تاريخ النشر: 2017-09-18 | 12:35
تاريخ النشر: 2017-09-18 | 12:35
مضى مئة يوم على ذاك الصباح الذي استيقظت فيه رام الله على دم شهيد يقطر فوق رؤوس المارة في مدخل إحدى العمارات وسط المدينة، كان ذاك زوجها وحبيبها ورفيقها، كان المستحيل الذي تلبس الامكان فمنحها الدهشة! منذ ذاك الصباح نبتت جبال الفقد في أعماقها، وحفرت أودية اليتم، وانتشرت تحت جلدها أسراب من الجرذان تقرض كل محاولة للفرح!
ظهر ذلك اليوم، تابعت المدينة تلك الزوجة التي انفردت بزوجها أمام ثلاجة الموتى وشربت دمعها حين بلل وجهه وجبينه، والتقطت الصور لتلك الأرملة وهي تحمل وحيدها ابن السنوات الأربعة، وتقربه ليقبل وجه أبيه القبلة الأخيرة، قالت له يومها: حين يموت الإنسان يعود بذرة، نزرعها في الأرض فينبت في الجنة!
ستنساه المدينة بعد برهة، وتغرق في حكاياها الجديدة، أما هي فستظل تذكر دائما انه خرج تلك الليلة كما كان يفعل كلما اقتحمت سيارات الاحتلال العسكرية مدينة رام الله ليرشقها بالحجارة، فقد كان يقول: ستموت الروح الفلسطينية فينا يوم تدخل جيباتهم العسكرية مدننا وتخرج دون ان تلعنها الحجارة!
طاردهم بحجارته، وطاردوه بالرصاص، تحصن في بيت الدرج، فاقتحم الرصاص عليه حصنه.
كان الأسى يطعنها كلما باغت اليتم صغيرها، وأقبل عليها باكيا متوسلا: لماذا لا يطلب بابا من الله ان يرجعه الينا؟! فتجيبه بعد ان تختضنه: سيزورك بابا في الحلم، ويلعب معك حتى تتعب، ادع الله أن تحلم به. وكانت تدعو له طويلا كي يحلم! أما هي فلم تكن بحاجة للأحلام، فما زال كل ركن في البيت ينشق عن طيفه، وما زالت ملامحه تشتبك مع ملامح العابرين.
غير استشهاد زوجها تضاريس قلبها، كما غير الانهدام الكبير تضاريس الأرض، فصار الفرح جزيرة يحيطها الأسى من كل الجهات، ليبقى محدودا مهما تألق، كفرحها يوم عرفت انها تحمل في بطنها أنثى، هي التي كانت تداعبه منذ أنجبت له امير الصغير بقولها: اريد منك طفلة تشبهني، لتلعب معي من خلالها دور الأب، وتكتمل بيننا ادوار الحب كلها! أما وقد رحل؛ فإن طعنة اليتم ستبقي الحب ناقصا مهما اكتمل! وكيف لا؟ وقد كان الأب والأخ والزوج والحبيب والصديق، كان الناس كلهم جميعا!
بعد استشهاده ظهر لها الناس في هيئات جديدة: ظهر لها المقاول الذي يطالبها بسداد شيكات البيت، وظهر لها عجز ابيه واخوته عن السداد، وهم يحاولون اقناعها ان تبيع البيت وتكتفي بغرفة في شقتهم الواقعة أسفل شقتها، وهي تحاول سرا البحث عن عمل، فكيف لها ان ترى الغرباء ينتهكون عشها كل يوم؟ ولكن ماذا تفعل زوجة شهيد بشهادة في اللغة العربية في مدينة يفوق فيها عدد الخريجين عدد الصفوف التدريسية؟
مئة يوم، والفقد يولد في أعماقها وكأن الفاجعة قد حدثت توا، ما زلت تنتظر كل مساء في موعد عودته ان يفتح الباب، وما زالت تنهشها الخيبة كل ليلة! عذاب لا يطاق حتى انها صارت كلما تأججت فيها حمم الفقد، تتمنى الموت! يحتاج الإنسان إلى شيء من الشجاعة لخوض حرب مع الآخرين، لكنه يحتاج إلى قلب نبي ليحارب بؤسه الرابض على ثغور روحه: الموت يا الله، الموت! ولكن، نحن لا نطلب الموت الا طمعا في تخفيف آلام الحياة، انها وسيلتنا الأخيرة في توسل الخلاص من اوجاعنا، طلب الموت هو شوقنا الحارق إلى عودة السعادة الينا!
سطعت فتن الحياة كلها أمام عينيها، وعادت الحياة تستحق العيش، لحظة أخبرتها الطبيبة النسائية بتعاطف مفرط: أخشى انه سرطان الثدي! عليك أن تراجعي طبيبا مختصا بالسرطان لهذا الغرض.
السرطان! تلك الكلمة التي توازي الموت في وعينا، جعلتها تدرك انها لم تكن تريد الموت حقا، لا، ليس بعد! أريد ان أقطع مع أمير شارع الحياة إلى رصيف الأمان، اريد ان امنحه اختا.
خلال أسبوع انتظار نتيجة الفحوصات، نبتت الغابات على جبال الفقد في أعماقها، وسكنتها وحوش القلق التي لا تكف عن العواء طوال الوقت.
أمام احتمالات الموت، يتضاءل كل شيء! باعت البيت، رتبت بقلب مربوط إلى زاوية القلق ملابس زوجها ومنحتها للفقراء، باعت مصاغها؛ لتبدأ رحلة العلاج، فليس أغلى من الحياة! وتجمدت أوصالها ذعرا أمام قرار الطبيب إجهاض الجنين، لم تستطع لحظتها العودة إلى البيت، لاذت بطبيبتها، كانت تؤمن أن الطبيبات أوسع صدرا أمام خيارات صعبة كهذه. قالت لها برجاء: لا أريد خسارة الطفلة.
فأجابتها بتنهيدة عميقة: طبيا يمكنك إجراء عملية استئصال للورم دون أن يتضرر الجنين، لكننا لا نملك الإمكانات اللازمة هنا، لماذا لا تجربي الحصول على تحويلة علاج في الداخل المحتل، هناك ستكون فرص النجاة كبيرة.
رغم يقينها أن الاحتلال لن يسهل علاجها، لأنها زوجة شهيد، إلا أنها لملمت رجاءها الضعيف وشرعت في مسيرة استصدار تصريح علاج، مدهش إصرار الإنسان على النجاة حين تكون حياته على المحك. في صالة الانتظار كانت تجلس بارتباك، حين تلقفها الموظف: أنت زوجة الشهيد ..؟
- صحيح.
- سيدتي، اتركي لي الأوراق وأنا سأقوم باللازم، سأتصل بك حالما يصدر التصريح.
- هل تعتقد أن التصريح سيصدر.
- سيصدر حتما، سأستثمر كل علاقتي لأتم الأمر، حق الشهيد علينا.
استسلمت للانتظار، وحين اتصل ليبلغها أن أوراقها جاهزة، تجنبت لسعة ضميرها، فلولا أنها أرملة شهيد، لما استبسل الموظف في مساعدتها، قالت لنفسها: ها انت ذا تحصدين بعض الغلة من أودية اليتم! بقدر ما نفخر بالشهداء، بقدر ما يحرجنا ان دمهم ما زال قادرا على البذل من اجلنا حتى وهم في قبورهم!
امضت وقتا طويلا تشرح لصغيرها ان عليها ان تبقى في المستشفى لبعض الوقت، وأنها ستعود، فقلبه الذي لم يعتد رحيل أبيه بعد، سيفطره غيابها، وعدته أن تتحدث اليه دوما، واختارت اخاها مرافقا، وغادرت متشبثة بالحياة!
كان الأطباء والممرضين كلهم غاية في النبل معها، وكان يلطمها قلبها كلما ردت على لطفهم باللطف: أهكذا تثأر زوجة الشهيد ممن قتلوه؟ صراع مرير ظل دائرا في اعماقها، هي التي اكتشفت هنا انه سيكون بمقدورها ان تحتفظ بطفلتها، وأن تعيش حياة عادية، بعدما تخضع لعملية استئصال الورم، وبعدما أكد لها الطبيب بكل لطف ان العملية ستتزامن مع عملية تجميلية وأنها خلال شهر ستشفى! هم قتلوا زوجي، هم سلبوني السعادة.. هم منحوني فرصة ثانية للحياة! هل الأمر معقد إلى هذا الحد؟! هيهات اغفر وجع شعبي، فكيف قبلت منهم كأس الحياة اذن؟! ظلت تدور بها الأفكار، إلى أن أطلعت أخيها على هواجسها، فقال لها: هذا علاج وليس تطبيعا، إن الحصول على العلاج أبسط حق للشعوب المحتلة وفق المواثيق الدولية، فمن يحتل بلاد الآخرين عليه أن يقدم لهم الخدمات، دون أن ينتقص هذا من حقهم في المقاومة.
قالت وقد لاحت لها الفكرة كفجر: صدقت، يأكل السجين من صحن جلاده، ولا يفرط بحريته!
وهي تغادر بوابة المستشفى عائدة إلى رام الله، سمعت صوت انهيار جبال الفقد فيها، واستوت أودية اليتم، وامتد سهل من الحزن الأخضر في اعماقها. الحزن اعتياد المصيبة، يأتي كما العافية!
منى النابلسي