الدمار الهائل التي تحدثه آلة الحرب الصهيونية في عدوانها على غزة، مدعومة بلا أخلاقية لدى السياسة الصهيونية قد تجعلنا أسيري اللحظة الراهنة، دون ملاحظة تغييرات أعمق تحدث على الخريطة السياسية الفلسطينية ستظهر آثارها ما بعد العدوان، وقد تكون هذه التغييرات ذات أثر بالغ في الخريطة الجيوسياسية للقضية الفلسطينية.
محاولة الخروج من الصندوق وقراءة ما يمكن أن يكون لا تدخل في باب (فقه الترف)، ولكنها ضرورية لمعرفة ما يمكن أن يخبئه المستقبل، وكيف علينا التعامل والتعاطي معه.
قبل العدوان على غزة كانت (حماس) تواجه واحداً من أصعب الظروف السياسية، فالتأييد الشعبي داخل غزة في أدنى مستوياته، والحصار حوّل الحياة في غزة إلى رحلة يومية صعبة للغزيين، ولا يمكن إنكار أثر اختلاف حماس مع حلفائها السابقين (سورية وإيران وحزب الله)، وتغير موازين القوى في المنطقة، وهو ما قادها للقبول بفتح الباب، وإن موارباً، للتلاقي مع السلطة الوطنية الفلسطينية.
ولكن ما حدث بعد العدوان الصهيوني الوحشي على غزة أنه قدم دفعة مهمة لحماس مرة اخرى بعد أن كانت ترى نفسها مضطرة لتقديم تنازلات داخلية، هذه الدفعة ساعدت على ارتفاع شعبية حماس في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، فالفلسطينيون في الداخل رأوا أن المعركة مع (العدو الصهيوني) هي معركة وجود، فهذا العدو لا يفرق بين فلسطيني وآخر، ولا يفرق بين طفل وامرأة وشيخ ومسلح، وأن الفلسطينيين (كلهم في الهم شرق).
ورغم محاولات السلطة اللحاق بركب الرغبات الشعبية المتصاعدة، لكن حركتها بقيت بطيئة غير قادرة على اجتراح مبادرات خلاقة، فباستثناء تشكيل وفد مشترك يضم ممثلين عن فصائل فلسطينية متعددة، بقيت السلطة أسيرة حساباتها الضيقة، ومحدودية أفق (المطبخ السياسي)، وهو ما أظهر غزة وكأنها بعيدة عن سلطة (أبو مازن)، والذي لم يحرك مراوح مروحيته ليزور غزة، ضارباً بالاتفاقيات والتوافقات عرض الحائط.
مع صعود (حماس) جماهيرياً يجب الاعتراف ان العدوان الصهيوني كان يوجه ضربات موجعة للحركة عسكرياً، فحماس، كما الكيان الصهيوني، تدرك محدودية مخزون الأسلحة، وخاصة الصواريخ منها، وهو ما يعني أن استمرار العدوان إنما هو استنزاف لمخزون السلاح لدى حركة حماس، والوحشية في العدوان الصهيوني استفزاز مقصود لإجبار حماس على استخدام الصواريخ، ومن الملاحظ تراجع الصواريخ التي تطلقها حماس في الايام الأخيرة من العدوان مقارنة بالأيام الاولى منه.
في نهاية الأمر ستضع الحرب أوزارها، وفي الجردة النهائية قد يميل كثير من الشعوب العربية إلى اعتبار حماس منتصرة في هذه المعركة، هذا الموقف سيكون مدعوماً بفكرة الصمود والمقاومة والخسائر المادية لعصابات الصهاينة، وكذلك باعترافات من قيادات صهيونية وتحليلات إعلامية بأن العدوان الصهيوني لم يحقق النتائج المرجوة منه.
ولكن هل هذه هي نتائج العدوان الصهيوني على غزة؟
بالطبع لا، فالعدوان الصهيوني على غزة هذه المرة قد اقتلع أظافر وأنياب حركة حماس، وفي ذات الوقت منحها الشعبية الكافية للفوز في أي اقتراع عام سيجري خلال عام من الآن، وهو ما يعني أن حماس باتت مؤهلة لأول مرة كي تكون في موقع السلطة فعلاً في(السلطة الوطنية الفلسطينية)، هذا الوجود الذي لم يعد مقلقاً للكيان الصهيوني، لا بل هو مرغوب لدى بعض دوائر صنع القرار في الكيان الصهيوني.
فوجود حماس في موقع السلطة عبر انتخابات عامة تساعد حماس على القول أنها وصلت باصوات الشعب الفلسطيني، ومن دون تقديم تنازلات، وأنها لن تتفاوض مع العدو الصهيوني، ولكنها مضطرة في ذات الوقت بعقد توافقات للتنسيق الأمني، ومنح هذا العدو هدنة طويلة الأمد.
وعلى الجانب الصهيوني يمكن اعتبار وصول حماس لمواقع السلطة كارثة يتم تسويقها إعلامياً، وذلك لتأكيد أن الصهاينة لن يجلسوا إلى طاولة مفاوضات مع حماس قبل اعترافها بدولة إسرائيل، وهو الأمر الذي لن يحدث، ومن خلال وجود حماس في موقع السلطة يمكن للصهاينة التخلص من الضغوط الدولية لحل القضية الفلسطينية، وذلك من خلال مبرر مقبول للدول الغربية وعلى راسها الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا المبرر هو عدم وجود طرف فلسطيني للجلوس على الطرف الآخر من طاولة المفاوضات مع الصهاينة، فمن سيفاوضون؟
هذا السيناريو يحقق رغبة الصهاينة في تفريغ مقعد المفاوض الفلسطيني، ويريحهم من الضغط ويساعدهم على التركيز على التمدد الاستيطاني والضغط بالحصول على اعتراف دولي بيهودية الدولة التي ينادون بها، وعلى الجانب الآخر يمنح حماس ما رغبت به منذ زمن، وما عجز إخوانها في دول مختلفة الوصول إليه، وهو الحكم، ولهذا نتائج عدة قد تكون موضوعات مقالات لاحقةعن الرأي الاردنية