هناك محاولات لإنقاذ ليبيا من مأساتها المتمثلة في الفوضى العارمة التي تعصف بها منذ إسقاط نظام القذافي وسقوطها بيد الميليشيات والإرهاب ، وتحولها إلى منصة للخطر والتخريب في محيطها وصولاً إلى جنوب القارة الأوروبية.
بعد أن أدركت الدول الغربية سوء صنيعها إزاء ما فعلته بليبيا في إطار صراعها على موقع هذا البلد وثرواته النفطية ، بدأت تبحث عن حلول تداركاً لخطر الإرهاب الداهم ، وتم تكليف الأمم المتحدة بالبحث عن الوسائل التي قد تؤدي إلى حل بين المجموعات المتصارعة التي حولت ليبيا إلى مسرح للعنف والاقتتال الجهوي والقبلي والميليشياوي ، والصراع الإقليمي، الذي قوض مكونات الدولة والمجتمع وأطاح بقدرات البلد ووضعه على شفير الهاوية.
ومع ضعف فعالية دول الجوار المفترض أن تتولى مهمة البحث عن حل باعتبارها معنية أكثر من غيرها لأن الخطر على بابها ، وبدأ يتسلل إلى داخلها. إلا أن خلافاتها تجاه وسائل الحل إضافة إلى حساسيات وحسابات سياسية معينة جعل من المأساة تطول ويستفحل الخطر، وتنسحب من المشهد تاركة للآخرين، أي للدول الغربية أن تتحرك، أي للجهات إياها التي شاركت في تدمير ليبيا.
لذلك، قادت الأمم المتحدة بتكليف من الدول الغربية مفاوضات متنقلة بين سويسرا والمغرب والجزائر وتونس شملت الأطراف السياسية المتصارعة في كل من طرابلس وطبرق على مدى حوالي عام، وانتهى الأمر ب «اتفاق الصخيرات» الأخير الذي حصل على تأييد مجلس الأمن وخصوصاً ما يتعلق بتشكيل «حكومة توافق وطني» لم تبصر النور بعد، وإن أبصرت فستكون عاجزة عن تحقيق ما هو مطلوب منها، لأنها لا تملك قدرة التأثير على القوى الممسكة بالأرض التي تفرض سيطرتها وسطوتها على الميدان ، والقادرة على الإطاحة بها متى شاءت.
لا يكفي أن تتفق جماعة طرابلس وجماعة طبرق ، وهما الجماعتان الأضعف.. ولا يكفي أن يعلن مجلس الأمن دعمه وتأييده لهما ، فالشكوك كبيرة ومشروعة في صدق والتزام الدول الغربية .
والسؤال: لو افترضنا أن العملية السياسية نجحت تبقى المواجهة الميدانية للجماعات الإرهابية التي سترفض أي اتفاق.. من سيخوض الحرب ضدها ، ومن لديه الاستعداد وعلى أي أسس؟ وما الشروط التي يمكن أن تضعها الأطراف المعنية باعتبار أن ليبيا دولة نفطية وهي منطقة صراع مصالح حيث لا بد أن يكون لكل شيء ثمنه من حيث التلازم بين تأمين المصالح وخوض الحرب ضد المنظمات الإرهابية وهزيمتها.؟ ثم
لا بد من نزع سلاح الميليشيات من أجل استعادة الأمن و«السلطة الشرعية» المتفق عليها..فمن يستطيع القيام بهذه المهمة؟
وإذا كان هناك من يراهن على الجيش الليبي الذي يقوده اللواء حفتر في هزيمة الإرهاب ، ففي هذا القول شيء من المغامرة ، فهو جيش يفتقد إلى البنية التنظيمية المتماسكة والإمكانات والعدة والعدد وهو لم يستطع حتى الآن الإمساك بالمناطق المتواجد فيها أو توسيع المساحة التي يسيطر عليها .. حتى ولو تم تزويده بالعتاد اللازم فذلك يحتاج إلى وقت طويل للإعداد والتدريب.
الاتفاقات وقرارات الدعم والمساندة مفيدة.. لكن ذلك لا يكفي .. ليبيا تحتاج إلى مقاربة أبعد مدى وأعمق.