مثلما أن التاريخ والجغرافيا يمكن أن يشكلا رافعة لعلاقات متنامية ومصالح متبادلة بين الدول، ترتقي إلى مستويات عالية من التنسيق وصولاً إلى إقامة شكل من أشكال التوحد من خلال إقامة منظومات إقليمية مشتركة، فإن التاريخ والجغرافيا يمكن أن يشكلا عامل حرب وتوتر ومحاولات للهيمنة، فعندما تؤثر الجغرافيا والتاريخ في السياسة فإن المحصلة تكون إيجابية، أما عندما تؤثر السياسة في التاريخ والجغرافيا فتكون المحصلة سلبية وتكون عاملاً صراعياً بدلاً من أن تكون عاملاً يدفع للتعاون، خصوصاً إذا ما كانت خاضعة لمعايير الهيمنة والسيطرة والتوسع، وليس لمعايير المصالح المشتركة .
هذا الكلام يقودنا إلى الحديث عن العلاقات العربية - الإيرانية عموماً، والعلاقات الخليجية - الإيرانية خصوصاً، إذ إن هذه العلاقات أرادت لها طهران أن تتخذ في معظم الأحيان منحى الصراع والتوتر، بدلاً من أن يلعب التاريخ والجغرافيا كلاهما دوراً إيجابياً يأخذ منحى التعاون والتنسيق، ذلك أن الخليج العربي يمكن أن يتحول إلى بحيرة سلام وتعاون، إذا ما أدركت طهران أن الاحتكام إلى منطق القوة وفلسفة المجال الحيوي لا يمكنهما بناء علاقات تبادلية تستند إلى الشرعية الدولية وتحتكم إلى القانون الدولي، بل يقودان إلى التوتر والصراعات والحروب، وهذا لن يؤدي إلا إلى التدخلات الخارجية التي لا تريد للمنطقة خيراً .
لطالما دعت دول الخليج العربي إلى التعاون، وبادرت إلى مد اليد باتجاه إيران لفتح صفحة جديدة تأخذ في الاعتبار مصالح الجانبين، وتزيل المخاوف القائمة الناجمة عن ممارسات سابقة ولاحقة أساءت إلى علاقات حسن الجوار، بل وأثارت الشكوك إزاء نوايا معلنة وغير معلنة تستهدف المنطقة .
كان مأمولاً أن تزيل الثورة الإيرانية نقطة سوداء في تاريخ العلاقات، من خلال نتائج عدوان ارتكبه الشاه بحق دولة الإمارات العربية المتحدة باحتلاله جزرها الثلاث، لكنها بدلاً من تصحيح خطأ تاريخي عمدت إلى تكريسه، ورفضت ولاتزال ترفض حل هذه القضية بالوسائل السلمية من خلال الحوار أو الاحتكام إلى القانون الدولي، ما يدل على استمرار نوازع الهيمنة والسيطرة والتوسع، وهو ما ظهر جلياً في تدخلها في اليمن ودعمها غير المحدود للحوثيين الذين انقلبوا على الشرعية بتشجيعها وتوجيهها ودعمها الميداني والسياسي .
نعم، هناك شكوك ومخاوف خليجية تجاه الممارسات الإيرانية في المنطقة، وهو حق مشروع طالما أن طهران تمد أصابعها إلى أكثر من مكان، ولا تقوم بأية مبادرة تدل على حسن نوايا وحسن جوار .
لعل إيران تدرك وتتدارك الآن، والمنطقة كلها تغلي والمخاطر تتعاظم، أن لا مصلحة لأحد بإشعال براميل البارود، أو تأجيج نار تشتعل في أكثر من مكان لأن النتائج ستكون كارثية على الجميع .