تاريخ النشر: 2026-10-19 | 08:41
تاريخ النشر: 2026-10-19 | 08:41
يـعـرف الـعـامـلـون فـي حـقـل الـدّراسـات الـسّـيـاسـيّـة والـعـلاقـات الـدّولـيّـة أنّ الاقـتـصـاد حـسّـاسٌ جـدّاً تـجـاه الأزمـات الـفـاجـئـة أو الـمـتـوقّـعـة، وأنّـه سـرعـان مـا يـشـهـد عـلى انـكـمـاشٍ أو تـراجُـعٍ أو أيِّ نـوعٍ مـن أنـواع الاخـتـلال وعـدمِ الاسـتـقـرار مـا إنْ يـجـد نـفـسَـه أمـام أيّ مـشـكـلـة. لـعـلـمـاء الاقـتـصـاد مـا يـفـسّـرون بـه هـذه الـحـالـة: ارتـبـاطُ أحـوال الاقــتـصـاد، إيـجـابـاً وسـلـبـاً، بـأوضـاع السّـيـاسـة وعـدمُ قـدرة هـذا الاقـتـصـاد عـلـى الـتّـحـكُّـم فـي نـفـسـه - بـمـيـكـانـيـزمـاتـه الـذّاتـيّـة - لـوقـوعـه تـحـت طـائـلـة الآثـار الـسّـيـاسـيّـة الـوافـدة عـلـيـه مـن خـارج. أمّـا عـلـمـاءُ الـسّـيـاسـة والـبـاحـثـون فـي الـعـلاقـات الـدّولـيّـة - الـذيـن يـصـادقـون عـلى هـذا الـرّبـط الـعـضـويّ بـيـنـهـمـا - فـيـضـيـفـون إلـى ذلـك مـا يـفـيـد أنّ الـعـلاقـة بـيـنـهـمـا لـيـسـت عـلاقـةً مـن جـانـب واحـد، بـل مـتـبـادَلـة الأثـر؛ حـيـث إنّ الـسّـيـاسـة الـتـي يـخـشـى مـنـهـا الاقـتـصـاد وقُـواهُ ويـنـسُـبـون إلـيـهـا مـشـكـلاتـه هـي عـيـنُـهـا تـلك الـتي تُـسـعِـفـه، عـنـد الـشّـدّة، بـسـيـاسـاتٍ إنـقـاذيّـة؛ لـذلـك لـيـس للاقـتـصـاد، بـالـتّـالـي، أن يـكـون عـن آثـارهـا بـمـعـزلٍ ولا أن يـقـوم بـذاتـه مـن دونـهـا؛ فـهـي بـيـئـتُـه الـمـحـيـطـة والـمـاءُ الـذي فـيـه يـسـبـح والمـوردُ الـذي يـمـتـح مـنـه شـروطَ الإمـكـان...
لـيـس فـي حـسـاسـيّـة الاقـتـصـاد تـجـاه الـسّـيـاسـة مـا يُـسـتَـغـرب؛ إذِ الـسّـيـاسـةُ مـرجِـعُ حـركـة الاقـتـصـاد، فـي أيّ اجـتـمـاعٍ إنـسـانـيّ، وضـابـطُ إيـقـاعـهـا والـمـؤطِّـرُ لـهـا الـذي يـرسـم الـوجـهـات ويـفـتـح الـمـمـكـنـات أو يُـغـلـقـهـا فـي وجـهـهـا. ألـيـس بـالـسّـيـاسـات يـنـتـظـم أمـرُ الـنّـشـاط الاقـتـصـاديّ ويَـنْـحَـكـم بـأحـكـامـهـا؟ إنّـهـا هـي الـتـي تـسُـنّ الـقـوانـيـن والـتّـشـريـعـات الـتـي تُـنَـظِّـم كـل عـمـلٍ اجـتـمـاعـيّ بـمـا فـيـه الـنّـشـاط الاقـتـصـاديّ، عـلـى الـنّـحـو الـذي لا مـجـال فـيـه للـحـديـث عـن اسـتـقـلالـيّـة نـاجـزة لأيّ عـمـلٍ وإنْ بَـدَا حُـرّاً: عـلـى مـا قـد تـوحـي بـذلـك، مـثـلاً، عـبـارة «الاقـتـصـاد الحـرّ». قـوانـيـنُ الـسّـيـاسـة وتـشـريـعـاتُـهـا، وهـي صـادرة عـن مـؤسّـسـات سـيـاسـيّـة عـلـيـا، تـشـمـل كـلّ مـا يـدخـل فـي تـكـويـن الـعـمـلـيّـة الاقـتـصـاديّـة: قـوانـيـن الاسـتـثـمـارات، الـضّـرائـب، الـتّـجـارة، الـمـلـكـيّـة، نِـسـبُ الـفـائـدة الـتي يـحـدّدهـا الـبـنـك الـمـركـزيّ... ومـا إلـى ذلك. لـذلـك ثـمّـة، عـلى الـدّوام، نـزاعٌ صـامـت (أحـيـانـاً جـهـيـرٌ) بـيـن مـنـطـق الاقـتـصـاد، الـنّـزاع إلـى الـحـرّيّـة والـتّـفـلّـت مـن الـقـيـود، ومـنـطـق الـسّـيـاسـة/ الـدّولـة الـذي يـنـزع إلـى فـرض سـلـطـانـه الـشّـامـل عـلى كـلّ فـاعـلـيّـة اجـتـمـاعـيّـة، وخـاصّـةً حـيـن تـكـون الـفـاعـلـيّـةُ تـلك تُـزاحـم الـدّولـةَ عـلى كـثـيـرٍ مـن حـقـوقـهـا الـمـادّيّـة الـتـي لا قـيـام لـهـا ولـوظـائـفـهـا إلاّ بـهـا (الـضّـرائـب مـثـلاً).
ولأنّ حـركـة الاقـتـصـاد تـجـري فـي نـطـاقٍ مـرسـومـةٌ حـدودُه الـقـانـونـيّـة بـإحـكـامٍ مـن قِـبـل الـسّـيـاسـة، كـان عـلى تـلـك الحـركـة أن تـنـكـبـح فـي انـدفـاعـتـهـا، اضـطـراراً، عـنـد الـحـدود الـتـي تـتـفـادى فـيـهـا الاصـطـدام بـالـزّجـر الـسّـيـاسـيّ فـتـخـسـر الـكـثـيـر فـي اصـطـدامهـا ذاك؛ لا لـضـعـفٍ فـي الاقـتـصـاد وقـوّةٍ فـي الـسّـيـاسـة، بـالضّـرورة، بـل لأثـمـانٍ اقـتـصـاديّـة سـتُـدفَـع ذاتـيـاً مـن وراء مـثـل ذلـك الاصـطـدام وحـيـث الاقـتـصـادُ لا يـنـمـو فـي أجـواء مـلـبَّـدة وفـي بـيـئـة صـراعـيّـة؛ وهـذا مـا تُـدركـه السّـيـاسـة وتُـسـلِّـم بـمـصـلـحـتـهـا فـيـه. هـذا يـعـنـي، ابـتـداءً، أنّ خـضـوع الاقـتـصـاد لـشـرائـط الـسّـيـاسـة يـرتِّـب عـلى الأخـيـرة مـسـؤولـيّـة تـأمـيـن ظـروف صـحّـيّـة مـواتـيـة للاقـتـصـاد والـنّـشـاط الاقــتـصـاديّ. ولـعـلّـهـا مـسـؤولـيّـة مـوضـوعـيّـة تـفـرض نـفـسَـهـا بـالـتّـلـقـاء؛ حـيـث لا يـسـعُ الاقـتـصـادَ أن يـدافـع عـن نـفـسـه بـنـفـسـه، ولا حـتّـى أن يـحـصّـن مـكـتـسـبـاتـه إن لـم تـوفّـر لـه الـسّـيـاسـةُ/ الـدّولـةُ ذلـك. لـكـنّ الـسّـيـاسـة تـظـلّ، فـي مـعـيـارٍ اقـتـصـاديّ، حـمَّـالَ أوجُـه: فـهـي قـد تـضـمـن الاسـتـقـرار الـذي يـعـتـازُه الـنّـشـاطُ الاقـتـصـاديّ، بـل عـلـيـهـا أن تـضـمـنـه لـقـاء مـا تـأخـذُه مـنـه؛ ولـكـنّـهـا قـد لا تـصـيـب حـظّـاً مـن الـنّـجـاح فـي ذلـك فـتـكـون الـنّـتـيـجـةُ أن تُـودِيَ بـه و، بـالـتَّـبِـعـة، بـالاقـتـصـاد عـيـنِـه الـذي يـتـأثّـر سـلـبـاً بـكـلّ أزمـةٍ أو اضـطـراب.
ولـمّـا كـان الـرّأسـمـال جـبـانـاً، كـمـا يـقـال، يـتـنـكّـب عـن أيِّ إقـدامٍ مـا إنْ يـشـعـر بـأنّ بـيـئـة الاسـتـثـمـار غـيـرُ مـسـتـقـرّة ويـعـتـورهـا ظـواهـرُ مـأزمـة، كـان غـالـبـاً مـا يـمـيـل إلـى الانـكـمـاش والإضـراب (عـن الاسـتـثـمـار)، أو الـبـحـث عـن وِجـهـات أخـرى أدعـى إلـى الاطـمـئـنـان، الأمـر الـذي تـصـيـب الـمـجـتـمـعَ (والـدّولـةَ بـالـتّـالـي) أضـرارٌ مـادّيّـة كـثـيـرة مـن ذلـك الانـكـفـاء الاسـتـثـمـاريّ أو مـن نـزوح الـرّأسمـال. لـكـنّ مـوقـفـاً ثـانـيّـاً يُـبـديـه الـرّأسـمـالُ وقـواهُ، أحـيـانـاً، قـد لا يـكـون أقـلّ خـطـورةً عـلى الـمـجـتـمـع والـدّولـة مـن الـمـوقـف الأوّل؛ إنّـه مـنـاصـبـةُ الاقـتـصـاد الـعـداءَ للـدّولـة ودعـوةُ قـواهُ إيّـاهـا إلـى كـفّ يـدهـا عـن الـتّـدخّـل فـي الـحـيـاة الاقـتـصـاديّـة. تـبـدأ مـطـالـبـات الاقـتـصـاد، هـنـا، بـدايـاتٍ «مـتـواضـعـةً» بـالـدّعـوة إلـى الخـوصـصـة، وتـحـريـر الأسـعـار، واحـتـرام «قـوانـيـن الـسّـوق»، وتـقـديـم الـحـوافـز، وتـنـشـيـط الـقـروض... ولـكـنّـهـا قـد تـسـتـقـرّ عـلـى نـهـايـاتٍ مـدمِّـرة مـن جـنـس الـمـطـالـبـة بـتـقـيـيـد وجـود الـدّولـة وعـمـلـهـا بـل ووقْـف أيِّ تـدخُّـل مـنـهـا فـي الـمـياديـن الاقـتـصـاديّـة! ومـا اللّـيـبـرالـيّـة الـمـتـوحّـشـة الـتـي عـادت لـتـفـرض نـفـسَـهـا فـي الـنّـظـام الـرّأسـمـالـيّ، مـنـذ الـعـهـد الـرّيـغـانـيّ- الـتّـاتـشـريّ، فـي ثـمـانـيـنـيّـات الـقـرن الـعـشـريـن، حـتّـى الـيـوم إلاّ الـتّـبـدّيّ الـمـادّيّ لـرجـحـان كـفّـة الـمـطـالـبـات الـقُـصـوويّـة لـقـوى الـرّأسـمـال فـي مـجـتـمـعـات الـيـوم.
فـي مـثـل هـذه الـعـلاقـة الـمـعـقّـدة بـيـن الاقـتـصـاد والـسّـيـاسـة، فـي الـمـجـتـمـعـات الـمـعـاصـرة، نـحـن لا نـسـتـبـعـد أن تـتـصـرّف الـسّـيـاسـةُ تُـجـاه الاقـتـصـاد تـصـرّفـاً انـتـفـاعـيّـاً ومـن جـانـبٍ واحـد، كـأن يـحـرص نـظـامٌ سـيـاسـيّ مّـا عـلى اسـتـثـمـار مـكـتـسـبـات الـتّـنـمـيـة الاقـتـصـاديّـة فـي بـلـدٍ مّـا لـتـعـظيـم مـكـانـتـه الـسّـيـاسـيّـة وتـرسـيـخ قـوّتـه الـتّـمـثـيـلـيّـة وسـط الـشّـعـب والـجـمـهـور الـنّـاخـب. لـكـنّ مـنـطـق الـدّولـة غـيـرُ مـنـطـق الـنّـظـام الـسّـيـاسـيّ؛ إذْ تـحـرص الـدّولـة - بـمـا هـي تـمـثـيـلٌ للـكـلِّ الاجـتـمـاعـيّ - عـلى إتـيـان سـيـاسـاتٍ عـامّـة تـعـود بـأجـزل الـمـنـفـعـة عـلى أصـعـدة الـمـجـتـمـع كـافّـة، ومـنـهـا صـعـيـدَا الاقـتـصـاد والـسّـيـاسـة. بـمـقـدار مـا تـحـتـاج الـدّولـة إلـى ثـمـرات الاقـتـصـاد الـوطـنـيّ مـورداً لـعـملـهـا، يـحـتـاج الاقـتـصـاد إلـى الـدّولـة حـامـيـاً ومـلاذاً. فـي مـثـل هـذه الـعـلاقـة الـصّـحّـيّـة نـفـهـم لـمـاذا كـانـتِ الـسّـيـاسـةُ/ الـدّولـة تَـهْـرَع إلـى إنـقـاذ الاقـتـصـاد إنْ ألـمّـت بـه مـصـيـبـة، عـلـى نـحـو مـا فـعـلـت فـي الأزمـتـيـن الاقـتـصـاديّـتـيـن الـعـالـمـيّـتـيـن للـعـام 1929 والـعـام 2008: لـقـد كـانـت، عـمـلـيّـاً، تـنـقـذ نـفـسَـهـا بـإنـقـاذه.