ثلاثة صحافيين وقع عليهم الاختيار لمحاورة فرنسوا هولاند على الهواء، بينهم ليا سلامة. وهكذا رأينا اللبنانية الشابة جالسة، مساء الخميس الماضي، أمام رئيس الجمهورية، تواجهه بالأسئلة التي تشغل بال الفرنسيين. وفي حين ينهمك والدها، وزير الثقافة اللبناني السابق غسان سلامة، بقضية ترشيح نفسه مديرًا عامًا لليونيسكو، كانت البنت تركز عينيها الذكيتين على هولاند وتحاول، على عادتها في محاوراتها مع السياسيين، أن تحشره بين استفهامين لكي يعترف بهفوات تكررت في إدارته لدولة أوروبية كبرى.
جرت العادة في أوقات الأزمات، أن يعقد رؤساء فرنسا مؤتمرات صحافية لتوضيح سياساتهم. أو أن يحلوا ضيوفًا على برامج ذات صدى واسع، يدعى لها صحافيون بارزون لمحاورة رأس الدولة. ومن التقاليد حضور جمهور يمثل فئات مختلفة من الشعب، يشارك في طرح الأسئلة بصراحة، وأحيانًا بكل صفاقة. لكن أيًا من الصحافيين المشاركين في «حوارات المواطنة» لم يلفت انتباه وسائل الإعلام سوى ليا سلامة. لماذا هي؟ سؤال طرحته أكثر من صحيفة علنًا. هل أزعجهم أنها اقتحمت الشاشة وصعدت بسرعة الصاروخ من قارئة أخبار في «فرانس 24» إلى نجمة في برامج ناجحة تحتاج انتباهات ذكية؟ لو لم تكن الصحافية الشابة تتسلح بشخصية قوية وتعليم متين وثقافة متنوعة لنفخوا عليها وطيّروها مثل الريشة خارج الاستوديو.
هل أقلقتهم نبرتها الصِدامية وجرأتها مع ضيوفها أم تضايقوا لأنها، في نهاية المطاف، عربية حتى ولو عاشت منذ الطفولة في فرنسا؟ هذا بلد يصرخ بشعار حقوق الإنسان ويقف مع المرأة ظالمة أو مظلومة، بحيث يتصور المرء أن أوساط قادة الرأي تترفع عن الأحقاد الصغيرة والتحاسد والتعليقات المبطنة. لكن يبدو أن التحضّر لا يعصم من الضرب تحت الحزام. ما معنى أن يستبق محرر «الكانار أونشينيه»، أشهر الصحف الأسبوعية الساخرة في فرنسا، بث ندوة هولاند ويكتب أن اختيار ليا سلامة كواحدة من ثلاثة يحاورونه، أمر يعود لصفات لا تمتّ كثيرًا إلى مواهبها الصحافية؟ أما مسؤولة القسم السياسي في القناة الثانية فقد أوحت بأنها كانت من ضمن الفريق المحاور لكنها استبعدت لصالح الصحافية اللبنانية الأصل لأن مدير الأخبار يرى أنها «جذابة».
نبشوا في تاريخ الزميلة «الدخيلة». لم يقولوا الكلمة رغم أن هناك من كان يعنيها. وكتبوا عنها كما يكتبون عن كائن جاء من الفضاء. من يكون أبوها وما قومية أمها. أين تلقت دراستها. أي اللغات تجيد. كيف غيرت اسمها الأصلي من هلا إلى ليا. بدايتها كمتدربة وما تلاها من صعود سريع. لكن ما كان ممكنًا أن ينكروا اجتهادها وموهبتها. ففي العام الماضي فازت بجائزة «أفضل مُحاورة». فهل كانت بريئة تمامًا في المعمعة؟ أعلنت ليا أنها ضد العلاقات التي تقوم بين البعض من أهل الصحافة وعدد من نجوم السياسة. ثم كشفت في مقابلة معها أنها تعشّت مرتين على مائدة هولاند وأخبرها أنه يسمعها، كل صباح، في الإذاعة.
لا تؤمن ليا سلامة بالمثل العربي: «أطعِم الفم تستحِ العين». قبلت دعوة الرئيس دون أن تجامله في المقابلة التلفزيونية الأخيرة أو تعفيه من الأسئلة المحرجة. فهي قد سبق أن وصفت تقاليد دعوة الإعلاميين إلى موائد الرؤساء بأنها علاقات خطرة. وهولاند موجود اليوم وغدًا يخرج إلى مصطبة المتقاعدين. أما هي ففي مقتبل العمر، مرشحة لأن تبقى في دائرة الضوء، لا يشغلها سوى تجويد بصمتها ومواصلة ارتقاء السلم. وكثيرون في فرنسا يعرفونها ويحفظون شكلها لكنهم لم يسمعوا بغسان سلامة. فرخ الوز عوّام. وابنة الوزير تعوم وتحلّق وتقول عن نفسها إنها مُندفعة ومُجازفة لأنها لبنانية في جانب، ومن برج العقرب، في جانب آخر. سلامة من لدغة ليا.
*صحافيّة وروائيّة عراقيّة
عن الشرق الاوسط