لو كنتُ مكان السيد جون كيري، لتهربتُ من مهمة القدوم إلى المنطقة لشأن يخص الصراع في فلسطين (أو هكذا أفكر كمراقب عادي). فقد مُنيت مهمته الكبيرة لحل المشكلة هناك بالفشل الذريع وأنهت آخر أوهام السلام المحتضر. وكذلك حال السيد بان كي مون الذي يُطلب إلى مؤسسته أن تنقع قراراتها في الشأن الفلسطيني وتشرب ماءها. ويمثل السيدان، كما هو معروف، الجهتين اللتين تزوّدان الاحتلال غير المشروع في فلسطين بالحصانة لمواصلة احتلاله وجرائم حربه.
الدور الوحيد الذي يمكن الحديث عنه لهذين الرجلين (ومعهما الرباعية ومن تمثلهم) هو: "التهدئة". ويعني ذلك أن الجهات الدولية التي يمثلونها، والتي تعرف أصل الداء وتشكل جزءا منه، لا تنطوي على الرغبة ولا الإرادة لشفائه، وإنما مجرد إسكات نوباته بالمسكنات. وإذا قورن ذلك بعمل طبيب، فإن ما يفعله الأميركيون والأمم المتحدة وبقية النافذين، هو سلوك طبيب خائنٍ لقسَم المهنة، والفاقد للأسس الأخلاقية والأمانة المهنية ليشرف على علاج مرض أو مريض.
أُمم السيد كي مون، المتحدة ضد العدالة للفلسطينيين، لديها قرارات أصدرتها ولا تستطيع تنفيذها أو الدفاع عنها. وولايات جون كيري، المتحدة أيضاً في قتل أحلام الشعب الفلسطيني، تمتلك كل الأدوات لزحزحة تابعها الاستعماري في فلسطين عن عناده والكف عن جرائمه واستئساده على العُزل، لكنها لا تقيم وزناً لألم الفلسطينيين.
دولة السيد كيري هي الجهة التي تشل يد مؤسسة السيد كي مون عن تفكيك المتفجرة التي تُسمى "الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي"، التي هي الاحتلال، بنقضها أي قرارات أساسية وتعطيلها أي آليات تمتلكها الأمم المتحدة لتطبيق القرارات التي أفلتت. وحتى السيد كيري، الذي تحدث البعض عن نوايا حسنة كانت لديه عندما شرع في جهده لإحلال السلام النهائي، خذلته مؤسسته ودولته قبل أي أحد آخر. ويمكن ملء مجلدات في تفسير أسباب الولايات المتحدة، -تتبعها الأمم المتحدة والرباعية- لإدامة الوضع غير الإنساني ولا الأخلاقي في فلسطين المحتلة. لكن الفلسطينيين معنيّون بما هم بصدده: مواجهة وضع مستمر رديء بالغ التعقيد، وقوى هائلة القدرة تتآمر جميعاً على إدامة نكبتهم وضياعهم الأوديسي. فعلامَ يهدأ؟!
بشكل ما، يُسأل السيدان كي مون والسيد كيري، بصفتهما السياسية وما يمثلانه، عن استمرار الصراع الذي يأتيان لحقنه بالمهدئات، ومجرد سحب الأطراف عن "حافة الهاوية". وبغض النظر عما يمكن قوله عن ألعاب الدبلوماسية ودهاليز السياسة، فإنهما بهذه الصفة شخصان لا يمكن استقبالهما بود أو اطمئنان لأنهما بلا مصداقية. وأتصور أن رفض استقبالهما للتوسط لن يزيد الأمور السيئة سوءا، بل إنه ربما يكون موقفاً شجاعاً ومنطقياً، واحتجاجاً مشروعاً على الاستمرار في تعاطي "المهدئات" التي يجلبانها للضحايا الذين يقتلهم سرطان الاحتلال.
الخبر عن جولة كيري في المنطقة، قال إنها تجيء "بهدف احتواء الأجواء المتوترة بين إسرائيل والفلسطينيين. وذلك في تصريحات (لكيري) جاءت في أعقاب مقتل ثلاثة إسرائيليين الثلاثاء خلال صدامات. وأشار... إلى أنه سيحاول... ’إعادة التواصل ومعرفة ما إذا كان بإمكاننا الابتعاد عن هذا المنحدر".
بوضوح، تنطوي مفردات الخبر على إشارتين ليستا غريبتين. أولاً، أن كيري أحس بوجوب التحرك "بعد مقتل ثلاثة إسرائيليين" وليس عناية منه بالضحايا الفلسطينيين. وثانياً، أنه سيعيد "التواصل" لشأن انقطع تحت عينيه مباشرة، وهو يعرف أنه لا يمكن أن يتصل ما لم تتوفر لبلده إرادة إنهاء الاحتلال ومنح الفلسطينيين حقوقهم المنصوص عليها دولياً على الأقل. فلماذا يجيء؟! إنّه لن يجبر قادة الكيان على إنهاء ما يُغضب الفلسطينيين، ولن يمنح القيادة الفلسطينية التي خذلتها دولته سبباً تعرضه لمواطنيها ليهدّئ سخطهم ويعيد تخديرهم بالأمل الخادع المجرب.
موقف كي مون أضعف بالتأكيد، لأنه أبعد بمسافات من كيري عن مركز اتخاذ القرار الجوهري في واشنطن. لكنَّ الرجلين اللذين يروجان المهدئات في المنطقة، ينطويان بحكم المهنة على طبيعة المروِّج الذي يعرف ضرر ما يفعل، وإنما يتذرع بـ"عملية" المهنة ويعتنق "أخلاقياتها" ويصدّق نفسه. لكن مهنة السياسة إذا كانت تنطوي على خداع الذات والآخرين، فإن ذلك يضاعف شعور الضحية بالعجز فحسب، والعجب من مجاراة ساستنا للعبة بدون مكاسب لشعوبهم ولا مهارة. إنهم يشاركون فقط في استلام "المهدئات" من الوسطاء، وبيعها في أحياء الفقراء.
عن الغد الاردنية