تاريخ النشر: 2015-12-14 | 09:17
تاريخ النشر: 2015-12-14 | 09:17
نسيم عليل يتسلل عبر تلك النافذة المطلة على المسجد الأقصى ، يحتضن جسده حين كان يقرأ التشهد في صلاة الفجر ، أتم صلاته وأتجه إلى يدين والديه يقبلهما ، يرفرف قلبه فرحاَ من ابتسامة رضي من أمه ونظرة فخر من أبيه .
حان وقت الإفطار ، تلك المائدة البسيطة يرافقها أكواب الشاي ، لكن كان ينقصها الخبز ، قال لا عليكم هناك مخبز في الحي المجاور أنه يعمل حتى ساعات الصباح الباكر ، قاطعته الأم : أخشى عليك من المستوطنين أنهم يملئون ذلك الحي ، قال : لا عليك يا أمي فلن يصيبني إلا ما كتب الله لي .
خرج من المنزل ويتأمل شوارع القدس في هذا الوقت المبكر مع قرب شروق الشمس كان نادراً ما يخرج في هذا الوقت كان كل شئ يبدو جميلاً ، تنقل من شارع إلى أخر متجه نحو ذلك المخبز ، وقبل أن يصل الى المخبز بقليل عكر صفو صباحه مشهد أثنين من المستوطنين من ذوي السوالف مدججين بالسلاح ، يرمقونه بنظرات الحقد والخوف فعندما لاحظوا ملامحه العربية هرعت أصابعهم الى زناد السلاح وتسارعت خطواتهم وأقتربوا من بعضهم ومروا عليه وهم بقولون : أنه عربي أنه عربي !! .
لم يكترث لهم كثيرا ، ووصل إلى المخبز و القي السلام والتحية على البائع المسيحي الذي رأى المشهد كاملاً ، فرد عليه التحية وأعطاه الخبز وقال : لا تقلق يا صديقي سيرحلون كما رحل من قبلهم ، فأخذ منه الخبز قائلاً : أجل سيرحلون ، وأنطلق عائداً إلى المنزل .
خلال ذلك كان ضوء النهار بدأ يتسلل إلى مدينة القدس معلنا بداية يوم جديد من الألم وربما الأمل في الحرية والسلام .
يتبادل الوالدين الحديث وكذلك القلق على أبنهما ، فهذا حال كل من يسكن القدس من العرب الفلسطينيين ، , انتهى الحديث بقول الأب : لا تقلقي فهو في رعاية الله .
في ذلك الحين كان لا يزال يخطو الخطوة تلو الخطوة وفي يده الخبز ، وعقله شارد يحلم على أنغام عصافير الصباح في غد أفضل يحمل بين طياته السلام والحرية .
فجأة كل شيء توقف وصمت على صوت ضحكات المستوطنين المتجمعين بكثرة على تلك الزاوية من الطريق ، أستمر في السير لكن بخطوات مترددة فمشهد أولئك المستوطنين كان أشبه بقطيع الكلاب الضالة ، المتعطشة لدماء المستضعفين لتتكالب عليها ، وما أن شاهدوه يقترب منهم ساد الصمت بينهم وتبادلوا الابتسامات الباردة الخبيثة وكأنهم وجدوا ضالتهم ،شاب عربي في ربيع العمر نعم أنه المطلوب ، واتفقوا أن يتجه أثنين منهم لاستفزاز الشاب ، ويا لهم من جبناء هؤلاء فقبل أن يصلوه بادر أحدهم بتوجيه سلاحه نحو الشاب ليطلق النار ، لكن الرصاصات لم تصب الشاب فأخذ يركض بالاتجاه المعاكس لهم وتلاحقه شتائمهم العنصرية القذرة كما الرصاصات وهم يركضون خلفه كالكلاب المسعورة ، لم يركض كثيراً حتى إصابته إحدى الرصاصات وسقط على الأرض مدرجا في دمائه محتضناً الخبز الذي تشبع بدمائه ولم يسلم من رصاصهم المنهمر كالمطر على جسد الشاب ، انتقلت روحه إلى عنان السماء شهيداً نعم شهيداً على الظلم والكفر في شوارع القدس وكل فلسطين .
توقف أطلاق النار على جثة الشاب ، ولكن الشتائم لم تتوقف من أفواه القتلة المستوطنين ، كما شلال دمائه في شوارع القدس ، تقدم أحدهم نحو جثة الشاب ليدفعها بقدمه ليتأكد من موته ، وليواري جريمته بإلقاء سكين بجانبه وتصويره بهاتفه ، تحت زعم انه كان ينوي طعن أحد المستوطنين ، لكنه وجده يحتضن الخبز الغارق بالدماء ، فما كان منه ألا أن قذف بقدمه الخبز بعيدا لكي لا يكون شاهدا على جريمتهم النكراء ، ألقيت السكين بجواره وأخذوا الصور بعدما أشبعوه من الرصاص والشتائم التي تعبر عن مدى حقدهم وعنصريتهم والعنجهية المتجذرة في عقولهم ، كل هذا حدث تحت حماية ومباركة ما تسمى الشرطة الإسرائيلية ، التي سجلت الحادثة بأنها محاولة اعتداء على مستوطن بالطعن .
لكنهم لا يعلمون أنه رحل إلى عدالة السماء عدالة رب العباد ، ليشكوهم لرب حرم الظلم على نفسه .
وهناك في الطرف الآخر استيقظ الكثير من السكان على صوت الرصاص فزعين ، كما أخترق صوت الرصاص مسمع والدي الشاب ، لتنقبض قلوبهم على أبنهم ، فخرج الأب مسرعا يتعقب صوت أطلاق النار ، تاركا خلفه أم رسمت على وجها علامات الصدمة والخوف وكما وتسللت من عينها الدمع ، ليصل إلى مكان الجريمة كما وصل العديد من السكان الذين منعهم الجيش والشرطة من الاقتراب ، لكنه أستطاع أن يميز أن تلك الجثة هي لأبنه ، ليسقط بين الجموع منهاراً صارخا في وجه الجنود : ولدي يا قتلة لماذا ؟؟؟ لماذا ؟!! ماذا فعل لكم ؟؟!! ويقابله الجنود بالصراخ والدفع إلى أن تلقى ضربة على رأسه بعصا أحد الجنود ليغيب عن الوعي بين الجموع ليحتضنوه ما بين مسعف ومواسي له ، وبقيت الأم تنتظر ولازلت تنتظر كما القدس تنتظر من لا يأتي .