يقف متحف طولكرم صامدا ثابتا في مواجهة محاولات طمس الهوية الفلسطينية ومفندا لمزاعم وزيف وكذب ادعاءات اليهود في حقهم التاريخي بأرض فلسطين .
هذا المعلم المهم من معالم مدينة طولكرم هو الأضخم والأكبر بين أمثاله المنتشرة في محافظات الوطن يعمل على توثيق حقائق تاريخية ونفي شرعية الباطل بمقتنياته المتنوعة وآثاره التي تم جمع معظمها يدويا.
كانت زيارتنا له قد فاجأت القائمين عليه كوفد من جبهة النضال الشعبي الذي يمثل فصيلا وطنيا جاء لأول مرة سابقا غيره كي يدعم ويوثق الصلات ويلقي الضوء على معلم مغيب يحتوي على الكثير الكثير رغم ضيق المكان ورغم قلة موارده .
إن مقتنيات هذا المتحف المتميز ليست فقط حجارة أو جمادات يقف عليها حراس يحمونها من العبث أو التخريب بل هي أدلة وبراهين على فلسطينية المكان وعروبته ، وعلى جذور التاريخ المحملة بعبق القدماء الذين شكلوا طبقات الأرض من الأقدم الى الأحدث واستماتوا كي يورثونا آثارهم ويدلونا عليها بجغرافيتهم التي لا تكذب أبدا .
في حديثنا عن الماضي نستلهم الدروس والعبر ونخطط للمستقبل، هذا المستقبل الذي تحيكه خيوط الحاضر وتلهبه توقعات الباحثين عن الحرية من اجل التحرر والاستقلال.
ما يحتويه المتحف ليس الماضي فقط وإنما ما حمل من رموز التاريخ التي تصب كلها في ميزان العدل وتزيح الستار عن أسرار الوجود التي أشارت الى وجود الكنعانيين في فلسطين قبل دخول موسى والإسرائيليين إليها بحوالي 1700 سنة وان ما دون ذلك لا يمت الى الحقيقة بصلة. والباحث في باطن الأرض قد يجد آثار الحضارات القديمة جدا في طبقات أسفل آثار غيرها ممن جاء بعدها وهذا وثيقة تعطي الوجود شرعيته وتثبت هوية ساكني المكان.
لقد ألهب مشاعرنا كثيرا شرح السيد خالد الهمشري، مدير متاحف الشمال في وزارة السياحة والآثار عن بقايا العصور الحجرية والكنعانية والرومانية والإسلامية وغيرها التي يحتويها المتحف ، وأثارنا أكثر حماسه ومحاولاته الجادة في كشف ما تخفيه القطع المتناثرة من أسرار لم تفشها عوامل الطبيعة ، ولم يؤل جهدا في إجابة استفساراتنا بطلاقة وخبرة وأعلن عن استعداده للذهاب الى أي مكان في فلسطين للبحث واستخراج الآثار التي تثبت عراقة وأصالة شعب فلسطين على مر العصور وعلى حقه الأبدي في أرضه التي لن يزحزحه عنها أي احتلال أو أية قوة غاشمة مهما فعلت .
ومن جهتها أشارت السيدة حنان جبارة أمينة المتحف الى الجهود الجبارة التي بذلوها من اجل إثراء المتحف بكل ما يتعلق بفلسطين لأهمية العمل على تطويق كافة الهجمات المضادة التي تحاول تغريب الشعب الفلسطيني عن أرضه وهو صاحب الحق الأبدي فيها . وعن العقبات التي يواجهونها أشارت الى أن ما يحتويه المتحف في خزائنه أكثر مما هو معروض لأنه من الصعب عرضها بالشكل المناسب بسبب الحاجة الى مكان أوسع والى مساحة إضافية تتسع للكثير من الشواهد التاريخية .
هذه الزيارة القصيرة أثارت الشجون الى الماضي ؛ الى عصور القوة والمنعة ، الى رموز القوة والأنفة الذي جابوا الدنيا على أقدامهم كي يحتفظوا بالمجد والعزة يوم كانت الحياة أزهى وأنقى ، لا يغطيها الدنس ولا تغزوها الأقوام النكرة أو الشعوب الوضيعة ، ورغم ذلك ما زالت الطيبة تعلو على الجراح وما زال حسن النية راسخا في أذهان المنكوبين ، وما زال الأمل معقودا على ما قد تقدمه الأرض من كنوز القدماء الذين اثبتوا وجودهم فيما تركوه لنا من بصمات .
راعنا عدم الكشف عن أهمية هذا الصرح وراعنا ضباب الجهل بعظمته وبقدسية ما يحويه من النفائس الأثرية والتاريخية وراعنا غربة المكان وقلة الزوار وغياب الإعلام للتعريف بمكانته وقدره .
هذا المتحف بحاجة للدعم الشعبي أولا من خلال دعوة كافة قطاعات الشعب لزيارته وعلى رأسهم الطلاب يأتون من خلال مدارسهم وجامعاتهم ومن خلال تبني وزارة التربية والتعليم لفكرة إدراجه في المنهاج الفلسطيني وثانيا استخدام وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة لإشهاره بين المحافظات الأخرى حتى تنظم الرحلات إليه أسوة بالرحلات الترفيهية الى المدينة . ومن جهة أخرى لا بد من دعوة للحكومة وتوجيه رسالة لها كي تحتضن تاريخ الأمة ومجدها وعنوانها وتنظر إلى رمز مدينة طولكرم الأكثر بهاء وألقا والأكثر تعبيرا عن ماضيها العريق بالعين الحانية والداعمة لصد هجمات العدو في حرب الوجود الماضية الى ما لا نهاية وحتى تزرع الأمل في غابة من أشواك النسيان والتغييب في ظلال المدنية الحديثة .
لقد كشفت الأرض عن وطنيتها على مر الأزمان وعلينا أن نصونها ونحفظ كدها في احتضان الحضارات الأصيلة ونقلها الى الأماكن الأمينة كي تبقى شاهدا صادقا على تاريخ طويل من تقلبات الزمان على هذه الأرض الطيبة المباركة التي لن تركع لأي مستعمر سفاح وستبقى عربية تصارع الأقدار وتذكرنا ما ننساه أو نتناساه ، فقام المتحف بدوره وأعطى الأرض قيمتها ورعى أملاكها واظهر قدرته على البقاء رغم قلة الإمكانات ورغم حاجته الى الدعم والمساندة والتوسع لعرض المزيد من تحفه النادرة .
لن تكون الزيارة التي قام بها وفد من جبهة النضال الشعبي في طولكرم للمتحف الأخيرة بل ستكون فاتحة لزيارات أخرى كثيرة تكون تعريفية داعمة لتلفت الأنظار وتقطع وتيرة الغياب لكافة المؤسسات المسئولة التي أدارت ظهرها عن مثل هذا الموقع المهم لتثير الدهشة عندما تتجه مسرعة تحث الخطى ودون تردد لافتتاح مطعم أو كافتيريا سياحية قد لا تعيش طويلا ؟؟؟.