تاريخ النشر: 2025-08-22 | 13:40
تاريخ النشر: 2025-08-22 | 13:40
في ايّام العز، او ما يُسمى بالزمن الجميل، كانت بلادنا تزخر بالبيّارات،بيارات البرتقال والليمون والجريب فروت في يافا وحيفا، وفي غزّة، وفي اريحا والاغوار،
وفي قلقيلية وطولكرم، وفي منطقة وادي قانا بين الجبال والتلال المزيّنة باشجار البلّوط والهواء النقي، بين بلدتي ديراستيا وجينصافوط،
وكان اهل الخليج العربي في الكويت والامارات والسعودية يأكلون من حمضيات فلسطين، ومن بطيخ وشمام مرج ابن عامر، من جنين والسيلة الحارثية،
وطبعا من زيت وزيتون فلسطين إلى يومنا هذا،
هذا يا سادة يا كرام يا افاضل يا اجاويد اصحاب الحظ السعيد والعمر المديد، كان سابقا، ايام العز وفي الزمن الجميل،
لكن هذه الايام، في السنوات الاخيرة، ومع تمدّد وقسوة وبطش الاحتلال، انقلب الحال والمآل، وتحوّلت بلادنا إلى "معرضٍ للبوّابات الحديدية"، التي يفرضها الاحتلال في كل بقعة ومكان في الضفة الغربية المحتلة، لاغلاق المدن والقرى وما بينها، ومحاصرتها وخنقها،
بوّابات في كلّ مكان، اصبحت شهيرة ومشهورة، بسب صعوبتها وتفنّنها في اعاقة ومنع تحرّك الفلسطينيين بين مدنهم وقراهم ومناطقهم شمالا وجنوبا ووسطا،
وهناك "نشرة جوّية بوّابية" مُستحدثة، عن احوال الطرق والحواجز، والبوابات، اذا ما كانت مقفلة او مفتوحة، أو "سالكة بصعوبة"،
وفتحها واغلاقها يمكن ان يتغيّر في اي لحظة وحين، وبسبب نزق وغطرسة جنود الاحتلال، الذين يتحكّمون باغلاقها وفتحها حسب اهوائهم ومزاجياتهم!!!،
فلو اردنا ان نُسافر مثلا من رام الله وسط البلاد إلى مدينة الخليل جنوبا،
في الوضع الطبيعي والظروف العادية، فان الرحلة هذه ربما تستغرق بالسيّارة من ساعة إلى ساعتين،
أمّا في ظروف هذه الايام ومع وجود وتواجد وفرض البوّابات الحديدية والحواجز العسكرية في الطريق، فمن الممكن ان تستغرق الرحلة حتى خمس ساعات او يزيد!!!،
"تبدأ المعاناة منذ اللحظة الاولى على مخرج "ال دي سي او"، بيت ايل، مدخل ومخرج البيرة الشمالي، حيث البوابة الحديدية والحاجز العسكري الذي يعمل "بنظام السلحفاة"، أي تمرير السيارات خروجا من المدينة "بالقطارة وليس بالمزراب"،
فمن الممكن ان تنتظر على الحاجز ساعة كاملة حتى يأتي الفرج وتجتاز الحاجز بعد تدقيق وتفتيش واسئلة،
تنطلق بعدها نحو الشارع الالتفافي، مع مخاطرة وجود مستوطنين شرسين امام الميتوطنة المقامة على مدخل بلدة رافات،
ومن هناك في السارع السريع حتى نفق مفرق جبع، وصولا إلى بلدة حزما، حيث من الممكن ان يظهر لك فجأة حاجز عسكري يعيق استمرار سيرك،
ومن هناك إلى مدخل بلدة عناتا والسير طويلا إلى جانب جدار الضم والتوسع الذي يتلوّى كالافعى ليفصل اراضي الضفة الغربية بعد القضم منها عن اراضي ال 48،
وصولا إلى حاجز الزعيّم الذي يبدو كحدود دولية بين دولتين،
هبوطا وصعودا إلى مدخل مستعمرة معالية ادوميم، وهي من اكبر المستعمرات وتبلع الاراضي المحيطة بالقدس،
إلى العيزرية من ضواحي القدس، لكن دون التمكّن من الوصول إلى القدس ولوكانت على بُعد "خبط العصا"، بسبب الاحتلال،
ثمّ انحدارا في بداية طريق ما يُسمّى "وادي النار"،
بعد العيزرية وعلى طرف ابوديس الجنوبي تصطدم ب "حاجز الكونتينر"،
ولحاجز الكونتينر هذا قصة تُحكى ورواية تروى، فقد كان، واخذ اسمه من "كونتينر حديدي"، موضوع على مشارف ابو ديس من جهة، وبيت لحم من جهة اخرى،
ويُعتبر الحاجز الذي يقسم الضفة الغربية نصفين، شمالا ووسط وجنوبا،
في يوم ما قبل سنوات نشر خبر في الاعلام ان اسرائيل ستزيل الكونتينر،
استبشر الناس خيرا، لكن اسرائيل فعلا ازالت الكونتينر الحديدي واقامت مكانه بنية عسكرية اشبه ما تكون بالحدود الدولية بين دولتين!!!،
تجاوز حاجز الكونتينر مرحلة مهمة في الرحلة إلى الجنوب، لانه من الممكن ان يتم ايقافك لساعة او ساعتين، حسب الظروف ومزاجيات جنود الاحتلال،
صعودا بعد تجاوز الكونتينر تستقبلك بلدة العبيدية التي تمتد وتستريح على عدة تلال، تستقبلك "بدلّة قهوة كبيرة"،
بعد العبيدية تجد نفسك مباشرة في مدينة بيت ساحور، وحقل الرعاة، ومنها إلى "البيت الثلاث"، بيت لحم وبيت جالا، وكلّها مناطق فلسطينية مصنّفة مناطق "أ"،
فالى مخيم الدهيشة وإلى بلدة الخضر،
الآن بعد الخضر يتوجب عليك اجتياز بوابة النشّاش، وحاجزها العسكري، وانت وحظّك ان تكون مفتوحة او مقفلة،
ومن هناك في الشارع العريض إلى "مفرق عصيون، حيث يتواجد الجنود بصورة دائمة،
ومن هناك إلى مشارف بلدة حلحول وبوابة النبي يونس،
فاذا كانت مفتوحة تمرّ عبر حلحول إلى الخليل وإذا كانت مقفلة يتوجّب عليك السير جنوبا في الشارع الإلتفافي حتى بوابة راس الجورة، فاذا كانت مفتوحة تمر، واذا كانت مقفلة، تسير غربا طويلا حتى بوابة فرش الهوي، المكتظة بالمركبات بصورة شبه دائمة،
كما يُقال: "تعرف وقت ما تسافر لكن لا تعرف مع كل هذه البوابات والحواجز وقت ما تصل،
وهكذا كثُرت في بلادنا وتكاثرت البوابات والحواجز وقلّت البيارات،
لان بيارات يافا وحيفا بيدهم، وبيارات غزة دمروها كما دمروا حقول الفراولة وزراعة الورد، ودمروا كل شيء في قطاع غزة،
وبيارات الاغوار سرقوها واستولوا عليها بالقوة والاستيطان،
وبيارات قلقيلية، ومزارع الجوّافة خنقوها كما خنقوا المدينة بالجدار، وبيارت طولكرم استولوا على اراضيها،
أمّا بيارات وادي قانا فقد بنوا مستوطنتين فوق التلال الراكبة للوادي ومياهه وبياراته، وبدأوا عمدا باغراق الوادي الخصيب بقاذورات مجاريهم، فتلوّثت المياه وانحسرت البيارات،
ولوّثوا حتى اجواء اشجار البلوط وهوائها النقي.