يجدر بنا فى مستهل مرحلة جديدة نتطلع فيها الياعادة بناء مصر أن نضع حدا لمرض التخوين الذى استشرى مهددا النسيج الوطني. فعندما يستسلم مجتمع لهذا المرض، يصبح خطراً على نفسه بمقدار ما يعيش عدد متزايد من أبنائه تحت وطأة الشعور بمؤامرات فى كل مكان.
وهذا هو ما سعيتُ إلى التحذير منه طول الفترة الماضية, منبها إلى التهديد المترتب على التوسع فى التفسير التآمرى للأحداث وشيوع الاتهام بالتآمر والخيانة بلا حساب. وكان من بين ما نبهتُ إليه هو أن هذا الاتهام الذى ينتشر بشكل جنونى حين لا يوضع حد له فى بدايته لن يوفر أحداً، وأن من يوجه الاتهام اليوم سيتعرض له غداً.
لم يستمع إلى النصح من فتحوا الباب واسعاً أمام اتهام كل من يختلف معهم ولو فى تفاصيل صغيرة بأنهم “طابور خامس”. ولم ينتبه من انغمسوا فى رذيلة التخوين، التى تمثل الوجه الآخر لخطيئة التكفير، إلى أنه ليس من الوطنية فى شيء تعريض نسيج المجتمع لخطر انتشار التخوين. ولم يدركوا أن أكبر هدية يمكن أن تقدمها إلى أعداء الوطن هى أن تنوب عنهم فى تخريب نسيجه المجتمعى الذى تعتبر سلامته أحد أهم مقومات الأمن القومى لأى بلد فى هذا العصر.
وها نحن نرى ما يدل على ذلك الآن. فقد انقلب كثير ممن سبق أن اتهموا المختلفين معهم، أو رحبوا باتهامهم أو تواطأوا على شيوع رذيلة الاتهام بالتآمر والخيانة، على بعضهم البعض ورفع كل منهم “سيفه” فى وجه الآخر.
فكل منهم يتهم غيره بأنه إما خان الرئيس السيسى فى الانتخابات، أو تآمر عليه أو أساء إلى صورته.
ومازالت القصص تُنسج عمن لم يرتاحوا من البداية إلى ترشحه، ومن عقدوا اجتماعات للاعداد لترشيح آخرين، ومن أُسقط فى أيديهم عندما حسم موقفه وقرر أن يترشح فتظاهروا بدعمه من أجل مصالحهم، ولكنهم لم يفعلوا شيئاً فى الانتخابات. وثمة قصص أخرى عمن “افتعلوا” عدم وجود إقبال على لجان الاقتراع وشنوا حملة على اللجنة العليا للانتخابات ليبدو كما لو أنهم أصحاب الفضل فى “إنقاذ الموقف” بإضافة يوم ثالث.
فليتنا نكف عن تبادل الاتهامات ونوجه الطاقة المهدرة فيها للعمل الذى تشتد الحاجة اليه الان.
عن الاهرام