تاريخ النشر: 2021-05-24 | 18:48
تاريخ النشر: 2021-05-24 | 18:48
الكثير من الكُتاب المهمين ممن أتابعهم يتغيرون حسب اتجاه الريح، وأحيانا حسب الاتجاه الذي يعتقدون أن الريح سائرة باتجاهه! فيبدون ملكيين أكثر من الملك ما بدا واضحًا من هؤلاء فترة لطمة "ترامب" المسماة صفقة العصر وهي صفعة العار على وجه كل الأمة.
ومثل هؤلاء الكُتّاب والمفكرين وأمثالهم من الاعلاميين أماتوا حينها منطق الالتزام القومي وأسقطوه كليا من حساباتهم تحت دعاوي المصلحة والاقتصاد والتنمية وقِدَم القضية الفلسطينية وفقدانها بريقها! وأنها أصبحت ثانوية بالمنطقة، ووراء ظهورهم وغير ذلك من الأسباب.
هؤلاء الكتاب والاعلاميين المتلونين الذين يظنون أنهم يكتبون بمسافات فيركضون أمام السلطة أي سلطة هم يحاولون بالحقيقة جر هذه السلطة لاتخاذ مواقف رأوها باتجاه الريح وما هي بالحقيقة مواقف السلطة المقصودة.
حصلت الانعزالية العربية من بعض رموز بالدول العربية وهي انعزالية حكومية لم تشارك بها كل شعوب الامة قاطبة ما يدلل عن انعزالية الانعزاليين مهما برروا ارتباطهم بالذيلية للعدو المحتل لأرض فلسطين العربية، ومهما حاولوا تصوير المشكلة أنها مشكلة طقسية دينية بسيطة! فجعلوا إبراهيم عليه السلام يصرخ في آذانهم أن أصحوا وأقراوا السياق الديني المذكور ضد الكهنة وضد القبيلة المندثرة (قبيلة بني إسرائيل العربية المنقرضة)، وضد كل الضالين في سياقهم وزمانهم ومنهم محرفي التوراة القدماء والجدد.
الكثير من كُتّاب القلم (ولوحة المفاتيح، والهاتف النقال..) المتلوّن ذهبوا بآرائهم شمالا ويمينا باتجاه تقبيل قدم المحتل باعتباره المنقذ لأنظمتهم! كما ظنوا، وفي إنقاذ النظام إنقاذ لمصدر رزقهم هم ولو غرقت الأمة كلها تحت وقع انحرافهم فأنا (لسان حالهم) أولًا ولتذهب القيم والمباديء والقضايا الى الجحيم! وكأن الامة أي أمة تعيش بالارز واللحم فقط؟
إن الأمة خاوية العقل المستهترة بحضارتها العظيمة ولغتها ومستقبلها تنسحق بسهولة أمام حضارة الآخرين، وهي أمة لا قيمة لها في سوق الأمم الناهضة.
والى ذلك نقول للمشككين بأمتهم المنحرفين عن قيمهم والمباديء باعتناق ما أسموه "الواقعية السياسية" التي عنت عندهم التخلي عن فلسطين لمصلحة البلد! نقول أن لا تعارض بين الدين والتقدم التقاني والصناعي، ولا بين القضية الكبرى والنمو الاقتصادي، ولا بين الاصلاح الداخلي والنقد ولا بين النضال ضد الاحتلال والعلمية بتاتًا الا في ذهن أولئك المنحرفين الانعزاليين داخل الأمة ممن ستسكب عليهم الايام بقيا قهوتها المرة.
فجيعة الأمة ليس بمواقف بعض زعمائها السياسيين فقط أي الانعزاليين منهم وإنما بمواقف مفكريها ومثقفيها وإعلامييها وفنانيها ودُعاتها وشيوخها الذين يصمتون عن مناصرة العقيدة والقضية والمبدأ حينما يعز صوت أمثالهم.
دومًا كانت وأن بنسب متفاوتة جماهير الأمة العربية الناهضة جماهير تفهم معنى الالتفاف حول القضية المركزية للامة، فلسطين وهي مصدر قوتها وعزتها وكرامتها ووحدتها ونهضويتها.
ودومًا ما فعلت ذلك وعبرت عنه حتى لو خالفت آراء بعض قادتها السياسيين ولنا اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي مساحة واسعة استثمرتها شعوب الامة قاطبة لمصلحة فلسطين ضمن معادلتها المتوازنة فلا هي أساءت لنظامها السياسي بغض النظر عن مواقفها، وقامت بالتضامن العلني مع قضية الأمة المركزية قضية فلسطين (مؤخرا فيما حدث بالشيخ جراح والأقصى ضمن هبّة رمضان 1442هـ، ثم العدوان على غزة) وفي ذلك ذكاء الكتروني، وذكاء عربي فطري نجده بتاريخ العرب إلى أن تصبح الشورى أو الديمقراطية الحقة مساحة اللقاء للجميع.
لسنا في إطار الثورة الفلسطينية من مادحي هذا النظام أو ذاك، بل قاتلنا أنظمة حاولت سرقة قرارنا وما زلنا لا نفهم القرار الا وحدوية لا احتواء وإملاء.
ونحن المناضلون العرب والفلسطينيين من اعتدنا على نقد قادتنا نقدا مريرا، ولكن ضمن أصول الاختلاف والنقد وهو ما تعلمناه من الرموز الأوائل وعلى رأسهم الخالد صلاح خلف (أبوإياد) والذي يريد أن يتعلم أصول الرفض والنقد والاختلاف فليتسع وقته لقراءة أو الاستماع لخطاباته الثورية العظيمة، وإن شاء النظر في المساحة بهدوء أكثر نحيله على المفكر خالد الحسن والمفكر عبدالوهاب الكيالي ولربما يجد سلواه في سميح القاسم ومحمود درويش وأبوسلمى أيضا، وكثير من مفكرينا وشعرائنا العظام.
المقصد أننا ننقد المواقف بمنطق الرفض حيث وجب، ونشير للمواقف الايجابية حيث وجب فالسياسة علم المتغير وعلم التوازن وعلم المصالح التي عندنا لا تتفوق على المباديء لذلك وازنت الثورة الفلسطينية و(م.ت.ف) دوما وحركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح بين رفضوييها عبر أمثال أبوإياد وماجد أبوشرار وعثمان أبوغربية وجورج حبش وغسان كنفاني وبين يمينها كما كان يسمى، وبين الدول التقدمية كما كانت تسمى والدول المحافظة بمعنى أنها لا تقطع الخيوط وتفترض أن في هذا النظام أو ذاك ما يمكن البناء عليه.
لأن الهدف الرئيس هو زيادة معسكر الأخوة والأصدقاء وتقليص معسكر الاعداء، وليس العكس ما نجده اليوم عند قصيري النظر سياسيًا الذين يهاجمون هذه الدولة العربية أو تلك أو ذاك القائد العربي أو غيره في مساحة شتيمة معيبة لا تترك للتقارب أي مساحة، وهذا فعل مرذول.
تورد صحيفة الشرق الاوسط في 22/5/2021: (أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، اليوم (الجمعة)، إدانة السعودية وشجبها للاعتداءات والإجراءات الإسرائيلية في مدينة القدس، والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وما أسفر عنه من سقوط للضحايا الأبرياء والجرحى، داعياً الله أن يمن عليهم بالشفاء العاجل. وشدد الملك سلمان خلال اتصال هاتفي أجراه بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، على أن السعودية ستواصل جهودها على جميع الأصعدة لوقف الإجراءات والاعتداءات الإسرائيلية على القدس من خلال التواصل مع الأطراف الفاعلة لممارسة الضغوط على حكومة الاحتلال الإسرائيلي، متمنياً لشعب فلسطين الأمن والسلام.)
السعودية بالتحديد وبشكل إجمالي كثيرًا ما تتلقى سيل الشتائم والاتهامات والطعونات من كثير من المشككين، منهم الطارئين ومنهم الابديين، ومنهم العقلانيين ومنهم المدفوعين أو الهمج الرعاع (كما أسماهم علي بن أبي طالب "رض")، وذلك بالنظر لطبيعة المواقف السعودية المعروفة بتأنيها ووسطيتها وحذرها أحيانا في محاولة التوازن، لكنها رغم ذلك لم تتخلى فترة صراع المعسكرين (أمريكا الرأسمالية والغرب في مواجهة الاتحاد السوفيتي والشرق حتى العام 1990 والانهيار لنظام المعسكرين) عن دعم القضية الفلسطينية، وهذا كان كما ذكرنا رغم تهم اليسار الفلسطيني لها آنذاك بالرجعية ...الخ من التهم الأخرى.
هذه الأيام وفي كل يوم تحصل فيها مواجهة ضد الإسرائيلي تبرز النظرة السلبية تجاه المملكة دون تمييز، ولنقل أن التمحور بالمنطقة حاليًا هو أحد أهم الأسباب في ذلك، وهو حقيقة الصراع الإقليمي الذي أعاد تجميع المحور الإيراني في كفة في مقابل المحور العربي، ومن هنا ورغم رفضنا المطلق لمحورية المنطقة ودعوتنا للأخوة الإسلامية فإن قبول تدخلات المحاور غير العربية في المنطقة (إيران وتركيا) يعد مثلبة وإعادة للصراع الصفوي العثماني الذي نبذناه مع بزوغ فجر العرب، بل وخدمة للمتسيد الأول الذي تدعمه أمريكا بلا حدود أي الاحتلال الصهيوني.
لا نزكي السعودية أبدًا، وليس لنا أن نصرف الانتباه عن حقيقة مواقفها التاريخية المشرفة، فهي صدر الامة العربية والإسلامية، وهي البلد الذي لطالما كانت فلسطين قبلته السياسية في مقابل قبلة المسلمين في مكة المكرمة.
وإن كان لهذا السياسي أو الكاتب أو الاعلامي الاندفاع باتجاه سلبي لا نقبله، أو حتى انحرف عن الوحدوية العربية المتمحورة حول فلسطين، فهو انحراف لن نسكت عليه من جهة ولكن لا نعكسه على مجمل البلدان، بلدانهم، ما هو خطيئة عوضا عن أن النقد كما كان يكرر خالد الحسن هو لذات الموقف، وليس لذات الشخوص.
وكما نعلم فالمواقف متغيرة، والشخوص تغضب عندما تُشتم، والشتم هو قمة المعايب.