننا الكبير ، هذا الجزء الذي تقاسمت اطرافه معابر مغلقة ، وموانع وحواجز وجدران شاهقة العلو ، واذا ما تسلقت أمنياتنا للوصل قطعها الغزاة بضغطة زر .
فالأن وعلى بعد سنتمترات زمنية من الذكرى الخمسين لإنطلاقة الثورة ، التي سيشعلها جيل ما بعدك أقول لك أننا لسنا على ما يرام ، كنت بزيك العسكري وإصرارك الضمني ، وتصميمك القوي تحمي ثورتك من الغرباء والمتطفلين ، وتعطي السقاية لعطاش جندك ، الى أن تستقيم فيهم الحياة ، فيدفعون بأرواحهم دفعاً من بعيدهم الجغرافي عن فلسطين ، ويتركون أعمارهم تنتهي تحت صيرورة الكفاح من أجل عناوينك القديمة في يافا واللد والرملة ، كما كان أخوانك اللذين يزحفون فوق الغيم ، ويمطرون الغزاة بالوعود والرصاص ، يبنون أحلامهم في عشاش الصنوبر في لبنان ، ليدخلوا الحياة بكل تفاصيلها نضالاً وقتالاً ومطاردةً واعتقالاً وموتاً على حواف الانتظار ، وهم اليوم مثلك أو بعضهم لم يلحق بك ولا بهم بعد ، ولكنهم هرموا مثل ياسمين المسافرين اضطرارياً ، في صيف جافٍ وقاسِ.
ثورتك في الخمسين من عمرها يا والدي ، وانجبت ثواراً لا يشبهونك البتة ، وليسوا مثلك في فك طلاسم المعركة المستمرة ، فغبار سلاحك الذي كان مهاجراً عندك ، أصبح مقيماً دائماً في سلاح من خلفك ، حتى باتت ذخائرهم صور في ذكريات مضت ، وأصبحت عباراتهم مستحدثة جداً ، ليس فيها كلمة واحدة من قاموسك الناري ، وقلوبهم أرق من حبل غسيل هزيل أمام ريح طرية ، وعيونهم نصف غافية ، وخرائط الكمائن ، أصبحت رموزاً لعقول لم تعد تستوعب سوى " الا نتر " البري الذي جعل من ثورتك صور ، ومن نضالك رفاهية لم يكن لها عوز .
في الخمسين من عمر ثورتك ، لا زلنا ندقق في مناظير الرضى عن مفاهيم تقربّنا من محتلنا ، لنصل إلى ما نريد أو بعض ما نريد بلين السنونو ، ولطف الندى عند الصباح الباكر ، ونسمع أصواتنا في صدى العائدين الى أحلامهم ، فلا درج طويل لمأذن التكبير ، ولا دروب لأجراس تقرع ، لتخرج الماجدات بشارات النصر ، وغفران المسيح ، ولكنها القليل من الخطوات تكفي لننساك ونتركك خلف الوادي السحيق لزمن لم يعد يعنينا ، أو لسنا معنين به كثيراً ، لأنه زمانك الناري ، وحشرك السريع للهتّاف من أجل هدم المخيم ، وطرد الزنزانة ، والاقتراب أكثر في التلاحم الفدائي ،من النهر الذي اغتصب العودة منك ، ذاك زمانك الذي لم نعد نجيد قراءته كما يجب يا أبتي .
الخمسين هذه كسيحة ، وأرملة ، وبائسة حد الحزن المالح ، فالمتاح من الوطن الذي بين أيدينا الأن ، يمسمرنا على سلم الحياة كالدمى ، فالرفاق مختلفون على أولوياتهم ، والأخوة مختلفون على طرائق الموت ، والكل مختلف مع الكل على الحياة ، فأي وجع هذا الذي تركتنا فيه لوحدنا ، من بعدك لنضل ونشقى ، ولا دليل لنا في مسار أصبح ثقوباً في فضاء عقولنا .
في الخمسين من ثورتك شعلة لازالت تضحك علينا برمزيتها ، وتطفأ خلف الصور ، لتخرج من مشوارنا كأرنب مجازي السرعة ، واقعي الهروب ، ولا نجد نصاً واحداً يذكرنا بك غير شعارك الأخير قبل أن تعانق الغياب فيأخذك بكامل هيبتك ، ويتركنا على رصيف بارد ، ننتظر الشعلة الثانية .
ويستمر الأمل ..