لا شك ان الساحة الفلسطينية تعيش حالة غير مسبوقة من الشرذمة والفوضى، هي الفوضى بأم عينها.. وهي عبثية الفعل... والاستهتار بكل القيم والتقاليد والأعراف الوطنية... هي موجة الغوغاء المُسيطرة على الشارع وان تغلفت بأطر الفعل الوطني... فبلا شك اننا نعيش اليوم حالة من الفوضى على مختلف المستويات والصعد:
1ــ فوضى النظام والأسس الوطنية... نشهد فيها سقوط أنظمة الفعل الوطني العام واساسياته واركان فعله، وخطوطه الحمراء وتراجع لغة العقل والعقلنة والحرص الوطني اولا، ودوره والدعوات الميؤوس منها لإصلاحه، وبالتالي انهيار منظومة المفاهيم الوطنية التي ظلت الى حد كبير، حامية للمشروع الوطني الفلسطيني بكل مراحله وتجلياته. وهذا ما تتحمل نتيجته النخب السياسة الفلسطينية التي وظفت نفسها بالدرجة الأولى، خدمة لمشاريع الغير على الساحة المحلية حيث صار ارضاء اسياد هذا الطرف او ذاك، اولوية من اولويات كافة الأطراف بالشكل العام، وهذا عائد للارتباط الجدلي المصلحي ما بينهم... واعتقد ان افضل جو من الممكن ان تسود فيه مثل هذه المفاهيم المستجدة، تتمثل بخلق حالة الفوضى بالنظم والأسس والمفاهيم الوطنية وبالتالي افراغها من محتوياتها الفعلية... كأن يُصار الى تعميم ثقافة التكفير والتخوين، والاختلاف يصير جريمة من الجرائم الكبرى عند اصحاب النظريات الجديدة. وهذا على الأقل ما نشهده اليوم وما بتنا نلمس حقيقته بل ان الاختلاف ووجهة النظر الأخرى قد اصبحا يقابلان بالرصاص والقتل... مرة اخرى اقول ان ثمة تحالفا غير معلن ما بين العقم السياسي ومراهقة الاداء الوطني عند الكثير من قادة الفعل الوطني وما بين نخبة اخرى ما زالت تعتبر الوطن جزءا من مشروعها الشخصي الذي تُستباح من خلاله كل المحرمات الوطنية.... ما بين لغة القتل والتخوين والتكفير واقامة النظام الشمولي واحكامه، وما بين من يرى بهذا المشروع وقودا يستطيع من خلاله ان يعبر وان ينفذ الى مشروع التحالفات الإقليمية والدولية التي قد تمنحه مرتبة موظف او خادم، برتبة وزير او زعيم عند اقطاب معادلة الاستقطاب الثنائي على الساحة الإقليمية. وما بين ما يعتبر ان الاستئثار بالسلطة اهم من الوطن ومن مصالح الوطن ومن قوت الشعب كونه يعتبر ان السلطة قد تمنحه امارة يقيم عليها حكم الخلافة والإيمان وان كان ذلك على الحساب الوطني او بعكس الرغبة الوطنية العامة... وهذا ما تؤكده مسارات الأحداث بمجملها فلغة التكفير والتخوين هي المقدمة الطبيعية لمسار هؤلاء... والتشبث بالسلطة بصرف النظر عن الأثمان هو الدلالة لحجم وطبيعة المشروع القادم... وكل ذلك يجب ان يرتبط بإعادة صياغة المفاهيم والأسس المستحدثة من جديد، من رحم خلق حالة الفوضى بمنظومة المفاهيم الفلسطينية من خلال رحم فوضى لغة البنادق... فالمسألة لم تعد الخوف والتخوف من فلتان او انفلات امني... بل ان ما يجري هو ممنهج بشكل عملي مدروس للوصول الى تلك النتائج المُرادة. بشتى الاساليب والوسائل، بل ان ما صاحب ويصاحب المستجدات على الساحة الفلسطينية مؤخرا والتي تمثلت بالاستقالات الجملعية من اللجنة التنفيذية والدعوة لإنعقاد المجلس الوطني وتأجيله الى اشعار اخر انما يعكس حالة الازمة والاربالك التي بات يعيشها النظام الفلسطيني عموما الأمر الذي يعني بشكل او بأخر ان الفوضى هي سيدة الموقف.
2ــ فوضى البيت الداخلي... البيت الفلسطيني يتصدع ومنظمة التحرير الفلسطينية قد غدت مجرد صورة تجميلية، والمحاور تنمو وتتسع والحرب الأهلية تخيّم على الجو بل ان مقدماتها قد بدأت بالفعل بأكثر من ساحة وعلى اكثر من محور، وفلسطين جزء من هذا الحالة الإقتتالية الداخلية ما بين شعوب المنطقة التي تواجه صراعا وجوديا بين جبهة الاستيطان الاسرائيلي والاحتلال الأميركي والهيمنة الغربية على النفط والأمن الذاتي من جهة، وجبهة المقاومة والممانعة والاستقلال الحقيقي من جهة أخرى. وهذا الصراع يشوبه كذلك خطر التداخل مع المحاولات الخارجية الساعية الى إذكاء نار الفتنة وبخاصة المذهبية منها. لذا كان هناك سباق بين مشروع "الهلال الشيعي" وهو عنوان للتحريض المذهبي والطائفي والانقسام، ومشروع "هلال المقاومة" وهو خطة معاكسة تنطلق من خصوصية الواقع الوطني وتتضامن في ما بينها لمواجهة عدو مشترك.والبيت الفلسطيني جزء من المعادلة الاقليمية بشكلها العام.. حيث تم العمل على افراغه من محتواه الوطني والتشهير بقيمه من خلال اغراقه في حالة من الفوضى، وتضييع اسس وثوابت هذا البيت التي ظلت لعقود هي الحاكمة والضابطة لإيقاعه.حيث ان الفوضى العالمية والعربية من خلال ما يسمى (بالفوضى الخلاقة) تنعكس بقوة على الساحة الفلسطينية فوضى في الحكم والنظام والكيان، ما يهدد النظام الفلسطيني برمته في وجوده ودوره ورسالته. هذه الفوضى غير مقتصرة فقط على المؤسسات والبنى الوطنية العامة والمؤسسات السياسية بل تطال أيضا المواطن في وعيه وسلوكه وأخلاقه. وأمام فوضى المفاهيم هذه ، نقف في حالة ضياع وقلق وحيرة تتجلى في سؤال يرافقنا دائماً: ما العمل ...؟؟ وكيف لنا ان نعاود للإمساك بزمام المبادرة من جديد ومن أين نبدأ؟... من الإنسان أولا، من الأخلاق أساسا، من اعادة صياغة المفاهيم من جديد من احترام الآخر ورأي الآخر ومن سيادة منطق الوطن اولا وآخرا ومن الحرية دائما. تلك هي البداية الصحيحة والوحيدة. وللرد على الفوضى يكون بالحوار الحقيقي والبناء من أجل نهضة جديدة تنطلق من المواطن ومصالحه وتطلعاته وإعادة الاعتبار للقيم والأخلاق والمبادئ والمناقب كي يتحرر الإنسان من التبعية للمحور التنظيمي المُسيطر عليه من قبل ثلة من اصحاب المصالح والإرتباط الحزبي او التنظيمي، والتقوقع بالتكلسات التنظيمية والتحجر بما يأتي من خلال رؤية الزعيم هذا او ذاك.
لم يعد باستطاعة المواطن العادي أن يميّز بين خطاب وآخر بسبب تداخل الكلام وعدم وضوح المضمون والبلبلة في الالتزامات، حتى غدت السياسة والتعاطي والشأن العام في فلسطين ــ ومع مرتبة الشرف ــ أقرب الى الانتهازية والوصولية والسمسرة، وأسيرة النفوذ المالي والغرائز الزعاماتية والموروث العبثي وتسلط رجال البزنس والعقول الآتية من دهاليز الفهم الديني المتحجر المعتمد على لغة التكفير وامتلاك الحقيقة وحصرية التحليل والتحريم.
ان الذي نشهده في فلسطين اليوم هو موت للفعل الوطني والسياسي، فالفعل السياسي أصلا هو مبادئ ورؤية وأخلاق وتطابق السلوك مع الخطاب، كذلك هو خطة لتغيير الواقع وإدارة شؤون الناس بغية إيصالهم الى اهدافهم العامة والأمان والحرية والكرامة. ذلك هو تعريف الفعل السياسي في المجتمعات المتقدمة. التي اضحت بعيدة عن مشهدنا العام اليوم في فلسطين.
وحيث ذلك فبلا شك ان حالة الفوضى انما تفعل مفاعيلها وثمى عرابين لها، والمشهد الفلسطيني الراهن يؤكد هذه الحالة التي من شأنها ان تستمر وتتواصل لتشكل تربة خصبة لفعل الانهيار الذي يبدو انه بلا قاع، وهنا لابد من تسمية الاشياء بمسمياتها الحقيقية، فلا احد يستطيع ان يتجاهل ان الفوصى مسيطرة على كل الاطرالوطنية، وعلى رأسها فوضى عارمة في المؤسسات القيادية للشعب الفلسطيني، وفوضى ممنهجة في المؤسسات الوطنية الجامعة.
لابد من الخروج من ازمة الفوضى الأن، والخروج لابد ان يكون آمان، ولابد من لفظ كل من يؤجج هذه الفوضى باكثر من اسلوب وباكثر من وسيلة، وهنا الموقف واضح وقبول الاخر منهجيته معلومة ومعروفة.