الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

"لقمة العيش" صعبة يبوي

"لقمة العيش" صعبة يبوي

تاريخ النشر: 2021-01-23 | 18:23

تحسين يقين
تحسين يقين

يعيدني حمام رام الله إلى طيور أخرى، لي معها ذكريات، الى درجة بعث السلام لها من هنا إلى ميريلاند، وراء البحار.

ثمة حركة، للأجنحة فيها البطولة والحضور، أقف قريبا أتأمل انجذاب الحمام للحبوب التي بذرها محبوها، لتلتقطها، ثمة حركة فنية في هبوط الحمام من أسطح البيوت والأسلاك في رام الله، كيف يكون هبوط الحمام معا، وملامسة الأرجل للأرض، لتنهمك في حركة نشطة في تناول طعامها، فإذا ما مرت مركبة أو بشر، فإنها تفرّ عائدة الى أماكنها، تنتظر خلو المكان من الصوت، فتعيد الكرة مرة أخرى، لتكرر ذلك مرات ومرات، وأنا أتأمل، غير شاعر بأي ملل، أمام إبداع دراما الأجنحة والمناقير.

أقف، متذكرا بطا وإوزا، هناك بعيدا، وسيمفونية الحركة، إنها موسيقى، أو لعله إيقاع الطيور على صفحة الماء.

كان يوما صيفيا، من تموز عام 1997، حين زرنا المقر الأوروبي للأمم المتحدة في مدينة جنيف، كان مبرر الزيارة المشاركة في دورة عن حقوق الإنسان في التعليم، وكانت مكثفة، لدرجة أن تكثيفها استفز موظفة الأمن الإسرائيلية في مطار جنيف في طريق العودة، حين كانت تلح في أسئلتها عن الأماكن التي ذهبنا إليها، ولما أخبرتها أن الدورة كانت في نزل قديم بعيد عن جنيف 12 كيلو مترا، وأريتها البرنامج حتى تعتقني من كل هذه الأسئلة.

-       هل تنقلت في جنيف؟

-       لم يكن هناك وقت، فالدورة مكثفة.

قالت وهي تقرأ البرنامج بتأن مشيرة إلى يوم زيارة الأمم المتحدة بعد ظهر هذا اليوم:

-       لم يكن لديكم نشاط بعد الظهر، فماذا فعلتم في جنيف؟

-       تمشينا في المدينة..

-       أين؟

-       عند البحيرة..

لا يسعدني استعادة حواري معها، والذي هو تحقيق أمني ممل ساخر، إلا أنه أسعدني حين أعادت لي مشهد البحيرة، ونافورتها العالية وعمرانها القديم المميز، وحدائقها الغناء المرسومة بالزهر والورود.. وبطات البحيرة!

حين انطلقنا صباحا، جيء لنا بطعام، مكون من جبن ومربى وبيض وماء وخبز، ليكون بديلا عن وجبة غداء اليوم، وبعد أن تجولنا في المقر الأوروبي للأمم المتحدة، وزرنا الصليب الأحمر، وشاهدنا رسائل الجنود إلى أهلهم من عقود، وشيئا عن الحرب والسلام، وعن فلسطين، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وكيف تم سلخها عن بنية الأمم المتحدة العام لتأخذ شكلا خاصا يوحي بطول حل هذه القضية، وإبقائها مجرد قضية إنسانية!

طحين وسردين.. أمر جيد.

انتهينا من الزيارة، وجلسنا تحت الشجر المقابل نأكل طعامنا، وكقروي آلمني منظر الخبز الذي سيلقى إلى سلال المهملات، فأنقذته في اللحظة الأخيرة، أنا الفلسطيني من بلد اللاجئين الذين يتصدق العالم عليها بالطحين، فكيف أرمي هذا الخبز الجميل الرقيق الرائع؟!

سرنا والبحيرة، مررنا مقابل حديقة تعب مهندسها المعماري في تصميمها، وتعب النحاتون في نحت كل شيء. اقتربنا من البحيرة أكثر، ونافورة جنيف مقابلنا، وأمامي البحيرة، طبيعة صامتة لكنها تتكلم، أجمل مما صنعه الإنسان بكثير، سرت أنا وعدد من الأصدقاء من فلسطين واليونان وإيطاليا..لم نكن كثرا، كنت أحمل كيس الخبز، وكلما رآني أحد الزملاء حريصا على حمله أثناء تنقلنا لامني لأنني أتعبت نفسي!

اقتربت منا إوزة، إوزتان ببياضهما، ومنقاريهما العريضين وصوتهما يسبقهما، لم أجد نفسي إلا وأنا أتذكر المصرية التي كانت تطعم بطاتها الصغيرات أو كما يقول المصريون "تزلط البط" أسفل شقتنا حين كنا طلبة في مصر، أطل شارع دسوق، وبنايتنا وبلكوننا القبلي والمصرية كثيرة البياض خصوصا بياض الساقين.

بدأت بتقطيع الخبز وتدويره ورميه للإوزتين الزائرتين شاطئ البحيرة، كرة خبز وراء أخرى، أو قطعة وراء قطعة، فسعدت وابتهجتا وازدادت حيويتهما وهما يتناولان طعام الخبز..ثم تركتا الشاطئ.. ولم تمر سوى دقائق حتى قدمت أخريات يسبحن نحونا، فالتهمن الخبز المرمي في الماء..ثم تركت الشاطئ..

قلت لصاحبي: البط أفضل منا، لأنه حين يشبع يترك مائدة البحيرة تاركا المجال لبط آخر!

في طنطا انتقلنا للسكن في شقة في الطابق الرابع من شارع أبو فريخة.

يطل البلكون البحري على سطح بيت جارتنا التي كانت تربي الطيور والدواجن على سطح البيت، وأتذكر حينما كانت تنثر بقيا الطعام من خبز وغيره، كيف كانت الطيور جميعها بل واليمام وعصاقير البلدي تسرع في تنافس على الخبز.

يعيدني حمام رام الله اليوم إلى ميريلاند:

-       لكن هذا الخبز الفرنسي طويل، فكيف أنتهي!

ستنتهي من الجبنة اللذيذة، لكن كيف لك أن تنتهي من تأمل العصافير هنا في مكان الطعام! وها أنذا أجد مجالا للكتابة. لعلي أطعم البطات في طرف البحيرة، وعلى وقع أصواتها المنادية أكتب.

صار المكان مركز جذب فصعدت البطات من الماء إلى اليابسة، فآه ما أصعب لقمة العيش يا بطات أنابوليس!

أثرت بإطعامي الخبز للبطات ابتسامات الجالسين على كورنيش البحيرة، وربما إعجابهم..

قطعت ما تبقى من خبز فرنسي، ورميته قطعا صغيرة، ثم أخذت بتحريك البطات عن طريق تركيز الرمي، أرمي قريبا وأرمي بعيدا، مرة قطعة واحدة تتنافس عليها البطات، أو مجموعة قطع..موسيقى البطات في الحركات الانسيابية رمز لحركات البشر بحثا عن الكلأ والماء..

أودع البطات بعد أن منحتهن حبي مع الخبز، وبقيت مع ما تبقى من الجبنة في طعمها الحاد الرائع المذاق!

ماء وخضرة ووجه حسن وبطات بيض.

 

واليوم إلى يافا، حيث صارت لدي خبرة في خلق حركة على سطح الماء، هناك عند بحيرة صغيرة، شرق المدينة، كنت قد بيّت النية على اللعب والتأمل؛ فتكرار الظواهر تعميق لتأملاتنا.

رحت أحرّك البط والإوز يمينا وشمالا، أجمعهن في مركز، أبعثرهن في مركز، وهن باستجاباتهن خلقن توقيعا مدهشا على صفحة الماء، فيما رحت أنظر الى السماء، فيما يمر الناس من حولي باسمين حينا، وناظرين الى الأعلى، يبحثون عما أنظر له، فلا يرون غير السماء الزرقاء، فيزهدون، ويغادرون.

فهل من معنى للحياة بعد هذا السرد لذكرياتي مع البط والمدن والأماكن؟

ربما هو في اكتفاء بطات بحيرة جنيف وترك الخبز الباقي لغيرها...

الكائنات كما الطيور والبشر.

في حياتي، كفرد، كنت طيرا كالطيور البشرية، تدافعنا معا نحو الخبز، وشهدنا ظواهر وحكايات، وقرأنا شيكسبير، وما جد من حديث عن المال والتمويل، فصرت ألوذ بدعاء سيدنا المسيح عليه السلام:

اعطنا خبزنا كفاف يومنا

.....

ولا تدخلنا في التجربة.

هل لأجل ذلك يسمي المصريون الخبز "عيش"؟ و"لقمة العيش" صعبة يبوي!

استوصي صديقتي الشاعرة السورية أمل فراج، جارة بطات أنابوليس في ولاية ميريلاند خيرا بالبطات والإوزات، بل وبعصافير البلدي أيضا، بإطعامها الخبز وقت الزيارة، هناك قرب البارجة التي صارت ربما متحفا، لعل الحروب تنتهي الى الأبد، وتسود العدالة. أما طيور يافا ومصر فعليها وعليهن السلام.

والآن، سأعود لقراءة "خبز الآخرين" للقاص محمود شقير من جديد؛ فقد كنت فتى حين قرأتها..

×
أخبار
ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن مستشار رئاسي: إردوغان يترشح مجددًا في انتخابات مبكرة عام 2028 آيزنكوت يهاجم نتنياهو وحلفاءه المعارضين.. وليبرمان وبينيت وغولان يردون انتخابات أوروبا 2027.. صعود اليمين الراديكالي يضع حوكمة الاتحاد أمام اختبار جديد ترامب يهدّد الاتحاد الأوروبي بسبب “الخطة العدائية” للشراكة مع كندا شركات إسرائيلية تعرض تقنيات الأمن السيبراني في دبي وسط تبادل تجاري بنحو 3 مليارات دولار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط