بدءاً، الشكر واجب من جانبي لرئيس تحرير جريدة \"الشرق الأوسط\"، الأستاذ سلمان الدوسري، لتفضله بتفهم طلب لي وقبوله، كنت ضمّنتُه رسالة رفعتها إليه الإثنين الماضي عبر الإيميل، قلتُ فيها ما يلي: (\"منذ ربيع هذا العام بدأت أشعر بإرهاق ذلك العبء وتأثيره، ولذا ألمحت مطلع يونيو الماضي للدكتور عادل الطريفي، أنني أرغب بالتوقف عن التزامي بالمقالة الأسبوعية، لكن انشغالاته حالت دون بحث الأمر بالتفصيل قبل انتقاله إلى موقعه الجديد وتسلمكم مسؤولية رئاسة التحرير\"). أما \"إرهاق العبء\" المشار إليه إعلاه فهو شأن خاص بي على المستوى المِهني، وليس ينتقص من تقدير قيمة عطاء وإبداع كتّاب مقالات الرأي وكاتباتها، سواء على صفحات \"الشرق الأوسط\"، أوغيرها من كبريات الصحف العربية والمواقع الإعلامية الجادة على شبكة الإنترنت، مع الأخذ في الاعتبار أهمية تنوّع الأساليب. لكن، في ما يخصني ولا يلزم غيري، أعتقد بأفضلية تضمين مقال الرأي ما يفيد القراء بمعلومة جديدة، وأرى أن ذلك عبء على الكاتب، وهو ما أشرت إليه في رسالتي إلى الأستاذ سلمان الدوسري على النحو التالي: (\"ليس خافياً عليكم أن كتابة مقالة أسبوعية لصفحة الرأي بجريدة وازنة، كما صحيفة العرب الدولية، يشكل عبئاً يرهق كل كاتب، وكاتبة، يتعاملان مع كتابة المقالة بما يليق بها من جَهد يأخذ في الاعتبار ضرورة تضمينها معلومة جديدة، أو إضافة متميزة في سياق التحليل الموضوعي، وحبذا لو توفر كلاهما\"). أضيف الآن فأوضح هنا بما أرجو أن يكون ساطع الوضوح، ويمنع أي تأويل غير صحيح يربط بين رغبتي بالتوقف عن كتابة المقالة الأسبوعية وبين أي جانب آخر، فأقول إنني أفكر بالتوقف منذ بدأت أحس بإشكالية تقديم مقالة خارج دائرة \"إعادة الإنتاج\" فلا تعيد آراء سابقة لي، أو تكرر عبارات تضمنتها بشكل آخر مقالات سابقة، وهو ما قصدته بالإشارة إلى \"العبء المرهق\" في رسالتي إلى الأستاذ سلمان الدوسري، الذي تمنيت له منذ تعيينه، وأكرر الآن تمنياتي له بتحقيق أعلى مراتب النجاح في رئاسة تحرير أهم صحيفة عربية دولية تصدر خارج العالم العربي. تكراراً، أعود إلى القول إن تقديم مقالة جديدة المضمون والمعلومة كل أسبوع عبء مرهق لكل من يحرص على الإلتزام به*. لكن ذلك الفهم لمقالة الرأي السياسي الأسبوعية تحديداً، لا يشمل الزاوية اليومية، وكذلك يختلف الأمر مع مواصفات التحليل الإخباري، وهذه العجالة ليست مجال التوسع بالشرح، بل هدفها هو ما أوضحته أعلاه، وفي هذا السياق أضيف إلى ما سبق، النقاط التالية:
أولاً، مع تكرار تمنيات النجاح له في موقعه الجديد نائباً لمدير عام قناة \"العربية\"، يبقى واجب الشكر للدكتور عادل الطريفي قائماً، فهو صاحب فضل لن أنساه لجهة تشجيعه لي على العودة للكتابة وإنهاء التقاعد الذي كنت أعلنته في مقالة على صفحات \"الشرق الأوسط\" في عدد الإثنين الموافق للرابع من إبريل 2005، ولقد نجح الدكتور الطريفي في إقناعي، ولذلك تفاصيل ليس هنا مكانها، فكتبت لمجلة \"المجلة\"، ثم لصحيفة العرب الدولية.
ثانياً: إن التطورات على عدة جبهات عربية، وخصوصاً منها تغوّل تنظيم داعش، وتمدده ليصبح \"دولة إسلامية\" يجري إعلان قيامها بإسم دين أتشرف، كما أكثر من مليار مسلم، بالانتساب إليه والإيمان به، كي تمارس بشاعات ليس بوسع المؤمن بأي دين أو عقيدة، أن يقبل بها، أقول إن هذه التطورات التي تسارعت مع تسارع عواصف الحيرة، سرّعت من جانبها برغبتي في التوقف عن كتابة مقالة أسبوعية لجمهور صحيفة عربية دولية أثق بدرجة عمق الوعي بين غالبيته، فوجدتني أتساءل إن لم يكن بوسعي إثراء وعي من أكتب لهم، والإضافة إليه، فما جدوى الكتابة؟ هل المسألة مجرد ملء لفراغ وقتي وتعبئة لمساحة ما في الجريدة؟ كلا، هي ليست هكذا بالنسبة لي، ولست وحدي، بالتأكيد، في هذا الفهم الجاد لمعنى الكتابة، ثم إنْ لم يكن باستطاعتي حل ألغاز حيرتي في تفسير ما يجري، فأنى لي أن أقنع من يقرأ لي، ألم يقل الأولون إنك كي تقنع غيرك يجب أن تكون أول المقتنعين به؟ بلى.
ثالثا، وختاماً، فقد أطلت: آمل أن تتيح لي فترة توقف مقالتي الأسبوعية الفرصة كي أحاول ترتيب فوضى أرشيفي المبعثر من حولي، بما يمكنني بالفعل من البدء في سرد محطات من مشواري في دروب الصحافة، وخصوصا منها المرحلة اللندنية، من جريدة \"العرب\"، إلى مجلة \"التضامن\"، فمحاولة تحقيق حلم مجلة مستقلة، ثم تأجيل ذلك الحلم والالتحاق بأسرة \"الشرق الأوسط\"، وبعدها رحلة استكشاف عالم النشر الانترنتي وعلومه، عبر السباقة \"إيلاف\" وأسرتها، ثم العودة القصيرة إلى رحاب \"الشرق الأوسط\". الحق أن لديّ ما يجب قوله بما يُحق بعضَ ما لبسه باطل. لكن المهمة ليست هيّنة، بل تحتاج هِمّة، وليس لي سوى أن أسأل العلي القدير أن يمكنني، إنْ كان ما سأكتب يرضيه هو أولاً، عز وجل، وليس لأي غرض آخر. وهل بقي في العمر، ما يستحق الحرص عليه أكثر من الأمل بلقاء وجه الله بقلب سليم؟ كلا. يبقى أن أقول شكراً لكل من قرأ أسطري أعلاه، وكل من تفضل بقراءة مقالاتي في \"الشرق الأوسط\"، وآمل أن أطل هنا على صفحات \"داربكر\"، بين الحين والآخر. إلى اللقاء.
*هامش: لو سُئلت عن مِثال يعكس الحرص على مقالة تتضمن المعلومة الجدية، أو التي تذكّر بمعلومة ذات صلة، إضافة إلى التحليل الموضوعي، لقلت إن المثال موجود بمقالات هدى الحسيني، الكاتبة في \"الشرق الأوسط\"، والصحافية اللامعة صاحبة الخبرة الطويلة في إجراء تحقيقات ميدانية حملتها لكثير من الجبهات الساخنة في أماكن عدة من العالم، إضافة إلى خبرتها المشهود لها في فن إجراء الحوار الصحافي مع المسؤول السياسي على نحو ينتزع معلومات ذات قيمة خبرية.
نقلا عن الموقع الرقمي للكاتب..\"دار بكر\"