بعد أن توقف هدير المدافع وقصف الطائرات وبعد الصمود الأسطوري لشعبنا الفلسطيني ومقاومته الباسلة , تنفست غزة الصعداء بعد هذا العدوان الشرس الذي شنته إسرائيل , فقد بات مطلوباً من القيادة السياسية الفلسطينية وعلى رأسها الرئيس محمود عباس ( أبو مازن ) في المرحلة القادمة التحرك على كافة الأصعدة من أجل البدء باستثمار ما تحقق من صمود وإرادة وتحدي لشعبنا الفلسطيني في مواجهة المحتل من وضع الخطط اللازمة لإدارة الصراع في المرحلة القادمة وذلك من أجل إنهاء الاحتلال وفي مقدمتها الانضمام إلى كافة مؤسسات الأمم المتحدة , حتى تبقى قضيتنا الفلسطينية حية كما يراها ويؤمن بها أصحاب الضمائر الحية وعلينا أن نتمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد , مقابل محاولات إسرائيل وأد المنظمة ودفن قضيتنا برمتها .
لقد وحدت المعركة الأخيرة الشعب الفلسطيني من خلال هذا الصمود والتصدي الأسطوري والإرادة الصلبة , وجعلته صفاً واحداً خلف قيادته الشرعية , وأعادت الكرة إلى ملعب الرئيس محمود عباس ( أبو مازن ) , لإدارة الشأن السياسي من جديد , حيث أن الرئيس هو عنوان استعادة وحدة الوطن وإنهاء الانقسام.
لقد حاول العدو الإسرائيلي بكل الطرق ومن خلال هذه الحرب الهمجية الشرسة تركيع أهلنا الصامدين في القطاع المحاصر , هذه الحرب التي راح ضحيتها أكثر من ألفي شهيد , وأكثر من أحد عشر ألف جريح ومعاق من رجال ونساء وأطفال وشيوخ في مجازر لم يشهد لها التاريخ الحديث بشاعة وهمجية , خاصة وأنها كانت تستهدف ابادة عائلات بأكملها حيث تم في هذه الحرب ابادة ستين عائلة بأكملها , كما تم تدمير عشرات الآلاف من المنازل والمدارس والمصانع والمستشفيات والمقرات الأمنية والحكومية , وتدمير كافة البنية التحتية في القطاع .
لقد تركت هذه الحرب العديد من الآثار النفسية والصحية والاقتصادية والاجتماعية على كافة المواطنين وخاصة الأطفال منهم حيث أصبحوا يعانون من مشاكل نفسية خطيرة لها تداعياتها وتأثيراتها السلبية والمدمرة في المستقبل القريب.
إن أهداف العدو الإسرائيلي بالدرجة الأولى كانت إفشال المصالحة الوطنية الفلسطينية التي تمت قبل هذا العدوان , وبقاء الانقسام والانشقاق بين أبناء الشعب الفلسطيني الذي عانوا منه سبع سنوات عجاف , وكذلك تعطيل أي حل يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس , إلا أن شعبنا أثبت قدرة فائقة على الصمود والتصدي والتوحد في مواجهة هذه الهجمة الشرسة وتفويت الفرصة على العدو الإسرائيلي.
وفي هذا الصدد , لابد من دعم حكومة الوفاق الوطني وتقديم كل ما هو مطلوب من أجل أن نعزز من إنجازاتها ومواقفها , حيث أننا الآن أمام مرحلة جديدة من الوفاق والوحدة , حيث إن هذا العدوان مسح كافة آثار هذا الانقسام البغيض , والآن , يوجد أمامنا طريق طويل وصعب لتضميد الجراح وإعادة إعمار ما دمرته الحرب الأخيرة.
ومن هنا , لابد أن تقوم حكومة الوفاق الوطني بتشكيل لجنة من فصائل العمل الوطني والإسلامي والشخصيات المستقلة المتخصصة , وذوي الخبرة وذلك لمباشرة العمل فوراً ومساعدة الحكومة , لحل كافة القضايا التي نجمت من جراء هذا العدوان الأخير وكذلك حل كافة المشاكل التي تراكمت أثناء سنوات الانقسام البغيض على كافة الأصعدة.
إن تشكيل هذه اللجنة سيكون ضمانة جيدة , لتوفير المعايير المطلوبة على قاعدة الشفافية والنزاهة والعدالة في العمل على أن تخضع هذه اللجنة إلى هيئة رقابة محايدة.
الآن وبعد أن وضعت الحرب أوزارها ماذا بعد ؟؟
هنالك عدة نقاط لابد أن نأخذ بها بعين الاعتبار وهي :
- أن يتم توسيع حكومة التوافق الوطني وأن يتواجد نصف اعضائها في قطاع غزة من أصحاب الخبرات المتخصصة وذلك للإشراف على لجان الأعمار وباقي القضايا .
- أن يتم تشكيل لجنة وطنية مهنية لدراسة وتقييم العمل خلال فترة الحرب والتي استمرت واحد وخمسون يوماً .
وبعد تشكيل هذه اللجنة هنالك تساؤلات لابد من الاجابة عليها وهي :
- كيف سيتم الاستفادة من نتائج الحرب على قطاع غزة .
- كيف سيتم معالجة وإزالة آثار العدوان .
- كيف سيتم حل مشكلة البيوت المهدمة لعشرات الآلاف من المواطنين المشردين والمتواجدين في مدارس الايواء أو عند الأقارب ونحن بعد ثلاثة أشهر مقبلين على فصل الشتاء .
- كيف سيتم معالجة موضوع شهداء الحرب وهل سيتم اعتمادهم والتعويض عليهم أم لا .
- كيف سيتم علاج آلاف الجرحى وما هي آلية التعامل مع المعاقين منهم مستقبلياً حيث تتحدث المعلومات أن عدد المعاقين كبير جداً ,وهل سيتم انشاء جمعية لهم لمتابعة قضاياهم أم لا .
- كيف ستكون آلية الأعمار وما هي معايير النزاهة والمساواة .
- كيف سيتم إزالة ومعالجة الآثار النفسية والصحية على المواطنين التي نشأت من خلال هذا العدوان وخصوصاً الأطفال منهم .
وهنا أتسأءل :
ماذا نريد كفلسطينيين بعد انتهاء الحرب ؟؟
- هل نريد أن تكون بلادنا كــ ( سنغافورة ) مثلاً أمن وأمان واستقرار وازدهار .
- أم هل نريد أن تكون بلادنا قتل ودمار وخراب .
شعب فلسطين يستحق الحياة كباقي شعوب المعمورة , حيث إنه تواق للعيش في أمن وأمان واطمئنان ويحلم بأن يكون له دولة في القريب العاجل بإذن الله.
هذا سؤال موجه إلى الجميع , حيث أن شعبنا يريد العيش بأمن وأمان كباقي شعوب العالم .
لقد صدق أحد الأصدقاء عند مقابلته لنا أول يوم من نهاية الحرب حيث قال ( الخارجون من هذه الحرب هم الشهداء الأحياء ) .
رحم الله الشهداء الأبرار اللذين رووا بدمائهم الطاهرة الزكية ثرى الوطن , والشفاء العاجل لجرحانا البواسل .
وكل الحب والتقدير لشعبنا المعطاء الصامد الصابر في أماكن تواجدها .